الأخبار العاجلة

غابة من الاشجار الجديدة في..أشجار لاهثةٌ في العراء

يوسف عبود جويعد

الارض القفراء، القاحلة، اليابسة، الصحراوية، لايمكن أن تمنحنا الحياة بأشكالها المتنوعة , وتعب مقاومة العيش فيها كونها خالية من الخضرة, والاشجار التي تمدنا بغذائين , غذاء الجسد بثمارها اليانعة الطازجة المتنوعة , وتمنحنا غذاء الروح والانتعاش, بخضرتها الغناء, وزهورها الملونة , ذات الرائحة العطرة, وأغصانها التي تتمايل مع الريح حيث ما مالت, واوراقها المتنوعة الاشكال, فهي جزء من حياة الإنسان داخل هذه المعمورة , كالماء والهواء, وكذلك نجدها تغدق بالعطاء والكرم , من أخشابها نتدفء من برد الشتاء, وتكون لنا قارب نجاة للعبور الى الضفة الأخرى , وهي محطة وقوف العشاق يختفون تحت افياءها, ويطرزون اسمائهم مع قلب الحب على جذوعها , ولها الكثير من الفوائد لايمكن عدها , او إحصائها , وهكذا نجد الشاعر سعد ياسين يوسف , يجعلها جزء لا يمكن الإستغناء عنه في طقوسه الشعرية المتنوعة , حيث أنه وجدها أهل لهذا الجلاء والسمو والتقديس والاحترام , كونه يحسها أمنا التي تمنحنا الحنان والطيبة , والحبيبة التي نتشبث باغصانها وننفح لواعج العشق فيها ,والاهل حين نستظل بفيئها , ونترنم بمذاق طعم ثمارها , وهي الروح التي تمنحنا كل هذا الشعر, فحرياً بهذا الشاعر أن يلقب بشاعر الشجرة الاوحد , كونه استحضرها لتدخل في نسيج بناء قصائده , وفي وحدة موضوعها, وفي ثيمتها, وحتى في المفردات التي تشكل القصيدة لديه , وحتى في شكل ومضمون النص الشعري , وبأنساقه المضمرة , وروحه , وجماله , بل الامر تعدى هذا كله لتكون الشجرة هي السمة الغالبة في عناوين مجاميعه الشعرية التي اصدرها,( شجر بعمر الارض / 2002 ) و (شجرة الانبياء/ 2012 ) و (اشجار خريف موحش) و ( الاشجار لاتغادر أعشاشها/2016 ).
وها نحن نكون مع مجموعته الشعرية الجديدة (أشجار لاهثة في العراء) لنرحل معه في غابة الأشجار الجديدة, وكيف يوظفها الشاعر , لتدخل نسق بناء النص وتكون جزء من فضاءه, وتتلون وتتقلب وتمتزج , مع وحدة موضوعها, وثيمتها والمسار الفني الذي اختاره, ولم يقتصر الامر على الشجرة كهيكل واحد , بل أن الشاعر إستحضر أجزائها , وتفاصيل تكوينها , الجذر , الجذع, الفروع , الاغصان, الاوراق , الثمار , وكذلك إستحضر تفاصيل نموها , والمتغيرات التي تحدث لها بين الفصول , فالربيع هو قمة إنتعاشها, والخريف هو تساقط اوراقها وإصفرارها , والصيف ذروة عطاءها من الثمار , والشتاء أيامها الموحشات, وهكذا وجد الشاعر يمكن لهذه الطقوس وهذه الجزئيات , وهذه التفاصيل أن تكون بنية جيدة لإنتاج نص يكون فيه الشعر والمفردة الشعرية سياقها الفني, ولكنه لايستخدم الشجرة كحالة مجردة , ولكنه أرادها حالة ملازمة لتكوينه الشعري ولكل مراحل العطاء. ولكي يهيأنا الشاعر لنرحل معه في أروقة هذه المجموعة, فعلينا أن نستحضر أشجارنا , وان ترافقنا هي الاخرى في هذه المسيرة الشعرية الحافلة بالعطاء الشعري, فهو يستوقفنا في مستهل هذه المجموعة , لتكون اول عتبة نصية تساهم في معرفتنا لهذه الرحلة ((كُلّنا أشجارٌ لاهثةً في عَراء الأسئلة…..)) ثم ندخل القصيدة الاولى (عشبةُ السّماء ) والتي ترسم لنا حالة الضياع والتيه والندم والاسى , بين السحاب والبرق , وخيط الدخان , والغرق,نلمح من خلال البرق الذي يضيء الدنيا, وبسرعة يكسوها ظلام حالك, نرى أيضاً حالة الغرق وهو يلوح بيده , معلناً حالة أفول لحياة كانت جميلة
من أسىً, تلويحة بألف يد
تهويمة الوداع بتبعثر اللغة,
بالصرخات المضرّجة بإختناق الحروف
قبل أن يعبر جسر الأمنيات
لتضجّ فوقَ ظهرهِ
خُطى العابرين المثقلين بلا وجوه
وهم يسرقون فضاءات الضياء
بملابس الحجر المقدّس
ويسحقون …
عشبة السّماء!!!
وما هذه الرؤية الشعرية العميقة, وهذه الصورة الانزياحية الكبيرة, الا حقيقة ما يحدث , فكلنا اليوم فوقنا سحاب الدخان , وتحتنا نار مستعرة, ومع هذا فإننا نغرق ببحر الافول , وتدوسنا خطى العابرين , هؤلاء المزيفون , الذين يسرقون كل شيء بملابس الدين .
( الكرادة : حي في بغداد تعرض لتفجير إنتحاري إجرامي في أهم مجمعاته التجارية في شهر يوليو عام 2016 بينما كان المدنيون الأبرياء يتبضعون استعداداً لعيد الفطر المبارك.. راح ضحيته اكثر من (1500 ) شهيد وجريح من النساء والأطفال والشباب .) لنعيش هذه الفاجعة في قصيدة (شجرةُ العروج) والتي تعني بإنزياحة بنية العنونة , إن الارواح عرجت الى ربها .
عفوكَ ربّي
قامتْ قيامتُهم
سيأتون عند سدرة المنتهى
ولكن كما رسمتهم النّيران
لا كما خلقتهم في أحسن تقويم
ويطوف بنا برحلة مع تلك الفجيعة , مضمخة بالالم والاسى , وبلغة تعبيرية صادقة , تنم عن مدى تأثر الشاعر بهذا الحدث الذي ادمى قلوبنا , لنصل الى نهاية القصيدة
رحماكَ…
فلا تردّهم ..
ولاترد هداياهم
لأنهم ومع تراتيل ليلة
أسميتها «القدر»
أتوك من مكان بعيد ,
بعيد جداً …
وقريب جداً
أتوك من ….
«الكرادة»……….
وكما تعبر لنا صورة غلاف هذه المجموعة , والتي صممت بشكل يتلائم مع مضمون النصوص التي ضمتها , حيث اللون البيج الصحراوي , والشجرة العارية الا من النساء والرجال الملتفون حولها , لترتفع تلك الاجساد الى قمة الجذع بأيادي كثيفة متشابكة مكونة أغصانها , فإن قصيدة (أشجار لاهثةٌ في العَراء) التي حملت المجموعة اسمها, تقدم لنا وطن يصارع رياح عاصفة , وقد قد القميص من الجوانب الاربعة , وليس من جانب واحد كما قد قميص (يوسف)
والصهيل رماحٌ تكسّرت في رئة السمّاء
فأمطرت سبايا
وقمصان دم
قُدت من جهات اربع
حتى استحال الدم نهراً
من رمال سفتها الريح
لا غصن يشير اليك.
كل السهام استنفرت اليباب
غير أنك كلما اندس فيك سهمٌ
نز من عريك وردٌ
وكما أشرنا سابقاً بحضور الشجرة في كل جزء من جزيئات القصيدة , الثيمة , الموضوع , المفردة , وكذلك فإنها تتلون وتتشكل وفق مقتضيات السياق الفني المطلوب لبناء القصيدة , وفي قصيدة (تذاكر) نجد ذلك واضحاً .
الشجرة التي
غادرها الحطّابون شتاءً
بعد أن اسالوا دمها الأخضر
وقطّعوا جذعها مقاعد لجلوسهم
وأحرقوا غصونها لدفء ملذاتهم
في حفل شواء
لم تشهده الغابة من قبل
ونجد هذا التوظيف المتنوع , والذي ينساق مع وحدة موضوع النص وثيمته ,كما في قصيدة ( شجرة القصيدة , شجرة المفاتيح, شجرة كربلاء, شجرة عالية, شجرة الابتسامة, أشجار تعرفك , شجرة الانتظار, شجرة الضوء, شجرة الفيروز) وهي تكون جزء من فضاء النص , وكذلك نجد اجزاء الشجرة حاضراً في عناوين النصوص ومتنها( لوعة الغصن , جذرك يتنفس , اغصان عارية, غصن الريح), وقد ضمت هذه المجموعة , ومضات شعرية انزياحية كثيفة تؤدي دوره في الرؤيا التي ارادها الشاعر كما في قصيدة (براءة)
على جانبي
رصيف ذاكرتي
تقف القصائد محتشدة بالسواد
وهي تعلن براءتها منكِ
كلما مررتِ
شجرة بلا جذور …
وكذلك في قصيدة (مرآة ) التي هي متداخلة متنوعة , بين المرأة والرجل والمرآة, وما يحدث بينهما .
قالت :
كن مرآتي..
كنتُ…
وما أن أبصرت المرآة
انتفضتْ..
وتشظت معلنة ضدّي
الحرب!!…..
وهكذا فإننا ومن خلال متابعتنا للشاعر سعد ياسين يوسف , أن شجرته التي بدأها مع إطلالته الاولى صارت غابة من الاشجار, وكبرت حتى صارت عالم من الشعر,ولكن لا احد يجيده سواه, فقد كانت الشجرة مزروعة في روحه وصارت تسير عبر مساماته مجرى الدم في الجسد , الا إنها لها لون وطعم ورائحة تفيض بالعذوبة والشعر , وتنقل لنا كل الحالات الذاتية والموضوعية والانسانية والكونية فتشكل لنا هذا المبنى الشعري الرائع , الذي يفيض حباً , وحشة , غربة, لوعة, حنين , عشق , إنفعال , الم , ووطن يمتد من الجذر وحتى قمة الشجرة
أن مجموعة (أشجار لاهثة في العراء) للشاعر سعد ياسين يوسف, توظيف موفق للشجرة في بنية النص, وتنوعها وانصهارها واندماجها , لتكون جزء من هذا الفضاء.

من اصدارات دار امل الجديدة – سوريا -0 دمشق لعام 2018

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة