نحن نملك في بلادنا لسوء الحظ الكثير من المشكلات، والقليل من الحلول. ونعتقد في ذات الوقت أن سوانا لم يبتل بمثل هذه المفارقة، ولم يصب بذات الداء. وهو يتقدم بسبب ذلك إلى الأمام في حين نتراجع نحن إلى الخلف! وأكاد أجزم أننا لفرط ما أصابنا من إحباط، وشدة ما اعترانا من حزن، لم نعد نكترث ...
" />

ليس بالشعر وحده

نحن نملك في بلادنا لسوء الحظ الكثير من المشكلات، والقليل من الحلول. ونعتقد في ذات الوقت أن سوانا لم يبتل بمثل هذه المفارقة، ولم يصب بذات الداء. وهو يتقدم بسبب ذلك إلى الأمام في حين نتراجع نحن إلى الخلف!
وأكاد أجزم أننا لفرط ما أصابنا من إحباط، وشدة ما اعترانا من حزن، لم نعد نكترث لهذه المصيبة، ولم نعقد العزم على مواجهتها. فقد تكيفنا لها، وبتنا نعتقد أنها قدرنا الذي لا فرار لنا منه!
ومن يشك في صحة هذا الاستنتاج عليه أن يحصي عدد البحوث التي جرت بغرض إيجاد حل ما، لمشكلة النهضة، رغم مرور أكثر من قرن على انطلاقها. ويقارن بينه وبين ما صدر من كتب شعرية في الحقبة نفسها، وسيجد أن الفارق شاسع جداً. وعليه أن يغربل هذا «الشعر» جيده ورديئه على حد سواء، ويقرر إن كان هذا الجنس الأدبي الجميل، قد أسهم في الدفع باتجاه انفراج ما، أو أنه بعث اليأس والخيبة لدى القراء. وهل كان له دور إيجابي في عملية التغيير، أو أنه كان سلبياً على الدوام!
قال برتراند راسل يوماً ماذا لو أن نيوتن أغرم بقول الشعر وكرس حياته لهذا الفن، وكيف ستكون حياتنا لو أن توماس أديسون فعل الشئ ذاته؟ لا أحد يعرف بالضبط ولكن من المؤكد أن نيوتن وأديسون العالمين خير وأحب إلى البشرية من نيوتن وأديسون الشاعرين!
إن حياتنا هذه لم تكن لتكون جميلة دون أن تحظى بشعراء كبار مثل السياب ونازك ونزار ولميعة عباس عمارة وسواهم من الأسماء اللامعة. ولكن هؤلاء هم نتاج حركة نهضوية واسعة نفخت فيهم روح التجدد، وليس العكس.
وما يصدق على الشعر يصدق على أعمال إبداعية أخرى، مثل الرواية والقصة والمسرحية، دون ريب.
غير أن الاستغراق في عمل سهل لا يكلف جهداً ولا يستهلك طاقة هو سمة مميزة لعصر جديد اسمه عصر السرعة. أما الثقافة فهي في الأصل نتاج عقلي رصين، لا يمكن أن يتطور دون تأمل وبحث كبيرين.
في مطلع القرن العشرين، جرت غربلة التراث الإسلامي المكتوب بالعربية بجهود فردية خالصة. ولم يكن الهدف من هذه الحركة إضافة رصيد جديد من الإصدارات، بل للتنبيه على نقاط القوة والبناء والتسامح في هذا التراث. وهي أمور كان العرب آنذاك بأمس الحاجة إليها في مواجهة عصر الاستعمار.
ما نحتاجه اليوم هو ذلك القدر من التفكير الذي يعيد للمجتمع توازنه، بعد أن ترنح تحت تأثير العنف والجريمة والقبلية والتخلف. وخضع لضغوط نفسية وعقلية كبيرة على مدى عقود طويلة ومريرة.
لاشك أن العمل الإبداعي هو إضافة جميلة للثقافة الوطنية. ولكن ما يحتاجه الناس هو شئ آخر أكثر أهمية، لأنه يتعلق باستمرار الحياة في هذا الجزء من الكوكب. فبالشعر وحده لا يحيا الإنسان.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة