الأخبار العاجلة

الأهوار تحتضر

مثل الغرانيق رقصنا .. وشدونا مثل المغرد .. وصفقنا مثل (الگطان والبُنّي).. وكانت فرحتنا عظيمة ملأت دجلة والفرات ، ونحن نتلقى نبأ موافقة اليونسكو على ادراج الاهوار العراقية على لائحة التراث العالمي .. في تلك الليلة التموزية من عام ٢٠١٦ ، كان العراق يطير بجناحين محلقاً في اجواء الفرح والبهجة وكأنه يستعيد خمسة آلاف سنة من الحضارة التي كادت ان تندرس تحت طبقات التراب بعد ان تعرضت الاهوار الى التجفيف لدواع سياسية ، وهي الممتدة على مساحة ١٦ الف كيلو متر مربع وتشترك فيها ثلاث محافظات هي البصرة وذي قار وميسان .
وما كان لليونسكو ان تتخذ قرارا مثل هذا لولا تلك الجهود الكبيرة التي بُذلت من قبل الجهات العراقية ذات الصلة ،.. جهود بدأت بوضع خطة زمنية لغمر الاهوار بالمياه ، وقد سارت تلك الخطة بنحو جيد وبدأت الحياة تدب فيها ، واستبشر الناس خيرا وهم يعودون لممارسة مفردات حياة سكان الاهوار .. فالمشاحيف تتهادي وسط الهور وصوت ابو علي الشجي يتردد صداه بين جنبات هور الچبايش حتى تشعر ان القصب والبردي والطيور والأسماك كلها تتمايل وهي تشارك ابا علي مواويله الشجية ،.. وقد وصلت نسبة الغمر الى اكثر من ٦٠٪ ووُضع برنامج تنموي خاص سُمي (برنامج انعاش الاهوار) تضمن حزمة من المشاريع والإجراءات التي زرعت الامل في النفوس .. وتواصلت الجهود في مسعى حثيث لإقناع الامم المتحدة ومنظمة اليونسكو لإدراج الاهوار في لائحة التراث العالمي .. وجاء القرار ، بعد ان اقتنعت الدول الاعضاء بأهمية الاهوار بوصفها مسطحات مائية واسعة تمثل نظاما بيئيا متكاملا ، فضلا عن كونها تمثل مرفقا سياحيا مهما ، ومصدرا لزراعة عدد من المحاصيل المهمة التي تحتاج إلى وفرة من المياه ، .. وبموجب قرار اليونسكو ،فإن الامم المتحدة تتعهد ومعها الدول الاعضاء بالحفاظ على الاهوار وضمان منسوب مائي معقول لبقائها على قيد الحياة ..
وقبل عام من الآن وبعد عام من ادراج الاهوار في لائحة التراث العالمي كانت لي جولة في هور الحويزة بمحافظة ميسان وهور الچبايش في محافظة ذي قار ، فوجدت ان المساحات المغمورة بالمياه تدعو للاطمئنان ، حتى اننا تحدثنا في حينها عن ضرورة الاهتمام بالمرافق السياحية وتوفيرها لتكون عامل جذب للسياح الذين بدأوا يتوافدون الى الاهوار ، وقلنا في حينها ان استمرار عدم الاهتمام بتوفير الخدمات الاساسية مثل الفنادق والمسابح والحمامات ، والمطاعم والزوارق والمشاحيف المتطورة ، وكذلك العمل على حماية التنوع الاحيائي ومنع. طرق الصيد الجائر للأسماك والطيور ، فإن ذلك من شأنه ان يلقي بظلال سلبية على واقع الاهوار بنحو عام ، وبالتالي فإننا لن نحقق الاهداف الكبيرة والمهمة من انضمام الاهوار الى لائحة التراث العالمي ، بل الاكثر من هذا ،قد تعيد اليونسكو النظر في قرارها ، ان لم يستكمل العراق المتطلبات والإجراءات المطلوبة .
ولكن المصيبة الأعظم هي اننا اذا كنا نتحدث قبل عام عن ضرورة توفير الخدمات ، فإن الحديث الان يجري عن انقاذ الاهوار من الجفاف بعد ان بدأت مناسيب المياه تتراجع بشكل مخيف نتيجة شحها في حوضي نهري دجلة والفرات ، الامر الذي يعيد الى الاذهان منظر الاهوار عندما كانت بلقعاً ، تحرك الرياح الغبار والتراب فيها بدلا من تحريك رؤوس القصب والبردي .
ومن هنا اجد ان الامسية الجميلة التي اقامها سفير السلام الموسيقار العراقي نصير شمة في باريس ضمن فعاليات اليوم العالمي للسلام والتي خصصها لحث المجتمع الدولي للعمل على الاسهام في حماية الاهوار من الجفاف والتصحر ، انما تمثل خطوة مهمة نحو حماية الاهوار التي بدأت تحتضر ، وقد تتعرض للجفاف الكامل ، فقد شاهدت صورا من هور الچبايش تثير الرعب في النفس ، ..
وهي دعوة ايضا لتبنى مبادرة الموسيقار نصير شمه ودعمها من خلال حشد المزيد من الجهود سواء على المستوى الشعبي او الحكومي او حتى الدولي ، وصولا لحلول ومعالجات سريعة ، لإنقاذ الاهوار قبل ان تفارق الحياة ، ولات حين مندم .
عبد الزهرة محمد الهنداوي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة