الرجعيون الجدد

 

لم يعد أحد يتجرأ على استعمال هذه المفردة ومشتقاتها (الرجعية) بعد ان كانت الأكثر رواجاً ذات عصر من تاريخ شعوب وقبائل وملل منطقتنا الحديث، وخاصة بعد زوال امبراطورية آل عثمان وتقاسم اسلابها بعد الحرب العالمية الاولى. ونادراً ما يتم الالتفات لاسباب هذا الانكماش المفاجئ في تداول هذه المفردة، والتي خصها الادباء والكتاب والمفكرين بالكثير من اهتمامهم وكتاباتهم زمن المشاريع والاحلام الوطنية والانسانية الكبرى بداية القرن المنصرم. في زمن تتفجر دمامل هلوساته وغيبوبته عن ولادة نسخة واقعية لمسلسلات رمضان التاريخية بثاني مدن العراق بعد العاصمة بغداد (الخلافة) يصبح أمر التطرق الى الرجعية والرجعيون نوعاً من العبث والاغتراب الشديد عما يجري من أحداث وتحولات في مضاربنا المنكوبة.

في زمن اصبح فيه تغطية شعر المرأة (الحجاب) عنواناً للعفة والفضيلة ومعياراً لتقوى الافراد والمجتمعات، ويتدحرج يومياً صوب المزيد من التشريعات الأشد ايماناً، والتي تستعرض مفاتنها بلا رتوش في ولايات الخلافة الجديدة في العراق والشام وما جاورها من تضاريس خير أمة، في مثل هذا الزمن الأغبر لن تجد هذه المفردات عقولاً وضمائر تدرك شحناتها ودلالاتها المستندة لارث طويل من العقلانية والشجاعة والوعي.

ما نشاهده اليوم تعجز عن رسم ملامحه البشعة أكثر المخيلات تشاؤماً وسوداوية، فاينما تولي وجهك تجد من كان يطلق عليهم آنذاك بقوى التخلف والرجعية وهي تمسك بزمام الامور لا في الاماكن التقليدية التي اعتادوا في الاعتياش منها زمن السلاطين والمماليك بل تسللوا لكل الميادين والحقول الحيوية في المجتمع والدولة والحياة الخاصة للافراد والجماعات. ان رواج الزي الافغاني والباكستاني لم يأتي من فراغ أو حاجة وطنية وأممية لمثل هذه الازياء الفقيرة جمالياً وجسدياً، بل هو نتاج لمشوار طويل من التردي والهزائم السياسية والقيمية التي ازدادت تفاقماً بعد وصول امدادات الرزق الريعي لحقول الجنون الجمعي وكثبانه المتربصة منذ أكثر من الف عام وعام. كل مشاهد الاحتفاء الفردي والجمعي بهذه القوافل والفصائل والتنظيمات والجماعات والرايات  من مختلف الرطانات والازياء، وما زال البعض يتساءل عن العلل التي تقف خلف محنتنا العضال والتي تجعلنا نقتفي اثر خارطة الطريق التي ترسمها الفضلات السائلة لسفينة الصحراء..؟!

أمة لا علاقة لها بكل ما يمت بصلة للحقول والميادين التي أكرمت سلالات بني آدم، من انتاج للخيرات المادية وابداع في مجالات العلوم والتقنيات وتحسين شروط الحياة على هذا الكوكب المترامي والذي تحول الى قرية تستعد لاستقبال المواطن الكوكبي، فيما هي تعيد الروح لمدونات اهل الذمة وضرائب الجزية والخراج وما ملكت ايمانهم وفقه الغنائم والفرهود وباقي الترسانة التي اهدتنا اياها نهضة الرجعيون الجدد..

جمال جصاني

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة