الأخبار العاجلة

جنسانية المرأة في سورة التحريم

هيرمنيوطيقا القرآن
عبد الغفار العطوي

ينظر القرآن للمرأة من منظورين، الأول مطلق وهو منظور إلهي كونها كائنا منتزعا من جنسيته (الانثوية) فردا يعتمد على كمالاته الإنسية، والإنسانية مقابل الرجل، وهو ما مفصل في التفاسير المختلفة و كتب الفقه، و هذه النظرة الإلهية هي الاساس في تقويم المرأة والحكم على سلوكياتها الدنيوية، وهو بحث خارج نطاق هذه الدراسة، والمنظور الآخر هو إقراري في وصف حالة مجتمعية يجري عليها ما يجري على سواها من الاحكام العرفية التي تتقيد بمفهوم مجتمعي، والقرآن هنا يصف وقائع لم يقر واقعات ليس بالضرورة نافذة في منظوره الاول، إن لم يكن بالعكس، والنظر للمرأة يقاس وفق هذين المنظورين، لهذا نجد إن الارتهانات التي تحكم المرأة فيه تتوزع بين هذين المنظورين و يختلط عند البعض اسبقية، او افضلية احدهما على الآخر لكنهما في الحقيقة خطان متوازيان لايمكن استبدال احدهما مكان الثاني(وهذا أيضا يتم إخراجه من حيز الدراسة) و لننظر الى المنظور الاقراري وهو وصف جنسانية المرأة في القرآن، فهذه النقطة مازالت مدار جدل وبحث الى أي جانب من جانبي المرأة يقف القرآن، الجانب الذكوري الذي يؤشره القرآن في آيات كثيرة في التراتبية الخلقية للمرأة والعبادات والمعاملات (دون الاعتقادات الاصولية) ليصل الى الغايات من الثواب والعقاب والآخرة، وهو جانب وصفي إقراري كما في تحليل الخطابات الاعتبارية التي تمس فاعلية العلاقة المجتمعية بين المرأة و الرجل (الانثى و الذكر) في المجتمع القرآني الحاضن للسور والآيات والمتفاعل معها بالقوة على المستوى العام وعلى المستوى الخاص(ما يهمنا الثاني الخاص في هذه الدراسة ) والجانب الثاني هو الجنساني الذي اتخذ سبيل النمذجة وصفا ثقافيا لصورة المرأة التي تتطابق ما بين المستوى الجنساني (في القرآن ) والمستوى الاقراري الخاص ( المجتمع القرآني ) سورة التحريم العدد 66 مدنية و آياتها (12) آية من سور القرآن التي اهتمت بهذا المنحى من الوصف الجنساني للمرأة في شقيها الثقافي ( الجنساني) و المجتمعي ( في القرآن ) (*)
1-توجد المرأة في فضاء سورة التحريم على نمطين، الاول المشار إليه بصدر السورة (ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ازواجك) التي توضحها اسباب النزول و تبين وقوع الواقعة بما يخص بعض ازواج النبي، وهذا يؤشر إن الواقعة عينية، أي إنها حاصلة في فعلية الواقعة، وإن اقترنت بالحكم الالهي من باب العموم م تحصيله العام، و لم يظهر القرآن التعريف الشخصي لأزواج النبي اللواتي قصدن في الواقعة، بيد إن الحكم القرآني أظهر صورة الواقعة و النتائج التي ستترتب عليها في حالة الاقرار بحدوث الواقعة إن لم تحدث التوبة التي ستمحو عقوبة الواقعة، كما ذكرها المفسرون، هذا النمط من (أزواج النبي) كن يتصرفن من منطلق جنساني كما سنعرف لاحقا، أما النمط الثاني، فهو نموذجي صوري مأخوذ من المخزون السسيو ثقافي الذي اخبره الباري عز وجل به، من باب ضرب الامثلة للتمييز الجنساني للمرأة التي أخطأت، و تلك التي نجحت في تجربة مواجهة الاستبداد الذكوري، و المثال الذي ضربه الله تعالى كما في السورة كان متعلقا بواقعة (بعض أزواج النبي) في بيان الاثر المترتب على الفعل إيجابا أم سلبا، حيث كنا (4) نساء وقع عليهن حكم الله سبحانه و نفذ بقطعية عملهن ( امرأتا نوح و لوط الآية :10) سلبا كما هو مذكور في الآية، و( امرأة فرعون و العذراء مريم الآيتان : 11ــ12) إيجابا
2-ذكر الواحدي في اسباب نزول القرآن (1) عن ابن عباس عن عمر قال: دخل رسول الله(ص) بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت: لم تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا، من بين نسائك، إلا من هواني عليك، فقال لها: لا تذكري هذا لعائشة، هي على حرام إن قربتها، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك و هي جاريتك؟ فحلف لها لا يقربها، وقال لها : لا تذكريه لأحد، فذكرته لعائشة، فالى ان لايدخل على نسائه شهرا، واعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، وذكر الواحدي في اسباب النزول رواية أخرى (كان رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يحب الحلوى و العسل)(2)ورواية ثالثة (3)تصب في المجرى نفسه، وهو التعامل الجنساني( لأزواج النبي) الذي تداولته كتب الاقدمين، و اعتبره صحابة رسول الله أمراً طبيعياً، لكن التشدد الديني اللاحق هوالذي اعطى للمرأة المسلمة هالة القداسة ورفع ( أزواج النبي) لمستوى العصمة، وفسر ما جاء بقوله تعالى ( و زوجاته امهاتكم ) ليس بمعنى بيان ان زوجات النبي بمقام امهاتكم، بل بعدم التحدث عن اي حادث وقع لهن يخرجهن من تلك الصورة المقدسة، لكن القرآن استعرض واقعة المخاصمة وعاتبهن منذرهن بالإبدال (4) إلا إن الاستقواء الذكوري للمجتمع البدوي الحاضن للإسلام القروسطي حجب الصورة القرآنية ، و زرع الصورة الذكورية لأزواج النبي وهي اولى انتكاسة لجنسانية المرأة المسلمة، من هنا وجب استخدام هيرمنيوطيقا القرآن لتفكيك الظاهرة الذكورية في بواكير الإسلام التي زيفت صورة المرأة الحقيقية (الواقعية) بالصورة الذكورية، حتى تسربت صورة (أزواج النبي) المقدسة نحو صورة المرأة المسلمة بكيفية كلية مطلقة.
إحالات
(*) القرآن الكريم | سورة التحريم
1-اسباب نزول القرآن الامام ابي الحسن الواحدي ت468 تحقيق ودراسة كمال بسيوني زغلول ص 459
2-المصدر نفسه ص 460
3-المصدر نفسه 461
4-المصدر نفسه ص 461

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة