الأخبار العاجلة

روميو وبدرية

بين فتنته المشغولة بترميم تضاريس العيش ، وتناول العاطفة من مائدة الكون ، يبقى الحب والعطش إلى الحب ، هو سؤال الحياة الأكبر ، بكل مسراته الخضراء ، طقوس مواجعه ، قلقه الدافئ أو حتى هواجسه الرحيبة ، وحقيقته الأقرب في مدونات الروح لتقاويم الذاكرة الإنسانية حيث سنابل الوجد التي لا تشيخ ، وأجنحة الضوء التي لا تنطفئ .
إنه سحابة النور التي ترسلها السماء لنشوة الكائنات ، قريباً من قهوة الشوق وصولاً إلى قلق الشعور ومدائنه التي تفتح ذراعيها إلى ثمرة المسرة العنيدة ، حيث النافذة الألذ والأصدق والأحلى في سباق العمر .
وتبقى الشواهد التاريخية والمدونات التراثية المأنوسة لحالات الحب متنوعة ، وعميقة ببعدها الإنساني ودلالاته العابرة للقارات والخرائط والبراري المغلقة ، لتبقى حكاياته هي الحكايات الألذ والأشهى في شجرة المشاعر العالية .
منها حكاية الشاعر قيس بن ذريح وحبيبته لبنى ، فقد عشقها عشقاً أسطورياً وتزوجها بعد معاناة ومثابرة ، ثم سرعان ما افترقا نتيجة لضغوط عائلية هائلة ، ليفترق الحبيبان ويعودا ثانية لبعضهما بعد أن انتصر حبهما على كل مظاهر العُرف المجتمعي والقبلي ، لتموت لبنى بعد ذلك بقليل وليلحق بها قيس سريعاً ويُدفن إلى جانبها .
حكاية الشاعر جميل بن مُعمر وحبيبته بثينة ، وقصائد صدق المعنى وحرارة العاطفة التي توسدها العاشقان اللذان لم يكتب لهما العيش تحت أفق واحد ، رغم عشقهما العفوي الذي بدأ منذ الطفولة ، ليفترقا وتأخذهما الحياة إلى القطيعة القاسية رغم عشقهما الذي لم يفارق جدران القلب ، ليموت العاشق ولتحلق به محبوبته من البكاء عليه .
وكذلك حكاية أبي وأمي حين شهدت حقول القصب الجنوبي في ميسان العراقية لقاؤهما الأول ، أمي كانت تحمل الطعام لأبيها وهي تمشي بسرعة حاملة على رأسها بعضاً من الأرغفة وشيئاً من زاد الصباح وقتها كان أبي يطلق مواويل « المحمداوي « احتفاء بها ، فما كان منها إلا أن رمته بحجر شج رأسه بعد تكرر محاولاته الغنائية الدافئة ، ومع نزول بعض قطرات الدم من رأس أبي تدفق نبض الحب سريعاً فتزوجها بعد أسابيع .
أمي الراحلة الحاجة بدرية طريف الساعدي ، لا تعرف الحب بل كل الحب ، لكنها تفرح لهذا الأمر ببساطة وعفوية ودون تكلف ربما ، تخجل الإعلان بهذا فهي تعرف جيداً معنى أن يتحول موال الريف إلى قارب شمس ونجوم ، ورغم الفقد والوجع بعد رحيل أبي ورحيلها ، ها هي تبتسم لنا كل صباح من المقبرة رقم 3 في النجف ، وهي ترنو إلى تلك المواويل التي زخرفت قلبها حين كان النهر طفلاً وطفلة في القصب.
قاسم سعودي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة