الأخبار العاجلة

نحو عراق جديد سبعون عاماً من البناء والإعمار

هشام المدفعي
اعتادت الصباح الجديد ، انطلاقاً من مبادئ أخلاقيات المهنة أن تولي اهتماماً كبيرًا لرموز العراق ورواده في مجالات المعرفة والفكر والإبداع ، وممن أسهم في إغناء مسيرة العراق من خلال المنجز الوطني الذي ترك بصماته عبر سفر التاريخ ، لتكون شاهداً على حجم العطاء الثري والانتمائية العراقية .
واستعرضنا في أعداد سابقة العديد من الكتب والمذكرات التي تناولت شتى صنوف المعرفة والتخصص وفي مجالات متنوعة ، بهدف أن نسهم في إيصال ما تحمله من أفكار ورؤى ، نعتقد أن فيها الكثير مما يمكن أن يحقق إضافات في إغناء المسيرة الإنمائية للتجربة العراقية الجديدة .
وبناءً على ذلك تبدأ الصباح الجديد بنشر فصول من كتاب المهندس المعماري الرائد هشام المدفعي ، تقديرًا واعتزازًا بهذا الجهد التوثيقي والعلمي في مجال الفن المعماري ، والذي شكل إضافة مهمة في مجال الهندسة العمرانية والبنائية وما يحيط بهما في تأريخ العراق .
الكتاب يقع في (670) صفحة من القطع الكبير، صدر حديثاً عن مطابع دار الأديب في عمان-الأردن، وموثق بعشرات الصور التأريخية.
الحلقة 47
الصعود الى دير ربان هرمزد
حدثت رئيس الدير عن هدف زيارتنا وهي زيارة دير ربان هرمزد . اوصانا ان نصطحب احد القساوسة للصعود الى ربان هرمزد وبعد النزول نتناول الغداء معه في الدير.
تسلقنا (أنا وعصام) جانباً من جبل القوش المعروف بـ (بيت عذري) صعوداً عبر الصخور الوعرة ويقودنا رجل الدين ، وبعد عدد من الاستراحات صعوداً وصلنا الى دير ربان هرمزد واذا بهذا الدير قد تم اقتحامه قبل أشهر من قبل قوات البيشمركة الكردية وبعدها قوات الجيش العراقي لازاحة المحاربين الاكراد ، كل ذلك ترك دير ربان هرمزد هيكل بناء من الحجر فقط خالياً من الرهبان وخالياً من اي اثاث كنسي . سألت مرافقنا عن قناني الشراب التي أنتجها دير ربان هرمزد …. أجابني …
تمتع بشربها ضباط الجيش العراقي …
انشىء دير ربان هرمزد اولاً في سنة 640م على يد اميريين اشوريين شهدا الاعمال الصالحة لرجل الدين مارهرمزد وتم اكماله تخليداً لذكراه . استمرت اعمال توسيع الدير وبناءه عبر القرون وتعرض الى انتكاسات عديدة على يد امراء الاتراك والاكراد في القرن التاسع عشر .
نزلنا انحداراً من اعلى الجبل وأنا أشعر بالكآبة لما حدث . ونحن على مائدة الغداء مع مضيفنا رئيس الدير تحدثنا عن هذه الاحداث وأثرها في دور العبادة . دعانا الى تناول الطعام وامامنا صحن من البرغل وصحن من الخضار المطبوخة مع بعض الخضراوات وكذلك امام كل منا قدح من النبيذ . بعد هذا الطعام اللذيذ والاحاديث القيمة مع رئيس الدير شكرناه على كل ضيافته وما مكننا على زيارة دير ربان هرمزد . وفي باب الدير عند مغادرتنا وتوديعنا سلمنا بطل شراب لكل منا ومن ناحيتنا تبرعنا بما امكن للدير.
في سنة 2002 زرت دير ربان هرمزد مرة اخرى وقد عادت اليه الروح وبدأ المتعبدون يؤمون الدير بالمناسبات المحددة والتقطت عدداً من الصور ومنها ادناه :

بيتي ومنتجعي في بغداد – 2002
عملنا طيلة حياتنا العملية على وضع التصاميم الخاصة لسكن الاصدقاء ، او ما تطلب من تصاميم وحدات سكنية في المشاريع التي نعمل عليها لراحة المواطن.
وخلال سنوات عملنا كاستشارين عملنا كذلك على وضع تصاميم للدور التي نسكنها . لم يكن اول دار شيدته لعائلتي وهو «دار ابو الحية « ، اقول لم يكن يوفر كميات الشمس المطلوبة للغرف . لذا قررت ان اشيد دار العُمر وان تتوفر في غرفه كمية الشمس المطلوبة . حقق اخي قحطان ذلك وجمع متطلبات السكن في الدار التي اسكنها حالياً . اعتقد ان كل شخص يحاول ان يوفر السكن لعائلته بما يحقق راحتها . أقول وانا شاكر لقحطان في وضع هذا التصميم الجميل الذي وفر لي ولعائلتي جميع ما نطلبه من وسائل الراحة ، حيث قضيت سنوات حياتي وعملي في دار مريحة وعملية ، ساعدني على القيام بواجباتي بالشكل الافضل . ادناه صورة من بيتي اسجلها هنا للذاكرة

مزرعتي في بغداد
وان تعودت لقاء أقاربي وأصدقائي في بيتي في المنصور حيث يتم الترحيب بهم بين فترة واخرى ، لكن جرت العادة كذلك على أن أقضي أيام عطل نهاية الاسبوع في مزرعتي الواقعة في حي البساتين في سبع أبكار من الأعظمية.
يسكن المزرعة أبو حيدر وام حيدر وعائلتهم حيث وفرت لهم بيت لسكنهم الدائم في سبيل تفرغهم لمساعدتي عند وجودي في المزرعة وينشغل ابو حيدر بشؤون الزراعة ومتطلباتها. كنا قد اشترينا المزرعة أنا وزوجتي سعاد في أول سبعينات القرن العشرين لهدف الانتقال اليها نهائيا بعد عدد من السنوات لتوفر لنا الفرص كيما نمارس نشاطاتنا الرياضية والحركة المطلوبة عند متابعة صيانة الاشجار وادامة المزرعة . المزرعة التي ارتأينا عند شرائها أن توفر لي وزوجتي مجالات الراحة والتريض عند بلوغ الشيخوخة والتقاعد ، بعد قضاء سنوات العمل المرهقة في مشاريع الهندسة الاستشارية .
بنينا داراً جميلة وواسعة هناك على مدى اكثر من عشر سنوات بعد أن اشتركنا مع ابنتنا المعمارية غادة في وضع التصاميم البيئية التي توفر الاستغلال الأمثل للشمس شتاء والتهوية الطبيعية صيفا وتوفير المواقع المريحة على مدى المواسم المختلفة للعائلة وضيوفها منطلقين من فكرة وددنا ان نحققها وهي تصميم لدار مستقبلية لسكن عائلة فلاحية متكاملة بيئياً باستغلال الطاقة الشمسية في التدفئة .
بعد وفاة زوجتي سعاد سنة 1984 وسفر أولادي كميت وغادة للدراسات العليا خارج العراق واستقرارهم في بريطانيا ، وضعت لنفسي منهجا أن أقضي ليلة الخميس ويوم الجمعة على الأقل بهدوء وراحه في نهاية كل اسبوع واعتبر ذلك نوعاً من العلاج الطبيعي . في ليالي الصيف اتمتع بالهدوء في الطارمة الخارجية والموقد الكبير شتاء مع الموسيقى الهادئة ، بعد ساعتين في جولة استطلاعية للتعرف على ما زرعنا من أشجار خلال الاسبوع المنصرم والتعرف على انتاج المزرعة من الفواكه الموسمية وعلى احتياجاتها من أعمال تطويرية من تقليم شجيرات العنب أو تقليم أغصان الأشجار وتوجيه العمل المستقبلي . كنت اتمتع عند استقبالي اصدقائي الخاصين وضيوفي من العراقيين والأجانب في ليالي الصيف الهادئة الجميلة وفي أيام الربيع أو الشتاء ونهايات الاسبوع وكم قضينا اوقاتا ممتعه مع الطبيعة وبهدوء كامل.

جولات آثارية اخرى
لم يتوفر لنا عمل استشاري هندسي في مكاتبنا خلال أيام الحصار, ولذا سنحت الفرصة على التعرف على عدد أكثر من الاصدقاء ومنهم الفنانون والادباء وكذلك الدبلوماسيون المتواجدون في العراق. تعرفت بواسطة المهندسة المعمارية راجحة على السيد» لويجي ماكينياني» وهو الايطالي الذي يعمل ممثلا لشركة « ايني الايطالية « وهي من شركات النفط العالمية المعروفة. وعن هذا الطريق تعرفت على زوجته « سوزانا «حيث كانت هي القنصل الايطالي في السفارة الايطالية كدبلوماسية لعدة سنوات وتعرفت عن طريقها كذلك على السفير الايطالي «ديمتريو». كما توطدت علاقتي في تلك الفترة مع المعمارية الآنسة « راجحة ابراهيم « وهي المهندسة التي عملت في المعهد العراقي الايطالي لصيانة الآثار في العراق لعده سنوات على وضع مسح تفصيلي لبعض محلات جانب الكرخ مما وسع افق معرفتها حول الآثار والتراث والتعرف على الخبراء القادمين الى العراق بين فترة واخرى .
كانت علاقتي مع المهندسة راجحة علاقة صداقة . أعجبتني بحيويتها ونشاطها وحبها للتعلم وعرفتني على العديد من الخبراء الايطاليين الذي يحضرون الى بغداد حول الآثار . اوضحت لها اني خارج حديثاً من تجربة زواج ولا ارغب في تكرارها.
عملت على مساعدة راجحة لتحقيق رغبتها في الدراسة والعمل خارج العراق وبالفعل تمكنت من ترك العراق الى ايطاليا سنة 2000 والعمل مع الشركات الايطالية بمساعدة صديقتنا الاستاذ «برزكيلا» في بادوفا – ايطاليا .
بالإضافة الى لقاءاتنا الاجتماعية الاسبوعية ومع الذين شاركوني رغبتي في زيارة الآثار ومعالم العراق الأثرية ، وبحكم معرفتي بالآثاريين في دوائر الآثار آنذاك لتسهيل مهمات الزيارات ، توفرت لنا الفرصة أن نزور منطقة أعالي الفرات وتصويرها حيث تمتعنا بالتعرف مجددا على عيون القير المتدفق من باطن الأرض في مدينة «هيت « وتمتعنا بزيارة جزيرة « آلوس» ونواعيرها وزرنا مناطق اعالي الفرات وتمتعنا بتسلق منارة «عنه « قبل تقطيعها و نقلها الى موقعها الجديد .
في مناسبة أخرى توفرت لدينا الفرصة لزيارة آثار زقوره «برص نمرود» البابلية وتسلقنا الى وسطها للتعرف على طرق انشائها واساليب البناء لهذه الكتلة العظيمة من الطابوق الطيني الذي انفخر قسم منه بسبب الصواعق وما صاحبها من شحنات كبيرة من الكهرباء تفرغت في هذه الزقورة وأذابت طابوقها في مواسم الأمطار.
انتقلنا بعد ذلك لزيارة حصن الاخيضر العباسي في وسط صحراء كربلاء والذي أوشكت صيانته على الانتهاء كما لاحظنا تواجد مجموعة سينمائية تسجل لقطة من فلم حول المتنبي الشاعر المشهور. وعند المرور على الطريق العام باتجاه مدينة « عين تمر» المعروفة ب « شثاثة» توقفنا وزرنا بقايا كنيسة مسيحية يعود تأريخها الى حقبات قبل الاسلام ولا تزال سقوفها المعقودة والمقببه من الطابوق وجدرانها واقفه شامخه وتجولنا في بقايا بناء الكنيسة للتعرف على معالمها وتصويرها .

تراث العالم الكبير محمود شكري الآلوسي
رحبت بمزرعتي في احد الأيام بالمهندسة راجحة مع المستشرق الفرنسي ادوارد القادم من سوريا للتعرف على احفاد محمود شكري الآلوسي ودراسة جوانب من حياته وتراثه . تحدثنا كثيرا عن الدراسات التي يعمل عليها هذا المستشرق في سوريا . وذكر لي ما حدث عندما رتبت له دائرة العلاقات في وزارة الاعلام لقاء مع احفاد محمود شكري الآلوسي في بيت الحكمة وهو البيت العلمي المعروف في بغداد. وعند حضور الجميع بدأ المتحدث من المنصة بالحديث عن العلامة المشهور طالبا مخاطبة الاحفاد المباشرين …. واذا بالعديد منهم يدعي بانه هو الحفيد المباشر … وبذلك بدأ الجدل والاحتجاجات والخلافات وبعد فترة اصبح التحدث بعصبية وانتهى بخلاف كبير واشهار المسدسات وانتقال الخلاف والتشابك بالايدي الى خارج القاعة مما أعاق الوصول الى الحقيقة المطلوبة. استخلص محدثي واتضح له « انه لم يكن لمحمود شكري الألوسي شجرة عائلة فحسب بل كانت له غابة عائلية !!!! « .

مرقد نبي الله ذي الكفل في الحلة
وفي احدى جولات العمل مع زميلي امين زوين قررنا التوقف لزيارة مرقد نبي الله ذي الكفل في الحلة للاطلاع على نشاطات التنقيب عن الأثار البابلية في المرقد وزيارة السوق التراثية المشيدة بأسلوب معماري متميز . وتم تسجيل اللقطات التالية

نقل منارة عنه وإغمار المدينة التاريخية
لم يقلقنا فقط غرق مدينة عنه , بل ماذا عن منارتها التي تقع وسط جزيرة في نهر الفرات وضمن حدود المدينة ؟ كان علينا في كل زيارة الى عنه لاغراض المتابعة والسياحة ,ان نعبر الفرات للوصول الى المنارة المشيدة من الطابوق قبل قرون من الزمن والتي يعتقد بوجود ادوار تأريخية عديدة تحت اسس المنارة . كثر الحديث عن طريق نقل المنارة ومن ينقلها وهل يوجد من الشركات العراقية من بامكانها الحفاظ على المنارة دون تصدع عند نقلها . استغرق ذلك اشهراً عديدة من قبل مديرية الاثار العامة لتقرير الاجراءات اللازمة واختيار من سينقل المنارة وكيف .
بدأت شركة «دوميز» الفرنسية في انشاء القرية الجديدة بالتعاقد مع وزارة الاسكان واصبح لدينا حافز اخر لزيارة مدينة عنه وهو الاطلاع على التقنيات الجديدة المتبعة من قبل الشركة الفرنسية في بناء المدينة وبحكم موقعي الوظيفي في امانه العاصمة امكنني الحصول على تسهيلات من الشركة الفرنسية في استغلال دار استراحة الشركة لاقامتنا مع عوائلنا واصدقائنا اثناء العطل الرسمية وزياراتنا الى عنه.
وفي زيارتنا الاخيرة سنة 1986 الى المدينة لاحظنا ان المنارة قد تم تقطيعها من قبل مقاول عراقي خبير بالتعاون مع خبراء الاثار الى حلقات بنحو متر ارتفاع كل قطعة وحزمت بأحزمة حديدية وقطعت بالمنشار بعد ترقيمها وتسجيلها وتوثيقها ونقلت الى الجانب الغربي من الفرات قريبة من مدينة ريحانه . وبهد تهيئة الاسس المطلوبة اعيد تركيبها بالشكل الذي ضمن ان تكون مثلما كانت عليه في الجزيره عنه وسط الفرات .
بدأ تنقيب مديرية الآثار تحت المنارة ووجدت العديد من لقى وفخار الادوار التاريخية البابلية اليوناينة والرومانية تحت اسس المنارة .
ولمتابعة هذا الحدث المهم بإغمار احدى المدن الجميلة والهادئة والتاريخية والفريدة في تكوينها؛ بطولها على الفرات بما يقارب12 كم وعرضها الذي يقارب 200 – 300م ، دأبنا على زيارة مدينة عنه شتاء وبصورة دورية ملاحظين ومراقبين ارتفاع مستوى الماء في نهر الفرات والدور التي تغمر. اهتم سكان البيوت الجديدة في نقل التربة من بيوتهم القديمة لوضعها في حدائق بيوتهم الجديدة و امكنة زراعة الأشجار لكون طبقات التربة تحت المدينة الجديدة كانت من الصخور الكلسية. ما أصعب الأيام التي مررنا بها في تفهم معنى اغمار مدينة تاريخية والأيام العصيبة التي مر بها سكان عنه في قبول فكرة ترك بيوتهم التي سكنت من قبلهم لمئات السنين.
بعد اكمال انشاء سد حديثة في سنة 1985 شغلت فكر العراقيين المثقفين والمهندسين والمختصين مواضيع إغمار مدينة « عنه «. كانت وزارة الموارد المائية والتخطيط قد اجرت مسوحات واسعه عن المدن والقرى التي ستغمر بسبب انشاء حوض خزن الماء اعلى السد . تطلب ذلك انشغال مديرية الآثار العامة بالعديد من التنقيبات في القرى التي سيتم اغمارها ومنها مدينة عنه ومنارتها وتطلب من وزارة البلديات نقل القرى التي ستتعرض للإغمار . نجم عن انشاء سد حديثة وجوب اغمار مدينة عنه ونقل منارتها الى الجانب الغربي والقريب من مدينة عنه الجديدة والتي اطلق عليها اسم «ريحانة» .
وفي زيارة اخرى مع الاصدقاء رحبت بنا شركة دوميز واستضافتنا في نهاية الاسبوع وتمتعنا بامتيازات معسكر الشركة ووسائل راحتها بعد ان أطلعنا مدير الشركة على نشاط اعماله ومناهج العمل وتفاصيل المشروع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة