تفننت فضائيات كثيرة في اقامة حفلات حوارية تحول خلالها المتحاورين الى ديكة وتختزل فيها موضوعات الحوار الى زعيق، فيصح فيها القول انها حفلات ديكة تنتهي بان يذهب كل ديك الى منزله مزهواً بعرفه وغنائه، ويذهب المشاهدون الى لا شيء، وربما الى اسئلة بلا جواب في افضل الاحوال. ومما يحز في النفس، ويحمل على الاسى، ان ...
" />

حفلات ديكة

تفننت فضائيات كثيرة في اقامة حفلات حوارية تحول خلالها المتحاورين الى ديكة وتختزل فيها موضوعات الحوار الى زعيق، فيصح فيها القول انها حفلات ديكة تنتهي بان يذهب كل ديك الى منزله مزهواً بعرفه وغنائه، ويذهب المشاهدون الى لا شيء، وربما الى اسئلة بلا جواب في افضل الاحوال.
ومما يحز في النفس، ويحمل على الاسى، ان هذه الفضائيات وجدت في بعض العراقيين مَن يصلح ان يكون ديكاً يملأ شاشتها بالضجيج، ويسلّي جمهورها بالحركات البهلوانية، ويغيْر منها على هدوء الناس وحاجتهم الى المعرفة والكلمة الطيبة: ينط من هنا شاتماً، الى هناك مادحاً، في عبارات صوتية كأنها تعلن ساعة الصفر، او تأذن بحرب كونية، او تحذر من طوفان، وكأن المليارات من البشر ينتظرون، على احر من الجمر، ان يقرر هذا الديك مصيرهم، وان يلقي لهم بخشبة النجاة، وان يفكك ما استعصى عليهم تفكيكه وحلّه.
قد يقال بأن الديك يحمل، في الحكايات الشعبية، بشارة الصبح، واجازة الصلاة، لكن في تلك الحكايات ما هو ابلغ من هذه الوظيفة التي انتهت مع نهاية عصر القرية وبطلت مع بطلان الخرافة, فظهرت للديك معايب وبرزت له وساخات، فالديك، كما يورد الجاحظ في كتاب الحيوان مشهور بالجَوَلان، وكما يقول التوحيدي في الامتاع والمؤانسة انه “صلف في طبيعته” إذ يلف ويدور في خيلاء نافشاً الجناحين. ويقول الكاتب المصري محمد مستجاب «الديك يمتلك قدراً من الزهو, قد يسبب إقلاقاً للناس في الفجر الكاذب قبل ان يصيح ممهداً للفجر الحقيقي بساعتين او اكثر ليحرم الناس من النوم، معتداً بشكله الذي يمثل تحدياً لكل تكوينات الفنون التشكيلية، وكأنه تخرج تواً من كلية الشرطة» ويقول محمد بن موسى الدميري عالم الحيوان الشهير عنه: “ الديك أبله الطبيعة، إذا سقط من حائط لم تكن له هداية ترشده الى اهله».
إن الديك الذي نطالعه، بين فترة وفترة اخرى على الفضائيات او المنتديات، هو ذلك الديك الذي ذكرته اسطورة قديمة حيث فاجأه «الغول» فتجمَد في مكانه حتى باض، فتصور الغول ان هذا الديك ليس سوى دجاجة لا وجود لها على قائمة اعدائه، وهي المرة الوحيدة التي باض فيها الديك كذكر.
يمثل الديك في ما يُظهره على الشاشات من اعتداد بالنفس نصف الدكتاتور، وترى ذلك في عناده وغبائه ونرجسيته، وتشاء بعض تلك الشاشات ان تمنعه من مراجعة اقواله، عن طريق امتداح عبقريته الصوتية، كما حدث ليلة امس حين همّ ديك عراقي باعادة النظر بما قال لكن مجاوره اغلق الطريق عليه بالاعلان عن استفتاء ملفق للقراء بتأييد ترهاته بنسبة 93 بالمائة.
معلوم ان هذا الديك ليس (ديك الجن) الشاعر الفذ الذي كان استاذاً لأبي تمام.
**************
النبي ص –موعظة السالكين
/»سيأتي في آخر الزمان قومٌ يزهدون في الدنيا ولا يزهدون، ويرغبون في الآخرة ولا يرغبون، وينهون عن الدخول الى الولاة ولا ينتهون، ويباعدون الفقراء ويقربون الاغنياء: اولئك الجبارون أعداء الله».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة