مكافحة الإرهاب: الاستراتيجيات والسياسات

(مواجهة المقاتلين الأجانب والدعاية الجهادية)
الحلقة 24
يتناول هذا الكتاب تعريف الإرهاب وقضية المقاتلين الأجانب، وتنقلهم ما بين دول أوروبا ـ وسوريا والعراق، لغرض القتال إلى جانب داعش هناك أو تنفيذ عمليات إرهابية في دول أوروبا والغرب.
وناقش الكاتب درجة تهديد المقاتلين الأجانب إلى الأمن القومي لدول أوروبا بشتى درجات خطورة المقاتلين العائدين، مع تفصيلات وإحصائيات عن أعدادهم وخلفياتهم وطرائق التجنيد وأسباب التجنيد ودول تواجدهم بنحو بيانات واستقصاء وبوابات العبور إلى سوريا والعراق عبر تركيا.
ولأهمية الكتاب تنشر ” الصباح الجديد” فصولاً منه.
جاسم محمد*

عقد استخبارات دول اوروبا
الانترنيت
كتبت صحيفة “نيويورك تايمز” في افتتاحيتها يوم 17 يناير 2015 ان القادة في اوروبا يحاولون معرفة ما يجب ان يقوموا به لمنع وقوع هجمات مثل هجوم باريس. وترى الصحيفة ان اقتراح بعض السياسيين نوعا من الرقابة على الانترنت والمراقبة لن تقدم الكثير لحماية مواطنيهم ولكنها ستفعل الكثير لانتهاك الحريات المدنية. واشارت الصحيفة الى ان مزودي خدمة الانترنت ليس لديهم العمال او المهارة التي تحدد المحتوى الذي قد يؤدي الى هجمات ارهابية ولهذا السبب فان تفويضا شاملا لمراقبة المعلومات المتعلقة بما يسمى الإرهاب يمكن ان يجبر هذه الشركات على الوقوع في الخطأ بدافع الحذر وتزيل معلومات قد تكون عدوانية لكنها لن تقود الى هجوم وشيك.
في اعقاب فضيحة برنامج “بريزم” الذي وضعته وكالة الامن القومي الاميركي لمراقبة المكالمات الهاتفية والمعلومات الشخصية في اميركا والعالم، خرجت اصوات ضمن الاتحاد الاوروبي تطالب بجهاز استخباراتي اوروبي. الداعمون لهذه الفكرة يؤكدون على اهمية ايجاد سياسة امنية دفاعية مشتركة بين دول الاتحاد. اما المعارضون لها فيعدّون ان دور هذه الوكالة سيكون مراقبة الناس والتعدي على خصوصياتهم. كما يرفضون تأمين التمويل اللازم لها. وان برنامج THE NETWORK القى الضوء على هذه التيارات المتعارضة من خلال حوار مع بعض اعضاء البرلمان الاوروبي.
وفي هذا السياق اصدر مجلس عموم اوروبا لتنظيم البيانات عام 2014 على لسان رئيسه “هيرمان فان رومباي” المادة رقم 29 الجديدة، بشأن كيفية التعامل مع المواقع الالكترونية والمعلنين، اضافة الى امكانية تعقُّب المستخدمين والاذونات التي يحتاجون اليها من قِبل الشركات، وتقتضي المادة الجديدة على جهاز البصمات بوصفها احدى عمليات جمع المعلومات حول بصمة المستخدم، وتتطلب المستوى نفسه من موافقة ملفات التعريف والارتباط التي يستخدمها لتعقب المستخدمين عبر الانترنت وهذا يعني انَّ بعض المواقع، بما في ذلك “جوجل وفيس بوك، وشركة مايكروسوفت” التي تستخدم عمليات التقنية البديلة يجب عليها اظهار الاخطار الى مجلس اوروبا بعد كل شيء.
وخلال اجتماع دول الاتحاد الاوروبي في بروكسل خلال شهر مايو 2014 بحضور تركيا والولايات المتحدة والاردن وتونس ودول اخرى معنية، تم الاتفاق البدء ادارياً في مطالبة موفري خدمة الانترنت بحجب المواقع التي تحرض على الافكار المتشددة. ان ابرز المواضع الحساسة الاخرى التي تناولها الاجتماع هو تبادل المعلومات بشأن الاتصالات التي قامت بها الاجهزة الامنية لعدة دول اوروبية مع المخابرات السورية لتعقب “الجهاديين” وتم التكتم على هذه الاتصالات لأسباب سياسية.
وتمثل قدرة المتطرفين على التواصل ونشر دعاية بشأن التجنيد على الانترنت تحديا للسلطات. وعبر اوباما وكاميرون في اجتماع واشنطن 16 يناير 2015 عن مخاوفهما بشأن المواد المشفرة التي يمكن ان تمنع الحكومات من تعقب متطرفين يعتزمون تنفيذ هجمات. وقال كاميرون اننا لا نسعى للأبواب الخلفية للوصول الى الاتصالات الالكترونية. ما تأتي من تصريحات على لسان الدبلوماسية في واشنطن او في دول اوروبا، لا تمثل اهداف ووسائل واساليب عمل الاستخبارات، فما يعنيه كاميرون واوباما بفتح ابواب خلفية، هو فتح قنوات سرية مع الحكومات والانظمة وربما جماعات “جهادية” واخرى مسلحة، للحصول على المعلومات مقابل الدعم وهذا ما حصل في ازمة سوريا، عندما فتحت ابواب خلفية مع الحكومة السورية وكذلك مع جماعات “جهادية” في سوريا والعراق. هذا يعني ان المرحلة الحالية سوف تشهد المنطقة حراك مخابراتي لدول اوروبية وغربية، لكن هذه المرة سوف تكون اكثر اندفاعا بالتحرك الاستخباري وربما سياسيا.

اتفاقية الشينغن
اشارت تصريحات منفصلة لوزير الداخلية الفرنسي ونظيره الاسباني الى ان تداعيات الهجمات في باريس ـ صحيفة شارلي ابدو 7 يناير، ستصيب “اتفاقية شنغن” في محاولة للحد من تحرك العائدين الى اوروبا. واكد الوزير الاسباني، خورخيه فرنانديز دياز، لصحيفة “ال باييس” انه سيدافع عن فكرة تعديل “اتفاقية شنغن” للسماح بمراقبة الحدود الداخلية للاتحاد الاوروبي. وقال “سندافع عن فكرة مراقبة الحدود ومن المحتمل ان نضطر بالتالي الى تعديل اتفاقية شنغن” التي تنص على حرية التنقل داخل “فضاء شنغن” الذي يضم حالياً 26 بلدا في اوروبا. اما وزير الداخلية الفرنسي “برنار كازنوف” فقد اكد عقب اجتماع مع وزراء داخلية دول اوروبية في باريس، على ضرورة العمل على “تعديل اتفاقية شنغن لفرض اجراءات مراقبة على الحدود.
يذكر ان اتفاقية “الشينغن”وقّعها بعض البلدان الاوروبية وتسمح بالغاء عمليات المراقبة على الحدود بين البلدان المشاركة كما تتضمن احكاما بشأن سياسة مشتركة بشأن الدخول المؤقت للاشخاص بما فيها تاشيرة شينغن، بمواءمه بمراقبة الحدود الخارجية، والشرطة عبر الحدود. بمقترنها معاهدة امستردام، والاتفاق نفسه وجميع المقررات التي سن على اساسها تم تنفيذها في قانون الاتحاد الاوروبي. وتسمى على اسم شينغن، لوكسمبرغ. وقعت على الاتفاق مجموعة من 30 دولة، بما فيها جميع دول الاتحاد الاوروبي وثلاثة اعضاء غير الاعضاء في الاتحاد الاوروبي ايسلندا والنرويج وسويسرا وتنفذه 15 حتى الان.
الاتفاقية وقعت في الاصل في 14 يونيو 1985، من خلال خمس دول اوروبية وهي بلجيكا، فرنسا، المانيا الغربية، لكسمبرغ، وهولندا وثيقة اضافية، والمعروفة باسم اتفاقيه شينغين، وضعت الاتفاق موضع التنفيذ وهي الوثيقة الثانية حلت محل الاولى. وبرغم ان التوقيع تم على الاتفاق في 14يونيو 1985، كان لا بد من الانتظار حتى بعد مرور عقد من الزمن تقريبا، في 26 مارس 1995، واصبحت بلجيكا، فرنسا، المانيا، السويد، هولندا، البرتغال، اسبانيا، اول الدول لتنفيذ هذه الخطة.

بوابة تركيا
وفي اطار التوصل الى حلّ مشترك للتعامل مع تهديد “الجهاديين” الذين يسافرون الى سوريا بهدف القتال، دعت بلجيكيا خلال عام 2014 الى عدة اجتماعات اولها كان في مايو يدعو فيه الدول الاوروبية التسع المعنية بملف “الجهاديين” الاجانب في سوريا وبحضور ممثلين عن الولايات المتحدة و تركيا و تونس و المغرب و الاردن وفي هذا السياق ، افادت الداخلية البلجيكية، انّ التعامل مع ملف العائدين من المقاتلين في سوريا ، يشكل احد اهم المشاغل الحالية ، مشيرة الى انّ وجود مرتكز لتنظيم القاعدة على ابواب اوروبا ـ اي تركيا ـ يعدّ مشكلة جديدة طرحها النزاع في سوريا .
وصرح مسؤولون اتراك بان، حياة بومدين، شريكة “كوليبالي” الذي اقتحم المتجر اليهودي شرق باريس بالتزامن مع عملية شارلي البدو 7 يناير 2015 كانت في تركيا قبل خمسة ايام هذا التاريخ. ونقلت وكالة انباء الاناضول عن وزير الخارجية مولود جاويش اوغلو قوله في مقابلة ان بومدين وصلت الى اسطنبول قادمة من مدريد في الثاني من يناير 2015 ولم تتلق تركيا اي طلب من باريس بمنع دخولها واضاف “توجد صورة لها في المطار. بعد ذلك اقامت مع شخص اخرفي فندق وعبرت الى سوريا في الثامن من يناير 2015. نستطيع قول ذلك بناء على تسجيلات هاتفية.”
السؤال، ان لم تكن تركيا قد استلمت مذكرة حول حياة بومدين، ولا تعرف انها متابعة ومتورطة بأعمال ارهابية، لماذا تابعتها الاستخبارات التركية واخضعتها للمراقبة البشرية والهاتفية؟ وكيف تركت الاستخبارات التركية ابو مدين تدخل الحدود السورية عبر تركيا بنحو غير شرعي؟ هذه الاسئلة تثير الكثير من التساؤلات، حول الدور التركي المزدوج، لان تكون بوابة وجسر “للجهاديين” بين سوريا واوروبا، وكأنها سياسة لي اذرع اوروبا لأسباب سياسية وتاريخية تتعلق برفض اوروبا انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي.
ان الاجراءات التركية ضد حياة بومدين ربما تأخذ الاحتمالات التالية، برغم انها في حدود التحليلات:
• ان الاستخبارات التركية، القت القبض على حياة بومدين وبصحبة مرافقها، بعد خروجها من المطار واقامتها في الفندق، ولم تعلن الاستخبارات التركية نبا اعتقالالها، وربما يعود الى خوف تركيا من رود فعل داخلية الى خلايا ” جهادية” داعمة الى حياة بومدين ومرافقها، وهذا من شأنه يعرض امن تركيا الى مزيد من التوتر. ان اعتقال حياة بومدين، ممكن ان تكون مستقبلا ورقة للتفاوض مع جماعات “جهادية”
• ان السلطات التركيا هي من عبرت حياة بومدين الى سوريا، وما يرجح ذلك، ان الحكومة اعلنت ذلك برغم انها سلكت طريق غير قانوني من تركيا الى سوريا، وهي ادانة للسلطات التركية ان تراقب اشخاص وتتركهم يعبرون الى سوريا. وربما يأتي هذا ضمن صفقة وتعاون ما بين تركيا ودولة داعش، وهذا ما يخدم تركيا، بانها تنأى بنفسها من تعاظم وتمدد قضية “شارلي ابيدو” الى اراضيها، وتخلق ازمة سياسية.
كشفت التطورات تحديدا شأن الامن والاستخبارات في اوروبا والمنطقة، حقيقة الدور التركي في المنطقة، وعرت اساليب ووسائل عملها بدعم “دولة داعش” والجماعات “الجهادية” ضمن مشروع تركي يصب في اضعاف دول الحزام التركي ولي ذراع اوروبا، من اجل وتقوية تركيا سياسيا واقتصاديا.

* باحث عراقي، مقيم في المانيا، متخصص في مكافحة الإرهاب والاستخبارات
و الكتاب صادر عن دار نشر وتوزيع المكتب العربي للمعارف – القاهرة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة