الأخبار العاجلة

بريد متأخر

سلام مكي
أدرك تماماً، ان القطرة الأخيرة من طاقتي، لن تندلق، حتى أصل الشريعة، حيث المشاحيف التي تمر من أمام بيتي. انتظرت طويلاً هذه اللحظة التي اغترف فيها هواءً قادماً من هناك. الوقت المتأخر يجعلني تحت رحمة الصدفة، لكن ثمة شعوراً بأمل! كانت الضوضاء التي تصدر من نبات البردي المتناثر قد شوهت الأصوات التي تأتي من دار استراحة السواق وهم ينتظرون أدوارهم. لم يخطر ببالي ان يبقى فيه أحد حتى هذا الوقت. كان النور الباهت، المنبعث من الفانوس المعلق في باب الكوخ، يحاول اختراق العتمة التي تحكم قبضتها على المكان. لم أعد أسمع سوى صوت واحد، يتضاءل كلما اقتربت منه. الفانوس، قد عرّى ما بداخل الكوخ، كان بضعة أشخاص، نائمون على حصير من القصب، يتوسد بعضهم بعضاً، في وسطهم تنتصب قناني عرق شبه فارغة مع تمر ( مكبوس) واناء فيه بقايا لبن وحليب. كل منهم يحتضن بندقية صيد، وسلسلة مفاتيح. قربت الفانوس منهم كثيراً، لعلني أتلمس في أحدهم رائحة اليقظة، كانوا شبه أموات، ولو جردتهم من ملابسهم لما تحركوا، قلبتهم واحداً بعد آخر، حتى وصلت الى أحدهم، كان مفتول العضلات، وجهه غزير الشعر، يلبس طاقية تخفي بعضاً من رأسه العاري، مددت يدي الى نطاقه لآخذ المفاتيح، فما كان منه الا ان انتبه وعصر يدي بقوة، كمن مسك بصيد ثمين. ما ان رأى وجهي حتى بدت عليه علامات الخوف التي محت أي اثر للمشروب. بدا خائفاً ومرتبكاً.
_ سعيد! ألم تمت؟ أنت هو حقاً؟ أم أنا سكرت لدرجة أن أرى الأشباح!
لقد عرفني، برغم الظلام، وبرغم ان الحرب والضياع الذي عشته، قد غيّر ملامحي، لدرجة انه لم أصدق إنني أنا عندما شاهدت وجهي لأول مرة منذ سنوات في مرآة المرحاض العام في المدينة. لكن: كيف تذكرني هذا؟ ومن يكون؟ استيقظ الآخرون على صوت الرجل، الجلسة التي انفقوا فيها ساعات طوال قد تبخر مفعولها بعد أن شاهدوا وجهي الشاحب، ركضوا خارج الكوخ وهم ينادون بإسمي: سعيد حي سعيد حي! يالله لو انتظرت سراب شهراً آخر لما أوقعت نفسها في هذه الورطة! إذا: جميعهم يعرفونني، لكن: عن أي زواج وورطة يتكلمون؟ ولكني لم أترك فراشي وحيداً، فقد كانت لي زوجة تشاركني به، وهو الآن لها وحدها. انتظرت أن يهدأ أحدهم لأفهم منه ما حصل لزوجتي وبيتي بغيابي. اقترب الأول مني، ولم يجعل بين وجهي وبين الفانوس سوى أصبعين، وجاء آخر يتلمس عيني وأنفي ليتأكد من انني سعيد حقاً وليس شبحه. أخبرتهم انني سعيد، وان يكفوا، حتى اطلب من أحدهم أن يوصلني إلى بيتي أقصى الهور. الجميع أراد مساعدتي لكنني فضلت الأول عليهم، لشعوري انه يعرف عني ما لا أعرفه عن نفسي. انطلق بي المشحوف ببطء وحذر، كنت أنظر الى الموجات خلفي، وأعواد القصب التي تتمايل لحظة اصطدامها بها، لم يكن يجرؤ أحد على الخروج في هذا الوقت من دون أن يضع يده على زناد سلاحه، تحسباً لأي طارئ، لذلك طلب مني البلام أن أساعده في التجذيف حتى نبتعد عن المكان ويقوم بتشغيل الماطور الخلفي الذي سيسرع من حركة المشحوف. رفضت أن يشغل أي شيء، فبرغم لهفتي لرؤية البيت ومن فيه، كنت مستمتعاً بالسكون الذي يخيم على سكان الهور. بدأ الفجر يرسل خيوطه، والشمس تحاول ايجاد منفذ لها لتصل الى الأرض، لذلك طلبت من البلام أن يسرع هذه المرة حتى لا أصل الى البيت متأخراً. أخذت خيوط الفجر المنتشرة تكشف لي عن معالم البيت الذي ولدت فيه، كان الجميع نائماً، حتى الجواميس المجاورة لغرفتي، كانت تغط في سكون عميق. اقتربت من غرفة أمي، كانت تنام على الأرض تقريباً، لا يفصلها عن أبي سوى بندقيته. كنت أتخيل إن أنيناً يصدر منها، كما لو انها تتألم بصمت. كل شيء على حاله، عباءتها السوداء، شيلتها، نومها القلق، نفورها المفاجئ من أبي جعل منها تختار الزوايا لتنام فيها. أما أبي الذي لا يستغني عن يشماغه في نومه، رأيته عار الرأس، يد على البندقية والأخرى طواها تحت رأسه متخذاً منها وسادة. أما غرفتي، فبابها موصدة بشكل محكم، ولا أمل بفتحها من دون أن يستيقظ الجميع. اتجهت صوب قطيع الجاموس، رأيت بضعة وجوه جديدة، وأخرى أتذكرها قد اختفت، ما ان شعرت بي، حتى بدأت بصياح، أحدث ضجة في الحضيرة، كانت كفيلة بإيقاظ أمي من نومها..
– يا لله: كيف سمحت للملائكة أن تنتظرني كل هذا الوقت؟ ثم ماذا تردن؟ لا زال الوقت مبكراً. سيصحو الرجل بعد دقائق، وستنهال عليّ طلباته التي لا تنتهي. آه، لو كان موجوداً، لما تركها تذهب وتتركني وحيدة.
فجأة، لم أعد أسمعها وهي تفكر بصوت عال، ربما ذهبت لتجلب وعاء الحليب، لذلك، قررت الابتعاد عن الحضيرة حتى لا تتفاجأ بي. توجهت صوب الباب الخلفي، لكني لم أصلها بعد أن هوى عقب بندقية على رأسي. لم تتفاجأ أمي بوجودي حياً بين يديها، فهي كما ذكرت لي لا حقاً: رفضت أن تقيم مجلس عزاء لي، لأنها كانت تشعر بأني سأعود بأية لحظة.
-»انكسرت ايدي يمه». كانت تمسح عينيها بشيلتها التي ابيضت من كثرة معانقة الشمس. دموع قلقة، لم تعرف ماهية نفسها: هل هي دموع الفرح أم دموع الحزن؟
أما أبي فوجدته فريسة للدهشة. فهو لم متيقن بأني قد مت. لم تتوقف الأصوات الكثيرة عن الطرق في مؤخرة رأسي، أما أمي، فلم ينته سيل كلامها برغم انتصاف النهار.
كانت ضوضاء الخارج مصفدة بسكون الاثنين. كلٌ منا ينتظر من الآخر أن يتكلم. أنا عن مدة غيابي وهما عن زوجتي! طال صمتنا نحن الثلاثة، حتى قطعته أمي بتنهيدة عميقة.
– ابني: أنت الآن ميت بنظرها، فلتكن، هي ميتة بنظر

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة