لم تأت الطائرات التي هاجمت برجي التجارة العالمية وبقية الأهداف، أو ما عرف بـ (غزوة مانهاتن) من كوكب آخر أو من صنع الصدفة أو الجنون، بل جاءت تتويجاً لمنهج تطور تدريجياً واستند الى موروثات مميتة استردت حيويتها على حساب التحديات الواقعية لعصرنا التي هجرناها من دون خلق الله جميعاً. لقد مثلت تلك الغزوة كل ذلك ...
" />

جذور غزوة مانهاتن

لم تأت الطائرات التي هاجمت برجي التجارة العالمية وبقية الأهداف، أو ما عرف بـ (غزوة مانهاتن) من كوكب آخر أو من صنع الصدفة أو الجنون، بل جاءت تتويجاً لمنهج تطور تدريجياً واستند الى موروثات مميتة استردت حيويتها على حساب التحديات الواقعية لعصرنا التي هجرناها من دون خلق الله جميعاً. لقد مثلت تلك الغزوة كل ذلك الانحراف والاغتراب عن الحركة المضطردة للعقل والحياة، وكل ذلك السبات الطويل الذي بدأ مع حنابلة المتوكل وعصابات محتسبيه والتي انتهت بنا الى ما تعرفنا عليه من محطات وهزائم حضارية وردات لن تكون عصابات القاعدة وطالبان وداعش والمتجحفلين معهم بسرديات الدمار الشامل آخر المطاف فيها، إن لم نسترد الهمة والعزم للخلاص من حلقات هذه الغيبوبة المتواصلة منذ أكثر من ألف عام وعام. لقد وجد ممثلو هذا الإرث من الركود والتعفن القيمي والمعرفي، بمناخات واصطفافات ما عرف بـ (الحرب الباردة) بين المعسكرين الغربي والشرقي، كل المستلزمات المناسبة لهم كي يعشعشوا ويتمددوا على تضاريس مضاربنا المنحوسة، لتتطوب العقود الأربعة الأخيرة باسمهم (الحقبة الإسلاموية) والتي أعادت الروح لثارات القرن السابع الهجري والى الفردوس المفقود (الخلافة) والتي تبخرت ومحقت بوقت قياسي، بعد أن سطرت صفحات من الخسة والمخازي كان التأريخ الحديث قد طوى صفحاتها منذ زمن بعيد.
عندما تخبرنا المعطيات والاستطلاعات عن حجم التأييد والتعاطف الذي حظيت به “غزوة مانهاتن” وما تلاها من غزوات السبي وتطبيق لـ “الفرائض الغائبة” التي دعت اليها الجماعات الإسلاموية ومنها على سبيل المثال لا الحصر جماعة التكفير والهجرة المصرية وحفيدتها داعش؛ ندرك أن مثل تلك “الغزوات” لم تأت من فراغ، بل هي بنت شرعية لكل هذه المناخات من المسخ واستقالة العقل والضمير الذي تتخبط وسطه شعوب “خير أمة” من شتى الرطانات والهلوسات والأزياء. واليوم وبعد مرور 16 عاماً على تلك المحطة المأساوية في تأريخ البشر، لم يتمكن المجتمع الدولي من حسم أمر تلك الأوبئة والمخاطر التي هزت أمن واستقرار العالم بنحوٍ عام ومنطقتنا المنكوبة بنحوٍ خاص، كما أن الحلول العسكرية المبنية على أساس المحاور الإقليمية التي تأسست زمن الحرب الباردة، قد برهنت على عجزها وفشلها في حربها التي أعلنتها ضد الإرهاب، لا سيما وهي تعلم تماماً نوع القوى والمصالح والعقائد التي تمد قوى الإرهاب بكل مقومات التمدد والبقاء، وقد خبرتها وسخرتها في الكثير من مناطق الحروب بالوكالة في العقود الأربعة الأخيرة.
مثل هذه الازدواجية التي نشاهدها في مواقف وسياسات القوى والمحاور الدولية، لن تفضي لغير المزيد من التعقيد والالتباس في التعاطي مع هذا الملف (الإرهاب) والذي ستظل حلقاته تستنزف أمن واستقرار المنطقة والعالم لعقود أخرى. إن جذور وأسس تلك (الغزوات) والمناخات التي احتضنتها وقدمت لها كل الرعاية الممكنة؛ لم تعد خافية على المتابع المنصف والموضوعي للأحداث، الذي يدرك جيداً عمق تورط المحاور الدولية والإقليمية في مستنقعها الآسن. إن هشاشة المواقف الدولية والإقليمية وشيطنتها المتبادلة لمواقف بعضها البعض الآخر، ستوفر المزيد من الثغرات والفرص لتسلل قوى الردة والتخلف والإجرام على حساب استقرار وأمن المنطقة والعالم، والذي وجهت له غزوة (مانهاتن) طعنة لم يستفق منها حتى هذه اللحظة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة