الأخبار العاجلة

الموصل.. ساعة الصفر ليكون التاريخ عادلاً

معركة تحرير الموصل ليست مطاردة بين قوات حكومية وجماعات متمردة لإنهاء سيطرتها على مدينة من المدن، فان مثل هذه المعارك تندلع وتنتهي في دول كثيرة وتُسجل في هوامش الاحداث بوصفها معركة بين القانون والخارجين عليه، او بين السلطات الغاشمة وجماعات الثوار، وفي الغالب لا تترتب على مثل هذه المعارك نتائج تمس هياكل الدول او تغير مسار المعادلات الداخلية السياسية والادارية والاجتماعية، ولا تخلخل تناسب الحجوم بين القوى المؤثرة بالاحداث.
معركة تحرير الموصل، مواجهة استثنائية، جاءت بعد هزيمة مذلة للدولة وجيشها وسياساتها امام عصابة كهفية متوحشة، وايضا، بعد عجز السياسة عن استيعاب ما حدث، بين كونه افرازا محليا، او مؤامرة دولية، وشاءت يوميات اغتصاب الموصل ان تكشف، يوما بعد آخر، ان سقوط الموصل بيد داعش جاء من تضاعيف الازمة السياسية العراقية، الطائفية والامنية، الشاملة، ومن تدخل منهجي وسافر من قوى اقليمية ودولية، وعندما شقت هذه المنظمة الظلامية طريقها من قرية سورية تحت سيطرة الجندرمة التركية الى خاصرة العراق واحتلال ثلث اراضيه كانت تحمل معها «كارت» القوة التي لا يُسمح بقهرها.
من هذه الزاوية ينبغي النظر الى تحرير الموصل على يد مقاتلين عراقيين شاءوا ان يضعوا ساعة صفر لنهاية مهزلة ابتدعها تاريخ لا عادل، اراد ان يطفيء النور في مسرح العراق وكل العالم، وان يحل القتل والهلع في كل مكان تصله قطعات هذه العصابة برطانات ودشاديش قصيرة.
ساعة الصفر تحققت فعلا، فلو انها لم تتحقق، بمعنى، لو ان داعش انتصر في الموصل، فان علينا ان نفتح خرائط الارض امام هولاكو جديد، يجتاح الحضارة من اسفل الارض الى اعلى قمة جبل في العالم، وهو يحمل كل اسلحة الدمار الشامل بما فيها رطانات الجهاد في سبيل الله.
*******
ساعة الصفر هنا ليست عنوان الفيلم الوثائقي الشهير عن عملية اعتقال صدام حسين، حين داهمته قوة اميركية كانت تستدل الى حفرته بمساعدة مخبر من حراسه في تلك المزرعة السرية على اطراف بلدة الدور، كما انها ليست بحثا فلكيا مجردا في حركة الزمن نحو نقطة افتراق افتراضية بين زلزالين، أو كما تـَرِد، عادة، في الخطط العسكرية او في متابعات الانواء العاصفة، او في خلال الحاجة الى تصفير الوقت او تسويفه او الاحتيال عليه، او في خلال التحضير لمؤامرة، او عملية سطو معقدة، ولا هي تحبيذ لفكرة البطل الذي يقاتل حتى النفس الاخير والمولع بتعيين ساعات صفر كثيرة، او تلفيق لصورة المنقذ الاسطورة الذي ارسلته الاقدار لينتشل القارب من الغرق.. انها توقيت جدي لتغيير مؤشرات الصراع وسلوك التعاطي مع الالغام، في وقت لم تعد الساعة تخفي احتقان المشهد، ولم يعد سجل الضحايا يتسع لمزيد من القتلى، وليس في مقدور الوقت ان يتمدد خارج الغليان الذي تتسارع مؤشرات انفلاته.
*******
قليلة احداث التاريخ، يقف فيها الدم والخراب والعويل على هيئة علامة استفهام ممستحيلة في مفترق الطرق: عندما وقف موسوليني في شرفته ورأى روما في مفترق طرق، وعلى شفير الهزيمة التفت الى الكاردينال شوستر يسترشد فيه الى الخطوة المقبلة، قال له الرجل الحكيم: «حانت ساعة الصفر للاعتراف بخطاياك» ومما له مغزى ان طلب الاعتراف هذا جاء متأخرا، فقد كانت روما تعبر ساعة الصفر الى الهزيمة.

********
لقد عبر العراق ساعة الصفر الى الانتصار، وهو بامس الحاجة الى تعويض الدماء بتاريخ عادل، بل واكثر عدالة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة