الأخبار العاجلة

سارة كين جيل «الصدمة» الجديد

عبد علي حسن

منذ سوفوكلس واسخيلوس ويوربيدس وحتى اللحظة الراهنة لم يكن المسرح الا محاولة لإعادة صياغة الوجود البشري عبر الاعتراضات والدحض لكل ما يقف أمام الانسان لتحقيق وجوده وطموحه في حياة تخلو من كل أشكال الظلم والانتهاك . لذا فإن الاشكال الجديدة كانت وليدة لتحول اجتماعي خطير يمر به المجتمع ليعبر هذا الشكل عن الصيرورة الجديدة التي يفرضها ذلك التحول ، وتعد الحرب واحدة من اشكال التحول في البنية الاجتماعية وتغيراً خطيراً في الانساق الانطولوجية التي تضع المجتمعات في منطقة الكوارث الاجتماعية ، ومن نتائج الحرب العالمية الثانية ظهر مسرح الغضب بعد عقد من قيام تلك الحرب ليشير باصبع الاتهام الى مشعلي تلك الحرب بخرقهم المواثيق البشرية وادارة الظهر لطموح الانسان وحقه في حياة تخلو من عوامل الانتهاك للشخصية الانسانية ، وبعد مرور اربعة عقود من ظهور مسرح الغضب في بريطانيا يولد في رحم تسعينيات القرن الماضي ظاهرة تأريخية مسرحية جديدة هي مسرح <الصدمة> كما اطلق عليه الدكتور صالح مهدي الشكري في ترجمته المجموعة الكاملة لواحدة من أهم كتاب هذا التيار الجديد وهي (سارة كين ) التي بلغت خمس مسرحيات وسيناريو لفيلم ( الجنود ) اذ تم لاول مرة ترجمة هذه الأعمال الى العربية بعنوان (سارة كين الأعمال المسرحية الكاملة ) اصدار دار الصواف / بابل ط اولى /2017 .وعبر هذه الاعمال التي انجزتها سارة كين خلال عمرها القصير الذي انهته بالانتحار ليكون عملها المسرحي الأخير الذي يشكل صدمة بوجه البشرية لتشير الى ما وصل اليه المجتمع البشري من انتهاك واكراه للإنسان المعاصر الذي بات كل شيء مغلقاً امام توقه للعيش بكرامة .
لذا لم يكن مسرح الصدمة الانجليزي الا محاولة لمواجهة المتلقي مواجهة عنيفة صادمة عبر العديد من المظاهر المقززة للنفس والعنيفة التي تضع الانسان في منطقة المهانة والذل، وما الصدمة التي يتعرض لها المتلقي الا رسالة توبيخ ووخز موجع لإدراك الوضع المأساوي الذي وصل اليه الانسان في ظل الحروب وتضارب وتصادم المصالح الإقتصادية واتخاذ موقف حازم بوجه كل عوامل الهتك تلك .
ففي مسرحياتها لم تركن سارة كين الى الخيال في تخليق الفعل والثيمة المسرحية وانما كان هدفها هو الإفصاح عن مكنونات الواقع الانساني المعاصر المكبل بكل مظاهر القتل والعنف والامتهان البشري ، لذا فقد كان في مسرحها صدى لبعض موجهات الاتجاهات والتيارات المسرحية السابقة كمسرح الانتقام ومسرح القسوة ومسرح الغضب ، فهي لم تتورع عن تقديم تلك المشاهد الصادمة من القتل والممارسات الجنسية المبتذلة وقسوة العلاقات النفعية المهينة للإنسان ، ومن الممكن تلمس ذلك في جميع مسرحياتها ( المتفجر) و(عشق فيادرا)و(معفر) و(توق) و(ذهان 448) وفي سيناريو فلم (جلود ) ، وبعد ان استطاع هذا التيار من تحقيق حضور مسرحي وثقافي مهم في المدن البريطانية واهتمام النقاد به وعده من الظواهر المسرحية الجديدة انتقل الى الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الاوروبية ليضع المتلقي المعاصر امام مواجهة تعزز من موقف رفضه وعدم التسليم بما ينتهك شخصيته .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة