الأخبار العاجلة

نحو عراق جديد سبعون عاماً من البناء والإعمار

هشام المدفعي
اعتادت الصباح الجديد ، انطلاقاً من مبادئ أخلاقيات المهنة أن تولي اهتماماً كبيرًا لرموز العراق ورواده في مجالات المعرفة والفكر والإبداع ، وممن أسهم في إغناء مسيرة العراق من خلال المنجز الوطني الذي ترك بصماته عبر سفر التاريخ ، لتكون شاهداً على حجم العطاء الثري والانتمائية العراقية .
واستعرضنا في أعداد سابقة العديد من الكتب والمذكرات التي تناولت شتى صنوف المعرفة والتخصص وفي مجالات متنوعة ، بهدف أن نسهم في إيصال ما تحمله من أفكار ورؤى ، نعتقد أن فيها الكثير مما يمكن أن يحقق إضافات في إغناء المسيرة الإنمائية للتجربة العراقية الجديدة .
وبناءً على ذلك تبدأ الصباح الجديد بنشر فصول من كتاب المهندس المعماري الرائد هشام المدفعي ، تقديرًا واعتزازًا بهذا الجهد التوثيقي والعلمي في مجال الفن المعماري ، والذي شكل إضافة مهمة في مجال الهندسة العمرانية والبنائية وما يحيط بهما في تأريخ العراق .
الكتاب يقع في (670) صفحة من القطع الكبير، صدر حديثاً عن مطابع دار الأديب في عمان-الأردن، وموثق بعشرات الصور التأريخية.
الحلقة 14
الفصل الثامن
المكاتب الاستشارية العراقية

المكاتب الاستشارية المعمارية والهندسية، دار العمارة – استشاريون في العمارة والهندسة والتخطيط، المكتب الاستشاري للأبنية الصناعية، العمل مع الشركات الاستشارية العالمية مخطط الاسكان العام للعراق، أمام محكمة الثورة

المكاتب الاستشارية المعمارية والهندسية
لم يوجد أي مكتب هندسي استشاري عراقي في اربعينيات القرن العشرين , إلا انه في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي ، تخرج عدد من المهندسين العراقيين في الجامعات الاوروبية والاميركية . وعاد هؤلاء الى العراق حاملين الآمال الواسعة للعمل الهندسي بشتى اختصاصاته لخدمة بلدهم وشعبهم. ولعل المهندس احمد مختار ابراهيم (1910 ــ 1960) هو المعماري العراقي الاول في تلك الفترة، فقد درس في ليفربول بإنكلترا ، واشهر اعماله النادي الاولمبي في الاعظمية ، وتبعه جيل الرواد امثال جعفر علاوي ومدحت علي مظلوم ومحمد مكية ونزار علي جودة وزوجته ( ألن ) وحازم نامق وعبد الله احسان كامل وسعيد علي مظلوم ونيازي فتو وتاجريان وسواهم .
عمل معظم هؤلاء الرواد في دوائر الدولة المختلفة. غير ان اقبال المواطنين على اعمال هؤلاء، وعشقهم لعملهم الهندسي في فترة شهدت بداية نهضة عمرانية واسعة في العراق، دفعهم الى فتح مكاتب هندسية ومعمارية ، لممارسة العمل بعد انتهاء اوقات الدوام الرسمي .واعتقد ان هؤلاء هم الذين بدأوا بتكوين نواة المكاتب المعمارية التي تطورت وكونت بعدئذ المكاتب الاستشارية العراقية . وقد قدم المعماريون الرواد الذين عادوا الى العراق في خمسينيات القرن العشرين مثل قحطان المدفعي وقحطان عوني ورفعة الجادرجي ومهدي الحسني وغيرهم، كل بطريقته ، خدمات جليلة للمجتمع ، لا يمكن نسيانها ، واغلب آثارهم لم تزل باقية ، تحكي للأجيال روحية العمل المخلص والابداع والتحدي .
اصبح الطلب على اعمال المعماريين لتصميم البنايات والدور هائلا ، مع دخول خريجين آخرين الى العراق سنويا . فتوسعت اعمال المعمار العراقي ومسؤولياته ، وتشعبت اهتماماته . كما بدأت دوائر الدولة في الخمسينيات بالطلب من المعماريين الرواد بوضع التصاميم لبعض المباني الحكومية في العاصمة بغداد والمدن العراقية الاخرى. ومن هنا شعر رواد العمارة في العراق بالحاجة الى خدمات المهندسين الاخرين، لإكمال اعمالهم ووضع التصاميم الانشائية ومواصفات المواد والاشراف على الاعمال. وبذلك ارتبط عدد من المهندسين المدنيين مع مكاتب العمارة التي اخذت مهامها بالتوسع ، لتغطي حجما اكبر من اعمال البناء ، ومن هؤلاء المهندسين المدنيين احسان شيرزاد وهشام المدفعي ومحب الدين الطائي ونوري محمد رضا وآرتين ليفوان.
في الخمسينيات من القرن المنصرم ، لم يكن هناك من المهندسين الكهربائيين او الميكانيكيين ، من يسهم في وضع التصاميم الخاصة بالمتطلبات الكهربائية والميكانيكية كالتبريد او شبكات الماء والمجاري والاعمال الخدمية الاخرى للدور السكنية او بعض العمارات . لقد كان الاعتماد في تلك الفترة على المهرة من عمال الكهرباء والميكانيك ذوي الخبرة لتنفيذ تلك الاعمال . اما فيما يتعلق بمهندسي التربة والاسس وفحص المواد الانشائية ، فلم يكن يوجد ايّ مهندس بهذا الاختصاص يعمل في القطاع الخاص .
من المكاتب المعمارية التي فتحت في بغداد في الخمسينيات ، مكتب نزار علي جودة وزوجته المعمارية الاميركية السيدة ( ألن ) ، ومكتب محمد مكية ، ومكتب جعفر علاوي ، ومكتب مدحت علي مظلوم وسعيد علي مظلوم ، ومكتب قحطان المدفعي ، ومكتب عبد الله احسان كامل ورفعة الجادرجي ، ومكتب قحطان عوني ، ومكتب مهدي الحسيني ، ومكتب هشام منير . وقد عهد لهذه المكاتب تصميم الكثير من العمارات التجارية وابنية حكومية ومشاريع عمرانية مختلفة . فاحتاجت لخدمات المهندسين المدنيين ، امثال احسان شيرزاد الذي عمل مع مكتب عبدالله ورفعة ، وهشام المدفعي الذي عمل مع مكتب قحطان المدفعي ، ونوري محمد رضا مع مكتب مدحت وسعيد علي مظلوم .
وتأسست في تلك الفترة مكاتب هندسية لأعمال التصاميم الانشائية والاختصاصات الهندسية الاخرى . ومنها مكتب نيازي فتو وفيليب ناسي للأعمال الانشائية ، ومكتب الروافد للمهندسَين د. ناجي عبد القادر ود. هاشم الحمزاوي لأعمال الري والبزل ، ومكتب الخازن لمنذر فتاح ومحمد مخزومي لأعمال الهندسة المدنية وانضم اليهم د. عبد الكريم العلي .
ازدادت واردات النفط العراقي في خمسينيات القرن الماضي ، وتحسن معها الاقتصاد العراقي بصورة عامة ، وازدادت معدلات دخل الفرد في العراق . وبهذا ازدادت الحاجة الى السكن ، وخاصة من ذوي الدخل المتوسط . وازدادت معها اعمال المهندسين المعماريين في وضع تصاميم الدور السكنية الخاصة . كما ازدادت الحاجة الى المشاريع الخدمية وابنيتها ، وسائر الابنية لدوائر الدولة . وبسبب دخول المشاريع التنموية والخطط الخمسية لتنفيذها ، اتجهت الجهود الى تكليف المكاتب المعمارية الخاصة والمكاتب الهندسية المتخصصة الاخرى ، من قبل دوائر الدولة المختلفة . فبدأت المكاتب الهندسية بتوسيع نشاطها ، وزيادة اعداد المهندسين العاملين فيها من مختلف الاختصاصات .
في تلك الفترة وفي الخطة الخمسية للتنمية 1960 ــ 1965 ، اعتمدت وزارات الدولة للمرة الاولى المعماريين العراقيين في مشاريع كبيرة ، وادخلت اسماءهم كمهندسين استشاريين في مشاريع خطة التنمية . ويمكن ان نشير هنا الى العديد من الامثلة على ذلك ومنها مشاريع محطات الثروة الحيوانية التي تم توزيعها على المكاتب الاستشارية ومنها المحطة الجنوبية في البصرة انيطت بمكتب قحطان المدفعي ومشاركوه ومحطة بكره جو انيطت بالمكتب الاستشاري العراقي – رفعة الجادرجي . انيطت كذلك اعمال تصاميم واشراف من قبل مديرية المباني العامة وبعض المستشفيات الصغيرة من قبل وزارة الصحة .
ومنذ الستينات الى اواخر السبعينيات ، طور المعماريون العراقيون الرواد مكاتبهم ، لتصبح مكاتب هندسية استشارية تغطي جميع الاختصاصات الهندسية . وبدأت تلك المكاتب تستعين بذوي الخبرة والاختصاص من اساتذة الجامعات والهيئات التدريسية فيها ، لرفد اعمال المكاتب الاستشارية بالخبرات المتخصصة في الجيولوجيا والتربة والصناعة والزراعة والتخطيط وغيرها ، فضلا عن التخصصات الهندسية المدنية والانشائية .
وساعدت اوقات العمل بدوامين صباحي ومسائي على توفير فرص العمل لأساتذة الجامعات مساءً على قدر الامكان . كما ان الدوائر الحكومية سمحت لبعض المهندسين الاختصاصيين للعمل بعد اوقات الدوام الرسمي لسد الحاجة .
طورت المكاتب الاستشارية اعمالها لتغطي عدداً واسعاً من النشاطات الهندسية كالتخطيط الحضري والمشاريع الصناعية والزراعية والاعمال الخدمية المختلفة الاخرى. كما قام عدد من اصحاب المكاتب بتغيير اسماء مكاتبهم من اسماء شخصية الى اسماء عامة تتناسب مع نشاطها الجديد. ورفعت درجات التخصص لتلك المكاتب عن طريق نقابة المهندسين من مكاتب للعمارة فقط الى النشاطات الهندسية الاخرى كالهندسة المدنية والميكانيكية والكهربائية والجيولوجية وغيرها.
واخذت تلك المكاتب بتسجيل اسمائها للانضمام الى المنظمات الدولية لتقديم خدماتها عن طريق تلك المنظمات الى الدول العربية الاخرى. فقد انضمت اعداد من المهندسين المتخصصين الى تلك المكاتب، وارتفعت كفاءتها العلمية والمهنية والتطبيقية، والتزامها بمبادئ آداب مزاولة المهنة الذي اقرته نقابة المهندسين العراقيين في ستينيات القرن العشرين.
من المكاتب التي تأسست في خمسينات القرن العشرين كمكاتب معمارية وتحولت الى استشارية في بغداد في عقدي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، يمكن ان نذكر المكاتب الاستشارية التالية :
1 ـ مكتب نيازي فتو وفيليب ناسي ( مدني ) .
2 ـ اتحاد المستشارين : أسسه المعماريون مدحت علي مظلوم والدكتور محمد مكية وسعيد علي مظلوم وهنري زفوبودا (معماري ) .
3 ـ الاستشاري العراقي : تأسس من قبل عبد الله احسان كامل ( معماري ) ورفعة الجادرجي ( معماري ) واحسان شيرزاد ( انشائي وقانوني ) . وقد عمل مع هذا المكتب عدد كثير من المهندسين مثل معاذ الالوسي وصفاء الكليدار و آرتين ليفوان مثل مازن كمونة و وجدان ماهر وعوف عبدالرحمن واخرين .
4 ـ دار العمارة : تأسس باسم قحطان المدفعي ومشاركوه اولاً ثم تحول الى ( دار العمارة – استشاريون في العمارة والهندسة والتخطيط ) من قبل الدكتور قحطان المدفعي ( معماري ) وهشام المدفعي ( مدني وانشائي ) . وقد عمل في هذا المكتب عدد من المهندسين الاستشاريين المعماريين والمدنيين مثل عدنان اسود وبسام البير ونزار حمدون وانيس جواد واكرم وتوني وكالينا واخرون (معماريون) ، وحفظي بهية وزهير البصري وجعفر محمد علي وغيرهم ( مدنيون ) ، واختصاصيون اخرون كعبد الرحمن الحاج ( مهندس كهربائي ) .
5 ـ مكتب قحطان عبد الله عوني (مكتب معماري ) .
6 ـ مكتب هشام منير وناصر الاسدي وعبد الجبار المختار ( مكتب معماري ).
7 ـ مكتب مهدي الحسني ومحب الدين الطائي وشاكر السعدي ( مكتب معماري ) .
8 ـ مكتب الروافد : اسسه الدكتور ناجي عبد القادر وهاشم حمزاوي ( مكتب هندسة مدنيه ) .
9 ـ مكتب الخازن ، مهندسون مدنيون : اسسه المهندسون منذر فتاح ( ميكانيك ) ومحمد مخزومي ( انشائي ) والدكتور عبد الكريم العلي ( مدني ) .
10 ـ مكتب مدحت وسعيد علي مظلوم ( مكتب معماري ) .
11 ـ مكتب نوري محمد رضا ( مكتب مدني ) .
كما اود ان ابين انه تأسس في تلك الفترة ومارس العمارة والاختصاصات الاخرى عدد من المكاتب الفردية التي لا يمكنني ذكرها هنا والتي لم تكن متفرغه لأعمالها الاستشارية .
وفي فترة سبعينات القرن العشرين تأسس « المركز القومي للهندسة الاستشارية « من قبل الدولة وكان الهدف منه ان يقوم بالتصاميم المعمارية والانشائية للمشاريع الحكومية . انظم العديد من المهندسين المعماريين ومنهم
هنري زفوبودا ومعن سرسم ومن الاختصاصات الاخرى ، وتمكن من انجاز العديد من المشاريع الحكومية التي تمت احالتها في المركز مباشرة . بسبب كون هذا المركز حكومي ، استطاع ان يستغل هذا الموقع ويتفوق على العديد من المشاريع التي نجح في انجازها الا انه لم ينجح في العديد من المشاريع الاخرى الا بعد تأخيرات وتعديلات على شروط التقاعد .
وفي اواخر السبعينيات وبتوجيه من قيادات الدولة ، تكون في كل وزارة تعني بالمشاريع التطويرية مكتب استشاري يقوم بالتصاميم للمشاريع منافسا للمكاتب الاستشارية الخاصة .
اثبتت التجارب التي مررنا بها عدم نجاح المكاتب الاستشارية في الوزارات والجامعات وذلك لتعدد المهندسين المصممين والمعماريين على مشروع واحد وعدم وضوح عائدية الفكرة التصميمية وعدم وضوح المسؤولية التصميمية ، هل هي لمهندس معين ام لمكتب الوزارة ام مسؤولية الوزارة ؟
لم تكن هذه الممارسات لمكاتب هندسية عائده الى الوزارات او الجامعات ، محبذة من قبل المكاتب الخاصة ، اذ اثبتت التجارب عدم نجاح هذه التجربة واستغلال بعض المهندسين نشاطات المكاتب لأغراضهم الشخصية .
ما أجمل تلك الفترة التي كانت مكاتبنا تتنافس لإنتاج التصميم الافضل والاحسن وتتسابق في تطوير العمارة العراقية عن طريق هذه المسابقات المعمارية . اذكر هنا متعة العمل لأيام وليال طويلة في سبيل انجاز متطلبات مسابقة معينة والزهو الذي يتضح واضحا على وجه المعماري الفائز الاول . وعلى مدى حياتنا العملية فاز اخي قحطان والمكتب بعدد من المسابقات المعمارية ، منها دور وزارة النفط في الدورة ، ومصرف الرهون ، وبناية البريد الممكن ، والجزيرة المحمدية ووزارة المالية وغيرها .
دار العمارة – مهندسون استشاريون في العمارة والهندسة والتخطيط
من اكبر المكاتب الاستشارية العراقية تأسست منذ خمسينيات القرن الَعشرين ومايزال وخلال هذه المراحل أنجز العديد من التصاميم المعمارية التي تعتبر دروساً في العمارة العراقية كما كان رائداً في تطوير المفاهيم التصميمية الهندسية في العمارة والتطبيقات الهندسية وادارة المشاريع . نقل دار العمارة من الدول المتطورة العديد من التقنيات واشترك مع المكاتب العالمية وكان شريكاً مكافئاً في انجاز العديد من المشاريع والانجازات في العراق كما تم شرحها في هذا الفصل والفصل التاسع عشر.
بدأ شقيقي قحطان المدفعي (*) بتأسيس مكتبه للهندسة المعمارية منذ سنة 1952 . وقد نجح بتفوق في معظم الاعمال التي قام بها ، وحازت تصاميمه المعمارية على الجوائز الاولى في العديد من المسابقات المعمارية منذ الخمسينيات من القرن الماضي . ومنها دور موظفي المصافي في الدورة ، ودور شركة مدينة المنصور ( حي المنصور حاليا ) .
(*) قحطان حسن فهمي المدفعي ، ولد في بغداد عام 1927 ، تخرج في جامعة ويلز بالمملكة المتحدة عام 1950 ، ثم نال الماجستير بالعمارة في السنة التالية ، وفي سنة 1985 حصل على شهادة الدكتوراه في الجامعة نفسها.
التحقتُ بمكتب قحطان المدفعي بعد استقالتي من شركة نفط البصرة عام 1954، وسماه أخي قحطان ( مكتب قحطان المدفعي ومشاركوه ) . وكانت معظم اعمال المكتب تنحصر في تصاميم الدور السكنية في بغداد ، والقليل منها خارج بغداد . ولما كان معظم مؤسسي المكتب هم موظفون في الدولة صباحا كانت المكاتب الهندسية غير واسعة بسبب صغر الاعمال الموكلة اليها وتعمل عصراً فقط ، صادف ان تركزت كل تلك المكاتب في الطابق الاول من عمارة مطاع الخضيري الواقعة في نهاية شارع الرشيد مطلة على منطقة الباب الشرقي , وهي مكتب ( الن ونزار علي جودة ) ومكتب ( قحطان المدفعي ومشاركوه ) ومكتب ( عبد الله احسان كامل ورفعة الجادرجي واحسان شيرزاد ) ومكتب ( قحطان عبد الله عوني ) ومكتب ( مدحت وسعيد علي مظلوم).

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة