تمخضت الفزعات وسلسلة التجاذبات والاعتراضات على واقع المفوضية “المستقلة” للانتخابات ووفقاً للمعطيات الأولية التي تسربت لقائمة أعضائها الجدد؛ عن إعادة إنتاجها من دون أدنى انحراف عما رسمته فرمانات حيتان الكتل الكبيرة، التي تلاقفت مقاليد العملية السياسية بعد حقبة الفتح الديمقراطي المبين. الأسماء التي تسربت لوسائل الإعلام عن الأعضاء الجدد، لم تسعى لإخفاء صفتها وانتسابها للكتل ...
" />

المفوضية ومشيئة الحيتان

تمخضت الفزعات وسلسلة التجاذبات والاعتراضات على واقع المفوضية “المستقلة” للانتخابات ووفقاً للمعطيات الأولية التي تسربت لقائمة أعضائها الجدد؛ عن إعادة إنتاجها من دون أدنى انحراف عما رسمته فرمانات حيتان الكتل الكبيرة، التي تلاقفت مقاليد العملية السياسية بعد حقبة الفتح الديمقراطي المبين. الأسماء التي تسربت لوسائل الإعلام عن الأعضاء الجدد، لم تسعى لإخفاء صفتها وانتسابها للكتل التي رشحتها، إذ حصلوا جميعاً على ما يحتاجونه من دعم وفقاً لما يعرف بـ(فقه السلة الواحدة) تلك التقنية المجربة التي برهنت على نجاعتها في صيانة مصالح الكتل المتنفذة طوال أكثر من 14 عاماً من “التغيير”. كما هو الحال دائماً ارتفعت صرخات الغضب والاستياء بالضد مما جرى في هذه المفوضية المنتسبة لنادي “الهيئات المستقلة” التي تعرف عليها العراقيون بعد زوال سلطة ذلك المخلوق الذي “إذا قال .. قال العراق”، لكن عندما نتمعن قليلاً في واقع الحال الذي انحدرنا إليه بعد عقود من اللا تعددية واللا استقلالية، نجد أن هذا التعاطي مع مفردة (المستقلة) يشوبه الكثير من الطوباوية والانفصال عن الواقع، وهذا ما يمكن التأكد منه بيسر في كل العناوين والمؤسسات والهيئات التي طفحت في العهد “الجديد” واقترنت بهذه المفردة المكرودة.
في مجتمع أجبر على التقوقع داخل شرنقاته التقليدية الضيقة (طائفية إثنية و..) بعد موجة التجارب التأريخية والرسائل الخالدة، التي محقت مصادر قوته على مر الزمان (تعدديته وتنوعه وحرياته) يكون الحديث عن الاستقلالية والمهنية والقرارات الشجاعة؛ أقرب الى الهلوسة والهذيان منه الى المواجهة المنطقية والعقلانية، مع ما نمتلك من إمكانات واقعية ومتواضعة للتغيير وبعد ذلك القدرة على تأسيس مثل تلك الهيئات والمفوضيات المستقلة بالمعنى الفعلي لا الفضائي كما حصل في الكثير من فتوحات مرحلة ما بعد “التغيير”. لقد تعرفنا مع فزعة الاعتصام بعروة التكنوقراط الأخيرة، والتي جاءت بعدد من الوزراء لكابينة السيد حيدر العبادي، على نوع الاستقلالية والمهنية التي نمتلك وقدراتها الفعلية على التأثير على إيقاع النشاط السياسي والحكومي في البلد، إن الحديث عن مثل هذه المفردات من دون الاهتمام بمغزاها الحقيقي وجذورها والشروط والمناخات المرتبطة بها، لن يؤدي لغير المزيد من الفشل والإحباط المقرون بتهيئة كل مستلزمات إعادة تدوير وإنتاج ممثلين لنفس القوى والرؤى والمصالح التي نسجت لنا ما نحن عليه من نظام سياسي ومؤسسات حكومية عاجزة عن أداء أبسط المهمات الموكولة إليها.
إن دعوة السيد العبادي الأخيرة لإبعاد هيمنة الأحزاب والكتل الكبيرة المطلقة على المفاصل الحيوية لمؤسسات الدولة المختلفة، تعكس الإحساس الشديد بمخاطر هذا الدور والأضرار الشديدة التي يلحقها بحاضر ومستقبل هذا الوطن المنكوب. لكنها في الوقت نفسه عاجزة فعلياً عن مواجهة إرادة هذه الكتل والحيتان التي تغولت بنحوٍ لا مثيل له بعد شفطها لموازنات وثروات هائلة كانت قد خصصت لإعادة بناء العراق وإعماره. ما جرى مع المفوضية “المستقلة” للانتخابات هو نتاج طبيعي لواقع اصطفافات القوى الحالية، بعيداً عن التمنيات والرغبات والأحلام المجنحة التي لا يمل البعض عن هدهدتها في مخيلته؛ حول إمكانية امتلاكنا لهيئات ومفوضيات مهنية ومستقلة فعلاً، من دون أن يجهد نفسه قليلاً في العثور على مستقلين حقيقيين وسط هذا الخراب الهائل من حطام البشر والحجر المحيط بنا من كل صوب..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة