ساحة سينمائية أم روائية؟

بدو لي هذه القضية افتراضية بالساحة الثقافية والفنية في العراق ، كون كلا الطرفين ، الرواية والسينما ، رغم العلاقة التبادلية ما بينهما ، على صلة غير متوفرة الأرضية للبناء المشترك ، بالتأكيد ليس الإشكال ألعلائقي بسبب أحدهما ، إنما أساسه عدم وجود صناعة فنية سينمائية في العراق ، الصناعة التي تقوم على الحرفية ، ونتيجة تراكم خبرتها يتم بناء وتشابك الوشائج مع الأطراف ذات الصلة ، بالذات الأجناس الأدبية القريبة الصلة كالرواية مثلا .
عدم وجود صناعة سينمائية هو ليس نتيجة حتمية لهذه المرحلة ، بقدر ما هو أزمة مزمنة ، واكبت الحالة العراقية منذ بدء النهضة الحديثة ، مذ قامت الدولة عام 1920 ، إذا ما تمت المقارنة مع البلدان العربية ، فلقد تطور لدينا المسرح والغناء والأدب والتمثيلية الإذاعية وظلت صناعة السينما ، لأسباب واضحة ، بعيدة عن مطمح التطور ، ربما لأنها الوحيدة التي تحتاج إلى تمويل خاص ، والدولة العراقية عموما لا تصرف في مجال الثقافة والفن.
يبدو لي إن ثمة إرباك ، أيضا ، قائم ما بين عالم الرواية وعالم السينما ، سببه عدم وجود وشائج علاقة متينة ، فلم يضع الروائي العراقي في حسبانه ، لا من قريب ولا من بعيد ، إن روايته ستتحول لعمل سينمائي ، ذلك أن تقليدا مثل هذا على ارض الواقع لم يكن موجودا ، الانفصال في هذا المجال دفع بالروائي إلى الأخذ بالتقنيات الحديثة ، كالطباعة والتوزيع والمعارض ، مع إهمال متعمد للاشتغلات السينمائية ، مثل الكولاج ، المونتاج ، التقطيع ، والسيناريو.
ثمة إشكالات كثيرة قائمة ، أصلا ، في صناعة السينما العراقية والمتمثلة بعدم تراكم الخبرة وتعود الجمهور ، بالذات جمهور التلفزيون ، على أنماط معينة من الشخصيات ، بالإضافة إلى اضمحلال دور العرض السينمائي في المدن وتلاشيها نهائيا بسبب الإهمال المتعمد من قبل الحكومات المحلية والمركزية والتي تتعارض مبدئيا مع التوجهات الدينية السائدة لدى مؤسسة الدولة والنزوع والارتداد الديني ، غير مقنع ، لدى الناس.
ثمة موجة جديدة من الشباب تتولى العملية السينمائية وتعطيها الأهمية في مجال معالجة الموضوعات الحياتية ولما يعانيه المجتمع من إشكالات ، بيد أن هؤلاء الشباب ، رغم الطموح الكبير ، مازالوا يعانون من المعضلة الرئيسية ، المتمثلة بتوفير الرأسمال الضروري لصناعة السينما .
من كل هذا نستخلص بأن ثمة انقطاع ما بين الطرفين ، وليست جفوة ، وسيبقى قائما لحين البدء بإنتاج سينمائي حقيقي ، بالإضافة إلى تراكم الخبرة لدى العاملين في هذا الحقل ، عندها سنضع أولى الخطوات في علاقة قائمة على تبادل المنفعة ما بين السينما والرواية.
حميد الربيعي

مقالات ذات صلة