خبرة سينمائية مذهلة عن الصمت والعذاب والإيمان!

فيلم الصمت(2016):
مهند النابلسي

يتحدث عن قصة راهبين مخلصين (آندرو جارفيلد وآدم درايفر) وذهابهما في ارسالية لليابان في القرن السابع عشر، وعن تعرضهما للعذاب والمعاناة، أثناء تجوالهما وبحثهما عن استاذهما المفقود «ليام نيسون»…وذلك في زمن كانت فيه المسيحية «مضطهدة ومحرمة وخارجة عن القانون»: يعيد هذا المخرج الكبير الرواية الخالدة للياباني «شوساكو آندو» للحياة والسرد السينمائي الشيّق، ويحقق هنا بجدارة ذروة سينمائية اخرى بعد تحفته الرائعة «الثور الهائج»، ويضعنا كنقاد ومشاهدين امام مغامرة وتجربة حياتية نابضة بالتفاصيل والأحداث التاريخية المروعة…انه الاقتباس الثاني لرواية «شوساكو آندو»، حيث ظهر الفيلم الأول من قبل الياباني «ماساهيرو شيفودا» في العام 1971، وقد صور سكورسيزي هذه النسخة بتكاليف باهظة في تايوان وفي العاصمة «تايبه» (لا اعرف لماذا لم يصورها في اليابان؟)، ولجأ مع مصوره الفذ لإعادة الحياة التاريخية لليابان في العام 1670…ينهي هذا الفيلم الملحمي عقدا كاملا من سعي المخرج لإنتاجه بهذه الصورة المتكاملة ابداعيا والمشحونة بالإيمان والعواطف والأفكار والروحانيات، وقد وضعنا في أجواء جحيمية-عقابية قاهرة وجدلية، في بحث حثيث عن «الاستبصار والتنوير»، طارحا الأسئلة المصيرية وعارضا التجارب «الحسية والروحية»، وربما استحق بجدارة جائزة «أحسن سيناريو» من معهد الفيلم الأمريكي (السيناريو من كتابة كل من سكورسيزي وجي كوكس) ، كما اعتبره معظم النقاد واحدا من أحسن أفلام العام 2016. أعطانا الممثل «نيسون» هنا قوة اداء مؤثر واستثنائي وغير متوقع من ممثل برع سابقا في أفلام الأكشن، وترافق ذلك مع تصوير مذهل ليابان القرن السابع عشر، ولم يكن ممكنا اختصار مدة عرض هذا الشريط حتى لا يؤثر ذلك على السياق السردي المتكامل والمتماسك والمركز الذي يدور حول راهبين برتغاليين يسافران لليابان لإيجاد معلمهما المفقود «الأب فيريرا» بالاستعانة بشخص ياباني يدعى «كيشيجرو»(يوساكي كوبوزوكا)، وهو يبحث مجازا في مسائل اكتشاف مغزى الدين «شخصيا ومؤسساتيا» كما يخوض بقصص «الثقافة والسياسة» السائدة في القرن السابع عشر.
يحفل هذا الشريط بلحظات طويلة من الصمت والترقب، ولقطات اخرى تشبه الصمت مثل أصوات «حرق الأعشاب» والموجات المائية المتحطمة وصوت الرياح المتسللة من خلال الأعشاب، أما في غياب الصمت فنسمع صرخات الألم الشديد وأصوات «تكسر العظام» وهسيس اللهب الحارق للأجساد المنكل بها، ونحن كبشر نخشى الصمت لأنه مرادف «للرعب وصمت القبور»!ّ
قصة الفيلم بسيطة حيث يقوم اثنان من الكهنة المخلصين وهما «أندرو غارفيلد ودرايفر آدم» برحلة من البرتغال لليابان بحثا عن كاهن ثالث مفقود (ليام نيسون)، الذي ضاع أثناء قيامه بالتبشير، ويعتقد أن اليابانيين قد قاموا بتعذيبه، حيث يمر الأب «سيبستياو روديغز» بتجربة عذاب مماثلة ويتحمل صنوف المعاناة، كما يكون شاهدا على مشاهد تعذيب شديد للآخرين، ويطرح هنا سؤال «ايماني» محوري: فهل يقبل الله (عز وجل) منا كبشر أن نتحمل العذاب الشديد لكي يغفر لنا ذنوبنا، وهل محبتنا الكبيرة له تؤهلنا للغفران وفقدان القدرة على تحمل آلام العذاب والتنكيل، وهل «الرب» لا يبالي حقا بمعاناة عبيده المخلصين؟! أسئلة دينية عميقة ووجدانية يطرحها السرد «الروحاني» لهذا الفيلم الفريد ولا يجيب عليها ومنها «ماذا كان سيفعل المسيح ذاته قي موقف الأب رودريغز» وهو «عليه السلام» كان قد صمد أمام ويلات الصليب…وماذا عن السجناء الاخرين، وكيف سيتم وقف المعاناة…وهل ستصلنا اشارة ربانية ذات مغزى؟ وهل يريد الله ذلك…وهل يسمح للمؤمنين المخلصين أن يرتدوا لايقاف العذاب والمعاناة والآلام؟!
يتم في الجزء الثاني من الفيلم وضع الأب «رودريغز» في قفص خشبي، ويضطر لمشاهدة وسماع حالات تعذيب المسيحيين اليابانيين من اتباعه، ثم يتساءل في ذاته عن الحكمة الخفية من مجيئه لليابان، وعن قدرته على البقاء حيا في خضم هذه المحنة الرهيبة، ثم عن الحكمة من المؤسسة التبشيرية التي تؤدي بأعضائها للمعانة والتعذيب والموت في سبيل «القيم المسيحية الروحانية العليا»، ثم يبدا بالتساؤل عما يريده «الله» بمواجهة هذا البؤس والألم الذي لا يمكن ايقافه!
يبدأ الفيلم بمشاهد مؤثرة للكاهن «كريستوفاو فيريرا»(نيسون) وهو يشهد عمليات التعذيب الجماعي للمسيحيين، ويطلب منه «الردة» لايقاف العذاب والمعاناة، ثم تقفز مشاهد الفيلم سنوات عديدة للأمام لنجد الأبوبن «رودريغز وشريكه فرانسيسكو جاربي» وهما يشقان طريقهما في رحلة محفوفة بالمخاطر الى اليابان (عبر جزيرة ماكاوا البرتغالية)، وبمساعدة ودعم نصراني ياباني مخلص كدليل، وتتحدث الساعة الاولى من الفيلم عن «التشرد والفضول والمعرفة»، وحول ما حدث لسابقيهم من المؤمنين، علما بأن السلطات اليابانية الحازمة كانت في حينه لا تتساهل اطلاقا مع الكهنة الاوروبيين اللذين يتجولون بحرية في جزيرتهم للتبشير والحديث عن امجاد المسيح، حيث كانوا يعتبرون «المسيحية» كسرطان لابد من استئصاله من الجسم السياسي!
نهج سكورسيزي بنمط اخراجه الفريد اسلوبا ساحرا هجينا خلط فيه البعد الهولييودي التاريخي (وخاصة في المشاهد الأخيرة) مع نمطية «كوروساوا» الذي سبق وقدم عروضا مستوحاة بعناية من مسرح «الكابوكي» الشهير، كما قدم مؤشرات دينية لشخصية الكاهن الذي يتماهى مع شخصية «يهوذا» الذي يخون ايمانه، ويهرول لطلب الغفران، ويشير عنوان الفيلم أيضا لصمت الآلهة الروحاني المهيب، وتلعب الأصوات المنتقاة بعناية مع الطنين وقرع الطبول مع صوت «شاكوهاشي» القادم من بعيد، تلعب دورا مؤثرا في سياق الرواية الدرامية…وأخيرا فالفيلم يبحث في الصراع التاريخي الضاري ما بين الاوربيين والأسيويين من اجل فرض «العقائد والمذاهب» التي ما عادوا حاليا يهتمون بها…تكمن عبقرية «سكورسيزي» الاخراجية في قدرته على اخراج فيلم فريد يجمع ما بين البعدين التجاري والفني «النخبوي» في آن واحد.
Mmman98@hotmail.com

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة