الأخبار العاجلة

هكذا عرفت البكر وصدام.. رحلة 35عاماً في حزب البعث

د. فخري قدوري
الدكتور فخري قدوري من أوائل البعثيين في العراق يكشف في كتاب ” هكذا عرفت البكر وصدام.. رحلة 35عاماً في حزب البعث” معلومات عن صدام حسين الذي جمعته به علاقة عمل فرضت ملاقاته يومياً لمدة ثماني سنوات، ويقدم صورة واضحة لشخصية متواضعة في البداية، ومنتهية بتسلط ونكبات متتالية، حسب تعبير المؤلف.
وفي الكتاب أوصاف دقيقة لأحمد حسن البكر وصدام حسين وجوانب من عاداتهما الشخصية لم يطلع عليها غير المقربين منهما.ويصف المؤلف كيفية انتمائه إلى حزب البعث وسيرته الحزبية وتجاربه مع رفاقه في الحزب “بعد أن أصبح الحزب في نهاية الأمر محكوماً من قبل شخص واحد وأصبحت تنظيماته تحت مظلة الإرهاب تنفذ رغبات الحاكم المستبد”.
“الصباح الجديد” تنشر فصولاً من هذا الكتاب نظراً لدقة المعلومات التي سردها الدكتور فخري قدوري حول مرحلة الاستبداد والتفرد وطغيان صدام حسين.
الحلقة 9
شفيق كمال

المقدمة
لم تقو سامية على مقاومة المشهد المؤلم فودعت الحياة في 28/ نيسان/ ابريل 2003 بعد مضي اقل من ثلاثة اسابيع على احتلال القوات الاجنبية بغداد فرقدت الى جانب زوجها في مقبرة الشيخ معروف بمنطقة الكرخ من بغداد لسيدلا سويا الستار على مسيرة حياتهما ونضالهما المشترك.
امين عام من بلد عربي آخر لهذا رآت بغداد ان استقالتي قبل انتهاء المدة تعني ارباكا لخططها وقد تم لها ذلك فعلا وتولى المهمة بعد السيد مهدي العبيدي الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة.
ويبدو من التطبيق ان ذهنية وراثة المناصب العربية تنطلق من ذهنية الوراثة العائلية لأنظمة الحكم في غالبية البلدان العربية.
بعد اتمام مقابلاتي مع رمضان وثامر وحسن علي وحمادي والعزاوي توجهت يوم 30 حزيران/ يونيو 1982 لمديرية السفر لاستحصال التأشيرة على جواز سفري طبقا للإجراءات السائدة رحب بي الضباط المسؤول وقدم لي فنجانا من الشاي من دون أي معرفة سابقة به مناديا على مساعدة لإجراء المطلوب وبعد برهة عاد المساعد رافضاً ختم السفر بحجة وجوب قيامي اولا بإملاء استمارات معينة لأخذ موافقات الجهات المختصة التي تستغرق اسبوعين او ثلاثة اسابيع وكاد الامر يتطور الى مشادة بين الضباط ومساعده وسمعت الضابط يخاطب المساعد بنبرة انفعال (هل وضعت الاستمارات للدكتور قدوري وامثاله؟) اضطر الضابط ان يطلب من مساعده جلب الختم وقام بنفسه بالتأشير على جواز سفري فتوجهت على الفور الى المطار حيث كانت الطائرة تستعد للإقلاع بعد ساعتين.
وفي المطار مررت كما هي العادة بقسم جوازات السفر حيث كانت تلك لحظات عصبية اخرى.
تصفح المسؤول الامني السجل الكبير امامه وتطلع الى الملاحظة المسجلة على اسمي بمنع السفر ثم عاد يقلب الصفحات مرات عديدة ويقرأ ملاحظات لم استطع التعرف عليها وبقيت واقفاً امامه والعرق يتصبب من جبيني فتلك دقائق قد تقرر مصيري.
ولمحت ضابط كان يراقب المشهد من بعيد مسرعاً بالمجيء نحونا وهكذا شكل دخوله السجن لأول مرة منعطفاً في حياته الادبية والسياسية وكان وهو اليافع في السن قلقاً من ردة فعل والدته التي يكن لها حباً كبيراً التي قابلته بحب ميزه عن اخوانه الاخرين واستمر تعلق شفيق بوالدته حتى الكبر ولطالما ناداها بكلمة حبابة الاثيرة على نفسه.
لم يكن يخشى الاحتجاز وهو الذي عرف اليتيم بعد فقد والده منذ الصغر لكنه كان يحسب لتأنيب الوالدة اكثر من حساب الا ان ما حدث كان عكس التوقع اذ دخلت السجن متفقدة ابنها مالئة جنباته بالزغاريد لاعتقادها انه حول ابنها الى رجل!
وقد عززت تلك الكلمات ثقة شفيق بنفسه ومنحته قوة في نشاطه الوطني فانضم الى حزب البعث مع تصاعد سخونة الاحداث الوطنية والقومية أواخر الاربعينيات وكان احد الرفاق البارزين في كلية الآداب بجامعة بغداد حيث تخرج شفيق عبد الجبار قدوري من قسم اللغة العربية فيها عام 1955 واستمر حتى ذلك التاريخ يحمل هذا الاسم.
كان يكثر من الفرار الى سوريا للإقامة بين اهله في البو كمال ودير الزور لنشاطه السياسي وتعرضه المستمر الى المطاردة والاعتقال وخلال احدى حالات الفرار وصل طريق الهرب حتى مصر وكان ذلك وراء تغيير لقبه.
افلت شفيق من قبضة السلطات الامنية بجوازه سفر زور فيه اسمه ليصبح شفيق الكمالي بدل شفيق قدوري ووقف وراء اختياره اللقب الكمالي اعتباران الاول ان اخاه الاكبر عبد اللطيف الذي سبقه في الاقامة ببغداد اتخذ هذا اللقب نسبه الى مسقط رأسه البو كمال واصبح يعرف عبد اللطيف الكمالي وكان اديباً معروفاً ذو ميول قومية واتجاه ناصري ويكمن الثاني في بحث الاجهزة الامنية عن الشخص المسمى شفيق قدوري من دون ان يدري في خلدها ان شقيقها ل عبد اللطيف الكمالي صاحب النفوذ والعلاقات السياسية الواسعة يمكن ان يكون مطلوباً من قبل السلطة.
وحين وصل شفيق الى القاهرة الح عليه اصدقاؤه بالاحتفاظ بلقبه الجديد الكمالي ورأوا ان في تسميته شفيق الكمالي جمالية افضل فأبقى عليها وعرف به حتى يوم مماته.
اغتنم شفيق فرصة اقامته في مصر لاجئاً فحصل على الماجستير من جامعة عين شمس عام 1962 حيث جاءت اطروحته الشعر عند البدو عاكسه حبه للبيئة والطبيعة البدوية وحياة البداوة الفريدة تلك التي طبعت معظم شعره وأدبه فجمع في كتابه الشعر عند البدو ما يسره الظرف من شعرهم واخبارهم وعاداتهم وقيمهم.
كان شفيق عاشقاً هذه البيئة يزور البوادي حيثما وجد فرصة فيقيم بين العشائر ويحاور البدو في اشعارهم ويستمع الى نطقهم ويدون النصوص بكل شغف واعجاب.
بعد تخرجه من كلية الادب بجامعة بغداد عام 1955 عين مدرساً معيدًا فيها وزاول التدريس في معاهد عدة في بغداد والموصل.
وبعد احداث 8 شباط/ فبراير 1963 عين مديرًا عاماً في وزارة الارشاد. والى جانب عضويته في القيادتين القومية والقطرية كان يتمتع بثقة واحترام رفاقه في قمة الهرم الحزبي وفي مقدمتهم احمد حسن البكر.
صاغ شفيق البيان الاول الذي تلاه البكر على الشعب من راديو بغداد صبيحة 17 تموز/ يوليو 1968.
وعلى اثر احداث الثلاثين من الشهر ذاته وتسلم حزب البعث السلطة كاملا كلف شفيق في اليوم التالي بحمل قرار تشكيلة الوزارة الاولى الى دار الاذاعة لإعلانه وتسنم هو حقيبة الشباب.
وقد عين عضوًا في مجلس قيادة الثورة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1969 واخرج منه عام 1970 كما اعفى من وزارة الشباب وعين سفيرا في اسبانيا حيث بقي في مدريد للفترة 1970-1971 ثم جرى تعيينه وزيراً للإعلام واعفى من المنصب اواسط ايار/ مايو 1972 وعين عضواً في مكتب الشؤون التربوية التابع لمجلس قيادة الثورة.
ما يرويه صحبه عنه خلال جوده على رأس مؤسسة افاق عربية انه فرح على مناداة نائبه في المؤسسة المرحوم عبد الجبار العمر (بالسيد النائب) وكانت الجلسة تعقد السنة جلاسه كون لقب السيد النائب حكرًا على صدام في حينه ولا يستبعد تماما ان تكون مثل هذه الدعايات بثت في حينه الى صدام الذي عرف عنه التربص لمن يحاول النيل منه.
في الفترة التي عاشها شفيق منبوذا من صدام ومبعدا عن المناصب المتقدمة نجح في تكريس وقته لعالم احبه منذ الصغر عالم الشعر والادب فكان رئيس اتحاد ادباء العراق والامين العام لاتحاد الادباء والكتاب العرب ورئيس تحرير مجلة الفكرية الشهيرة افاق عربية منذ عام 1976 الى جانب عضويته في المجلس الوطني لدورته الاولى المبتدئة عام 1980 ورئيس لجنه العلاقات الدولية في المجلس لحين احالته على التقاعد في الاول من كانون الاول/ ديسمبر 1983 عقب اطلاق المخابرات سراحه
واخيراً…. كلمة حق بعد مماته
بإعدام صدام رفاقه الوحد والعشرين عام 1979 خيم على الجو العام وجوم وترقب وقلق شفيق من احتمال ان يكون هو المقبل ضمن قائمة اعدام مفبركة جديدة.
وتحت غيوم حمراء مفزعة غطت سماء العراق حاول شفيق ان يدفع عنه هذا الاحتمال وهو يعلم ان صدام لا ينظر الى الرفاق الذي سبقوه انتماء الى الحزب ويحضون بمكانه اجتماعية بعين الرضا فاستخدم شعره تحت مظلة هذه الغيوم في اطراء صدام والنظام لكن هذا لم يجده رحمه الله في شيء فدفع الثمن الباهض الذي دفعه غاليا السابقون والذين لحقوا به.
وبرأيي ان التقييم الايجابي العام للرجال الكبار لا تمسحه وقفة قصيرة (خاطئة) في تاريخهم الطويل خاصة بالنسبة لشفيق الذي احاطته ظروف مميته بعد نضال وطني طويل مشهود له.
فها هم شعراء افذاذ في التاريخ القديم والحديث يتمتعون بقمة الشهرة والاكبار من امثال المتنبي ومحمد مهدي الجواهري برغم ما سطروا في شعرهم ما هو اضعاف ما بدر من شفيق وهو في زمن عصيب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة