الأخبار العاجلة

‏الدبلوماسية البريطانية ترسم خطة المؤامرة

الحلقة الحادية عشرة
تواصل ثقافية الصباح الجديد نشر حلقات من كتاب: سرقة حضارة الطين والحجر للكاتب حميد الشمـري
لآثاري الفرنسي (شايل) وهو راهب وعالم متخصص بالكتابات الآشورية قد قام بسرقة منحوتة جدارية من دور شروكين ونقلها بالأكلاك الى البصرة ولأجل إيصالها الى فرنسا قام بتحميلها على احد القوارب الذي انطلق من البصرة بحرا متخذا طريق البحر الأحمر بعد فتح قناة السويس وهناك في البحر اضطربت الامواج فأمر ربان القارب من اجل انقاذ بقية الحمولة أن يضحي بالمنحوتة ورميها في البحر ولا يوجد اي توثيق لهذه المنحوتة أو مكان إغراقها وهذه الحادثة يغيبونها أيضا ولا يتحدثون عنها إطلاقا.

‏وضمن استعداد البريطانيين للقيام بالحفريات في التلال المحيطة بالموصل ولذر الرماد في العيون قام الوزير البريطاني الأقدم بكتابة رسالة ملاى بالمخادعة والتضليل إلى والي الموصل (تاهيار باشا) في 5- 3 ‏- 1846يطلب منه*(هناك كما يعرف سعادتكم ، في جوار الموصل كميات من الاحجار والبقايا القديمة 0وقد جاء شخص انجليزي الى هذه الاماكن للبحث عن مثل هذه الاحجار وقد وجد على ضفاف دجلة في اماكن معينة غير آهلة بالسكان ، احجارا قديمة عليها صور وكتابات 0 وقد طلب السفير البريطاني ان لا توضع العراقيل امام الشخص المذكور انفا في اخذ الاحجار التي قد تكون مفيدة له بما في ذلك تلك التي يكتشفها اثناء الحفريات او في تحميلها للنقل الى انكلترا ان الصداقة المخلصة الموجودة بين الحكومتين تجعل من المرغوب فيه قبول مثل هذه الطلبات لذلك يجب ان لا توضع العراقيل في طريق اخذه الاحجار الموجودة في الاماكن الخالية ولا يستفاد منها ، او في قيامه بالتنقيبات في الاماكن غير المسكونة عندما يمكن القيام بذلك بدون ان يضايق احدا، او في اخذ مثل هذه الاحجار كما يرغب مع تلك التي يتمكن من اكتشافها – قوة اشور – هاري ساكز) . وهنا يدعي البريطانيون أن الوالي أعطى في (تموز 1846 موافقته الشخصية وترخيصا إلى لايارد للحفر وأن الموافقة قد
‏ ‏أعطت البريطانيين ( حق الحفر في النمرود ومناطق أخرى و الحصول على المدونات والاستحواذ على المباني الاولى للفن الاشوري- قوة اشور – هاري ساكز )هذا الترخيص مطعون في أهليته ومدى صلاحيته لأنه لم يكن صادرا عن الباب العالي السلطة الوحيدة المخولة بذلك . ولأن البريطانيين يعرفون جيدا أن موافقة والي الموصل لا تعني شيئا أمام السلطات العثمانية العليا . لذلك فهم يدعون أنهم قد حصلوا عليه من الباب العالي وهذا كذب مفضوح فالترخيص الذي يستندون إليه كحجة قانونية صدر بعد سنة ونصف من مباشرة لايارد بالحفريات والسرقة ومؤرخ في شباط سنة 5-5-1846 صادر من السلطان عبد المجيد (الأول) ونجد هنا غموضا وتضاربا في التواريخ والعبارات والحقوق الممنوحة وهل أعطى الترخيص للبريطانيين الحق بالاستيلاء على المكتشفات الأثرية وماهي فترة صلاحيته والمناطق التي يشملها
‏وهل يشمل هذا الحق قيام هرمزد رسام او رولنسون اوهنري روس اوكرستيان رسام بالاستيلاء على المكتشفات الاثرية بغياب لايارد في انكلترا . وبغض النظر عن المشروعية أو عدمها فان الحقيقة هي أن جميع الحفريات كانت غير شرعية وأن جميع الآثار التي خرجت من البلاد استنادا لذلك التصريح تعتبر مسروقة

‏النمرود
‏يوجد في مدينة الموصل تلان عظيمان هما تل (قوينجق) وتل النبي يونس . ولم يختارهما لايارد لبدء الحفريات لأن التل الأول لم يكن ينبن بشيء بسبب الحفريات الفرنسية الفاشلة فيه . أما تل التوبة فلم يكن أحد ليجرؤ على الحفر فيه بسبب وجود ‏القبر المنسوب إلى النبي يونس فوقه , ولذلك ختار لايارد الحفر في النمرود لبعدها نسبيا عن أعين ممثل السلطة العثمانية والي الموصل وشرطته وكانت النمرود ( كلخ)- واسمها القديم (بال تل) التي اسسها الملك شلمانو اشاريد الاول ( 1274-1245 ‏(ق م ) ثم اعاد الاعتبار اليها واستخدمها عاصمة للإمبراطورية الملك آشورناصر ابلي (الثاني) واستغرق اعادة بنائها خمسة سنوات وكانت العاصمة الثالثة تاريخيا والعسكرية ومقر الملكية والحكم طوال فترة حكمه 848-859 ق م – ومن بعده ابنائه واحفاده لغاية السنة التي انتقل فيها حفيده الملك شروكين الى عاصمته الجديدة دور شروكين سنة 717-706وقبل أن يباشر لايارد الحفر قام بمفاتحة تاجر بريطاني مقيم في بغداد اسمه (هكتور) ليستثمر أمواله في الحفر والتجارة في ما يكتشف من آثار إلا أنه لم يستجب لذلك , وعندها قرر الحفر على نفقته الخاصة بالمال القليل الموجود لديه ( 67 ‏) جنيها إسترلينيا ومثلها من السفير كاننك على أن يكونا شركاء في الأرباح من بيع المكتشفات الأثرية , وكان عمره حينها قد أصبح ثمانية وعشرون عاما ومجرد حفار وصياد كنوز يمتلك الجرأة وحب المغامرة –
‏بدأ لايارد الاستعداد للذهاب إلى النمرود بحجة القيام بصيد الغزلان والخنازير لكنه كان يخطط بسرية تامة للحفر هناك . ثم ترك الموصل برفقة العميلين الاخوين رسام والتاجر البريطاني هنري روس ومعهم مجموعة من العمال وبعض المعدات البسيطة من المعاول والمساحي . وعند وصوله النمرود كان حانرا كيف وأين يبدأ الحفر فالمنطقة المركزية عبارة عن تلة صناعية كبيرة جدا تبلغ مساحتها ( 2 ‏) كيلومتر مربع وترتفع عن الأرض المنبسطة المجاورة حوالي ( 3 ‏1مترا) وجدرانها الخارجية مبنية باللبن (الطين المهندم المجفف بالشمس) ومغلفة بطبقة من الآجر المشوي (الطابوق) المستند على أساس من الحجارة المهندمة وباطن التلة مملوء بالتراب المدكوك حيث كان الآشوريون يبنون قصورهم ومعابدهم على سطح تلة صناعية يبنيها عشرات الآلاف من الناس المرحلين والمنقولين من مدنهم إلى مدن دمج الاعراق الجديدة . أو بواسطة السكان المحليين أو العمال المأجورين لتكون هذه التلة ألمرتفعة حماية للمدن من الغزو والفيضانات والسيول.
‏بدأ لايارد الحفرفي (كانون الأول 1845) كيفما اتفق ولمجرد وجود رابية عالية قليلا عن سطح التل صارفا بعض المال كرشى ومتنقلا من مكان إلى آخر في منطقة القصور والمعابد التي لم يكن يعرف عنها شيئا . وبعد أسابيع من الحفر العشوائي والفشل التام وشعوره باليأس والإحباط أخبره بعض السكان بأن عائلة الجليلي الموصلية كانت تحفر في مكان من التل قبل سنوات لاستخراج الأحجار المهندمة لاستعمالها في صيانة إحدى المقابر ودلوه على المكان فكان ذلك هو دليل لايارد في حفرياته وبداية سيطرة البريطانيين على التل والاكتشافات العظيمة التي تحققت.
‏قصر آشور ناصر أبلي (الثاني) الثور المجنح (
‏قادت المصادفة البحتة وضربة الحظ إلى البدء بالحفر في ذلك المكان حيث بدأت الجدران المغطاة بالألواح الجدارية بالظهور وكانت مفتاحا لاكتشاف البوابة الخارجية الرئيسة لأكبر قصر آشوري في المدينة (القصر الشمالي الغربي) للملك آشور ناصر أبلي وكان ذلك بداية لثاني أضخم عملية نهب وتدمير لرموز الحضارة الآشورية فاقت بوقائعها عملية النهب الأولى في دور شروكين على يد الفرنسيين بوتا وبلاس , وكان يحرس تلك البوابة زوج من الثيران المجنحة العملاقة بقياس ( 310x سم310 (لاماسو) التي كانت أول شيء يكتشفه وقد فاجأته بفنها وعظمتها وهي تحمل في ثنايا تفاصيلها الكثير من سمات الإبداع والأصالة الشرقية وتختلف في تشكيلها وحجمها عن ثيران دور شروكين.
* ‏(سيكون لهذا الرجل لاحقا دور تخريبي وتدميري في مدينتي النمرود ودور شروكين)

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة