ملاحقة الأرشيف اليهودي العراقي المنهوب في كتاب يصدر في بغداد

علي لفته سعيد

يسعى الباحث والناشر العراقي مازن لطيف الى سبر أغوار حياة اليهود في العراق ليس في إثبات الوجود فقط، بل حتى متابعة الارشيف الذي تركوه خلفهم قبل رحيلهم الى أرض الميعاد أو عبر تتبع آثارهم الثقافية وأسماء الشخصيات اليهودية الفاعلة من العراقيين.. وهو الامر الذي قد يكون بالنسبة لمازن هو الباحث الأكثر متابعة لليهود العراقيين عبر العديد من الكتب وكان آخرها كتابه الذي صدر عن (دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع ) في شارع المتنبي ببغداد، كتاب حمل عنوان (من ارشيف العراق المنهوب ..فصول من أبحاث ريادية عن يهود العراق)
هذا الكتاب الذي حرره لطيف كما يذكر وراجعه البروفيسور الدكتور سامي مورييه (شموئيل مورييه ) استاذ الادب العربي الحديث والعراقي / الجامعة العبرية في القدس ويقع بنحو 206 صفحات من الحجم الكبير.. والكتاب يأتي محاولة من الباحث للتعريف بدور اليهود في العراق بعد ان تم التعتيم عليهم أكثر من نصف قرن بسبب الأنظمة المتعاقبة وهي محاولة ضمن محاولاته المتعددة لتسليط الضوء على تاريخهم وثقافتهم في بناء العراق.. ويضيف في حديث خاص للعرب إنه منذ أكثر من عام ونصف العام وأنا أعمل على هذا الكتاب..وقد حصلت على بحوث باللغة الانجليزية غير مترجمة سابقاً وترجمت وحررتها ونقحتها وراجعها الراحل البروفيسور يامي موريه، وأن هذا الكتاب يتناول تاريخ يهود العراق والمسرح والسينما ودور يهود العراق فيها وايضاً الرواية العراقية والعبرية والهوية في أعمال سمير نقاش والفرهود عام 1941 ودور الطبقة المثقفة اليهودية في العراق..
ربما يكون هذا الكتاب هو الاول من نوعه يتناول اموراً تاريخية وثقافية وادبية وغيرها في العراق وعن يهود العراق تحديداً. لذا فهو محاولة جادة لكي يؤرخ الى الحدث والظاهرة اليهودية في العراق من خلال ما يريد كشفه بوجود تابوهات ودعايات وتشريع قاسٍ في أنظمة سابقة، سعت الى عدم وجود معرفة حقائق كثيرة، لذلك يبدو الكتاب كذلك من وجهة نظر المؤلف إنه يرينا بانوراما مشوقة عن تفاصيل أحلام الكتبة اليهود في تنوع الابداع الروائي والتاريخي والاجتماعي والديني والعلمي والفني. ولهذا جعل كتابه يحمل فصولا متنوعة حملت رؤى ومضامين لسبر غور وقائع الحياة المعاشة لليهود الذين لم يرد الكثير منهم مغادرة العراق والبقاء داخل المجتمع المتنوع دينياً ومذهبياً وقومياً
الكتاب كما هو مألوف يتضمن مقدمة حملت أفكار الباحث والمحرر للكتاب وفصلين ضما سبعة بحوث فضلا عن قراءات لسبعة كتاب يهود هم : أري الكسندر وألين شلايبفر زسيلفيا ج وحاييم وشموئيل موريه وكذلك زفي بن-دور وأيضا رونين زيدل وجيؤلا ايليمليخ.. وهذه البحوث تضم الكثير من المعلومات في شتى المجالات والتي ربما اغلبها مما لم تضمه كتب بين متونها كونها تحمل تفاصيل عديدة عن الحياة التي كان يعيشها اليهود العراقيون قبل ان يتم تهجيرهم لاسيما حكايات عن حوادث الفرهود التي ما زال الكثيرون لا يعرفون منها الا الشيء القليل ،وهي فصول مهمة من تاريخ العراق الحديث.

فصلان وبحوث
ركز المحرر الباحث في البحوث التي يضمها الكتاب على مناقشة عدة بحوث لكتاب يهود بدأ بالكاتبة ألين شليبفر وحمل عنوان (عندما يلتقي أعداء الاستعمار مع أعداء الفاشية/ المثقفون اليهود المعاصرون في بغداد) موضحا فيه رأي الكاتبة من ان اليهود كناطقين باللغة العربية لم يشكلوا مجتمعاً عرقياً لغوياً منفصلا في العراق وهم خلافاً لبعض الأقليات العرقية اللغوية في العراق كانوا ضحايا التشريد القسري والمجازر.. مثلما ركز هذا البحث على عملية تطور وضع اليهود العراقيين الوطني والإقليمي بشكل قوي خلال النصف الأول من القرن العشرين مشيراً الى عدم الغرابة في رفض اليهود العراقيين بشدة عملية النظرة للأقليات كالتي أصبحت هدفاً تحت الحكم البريطاني.وكذلك هناك بحث للكاتبة جيؤلا ايليمليخ حمل عنوان (البحث عن الهوية في أعمال سمير نقاش) تحدث عن الحياة الفكرية للمجتمع اليهودي في بغداد والذي شهد تحولا كبيراً في عقد العشرينيات من القرن الماضي. وقد قاد التغيير حفنة من المثقفين المشبعين برؤية التكامل مع الثقافة العربية. ويمثل اندماج اليهود في مختلف جوانب الحياة الثقافية انعكاساً دقيقاً لشعور المجتمع اليهودي، وخصوصا خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، عندما كان العراق وطن اليهود الأوحد والوحيد..
الكتاب حمل أيضا بحثاً للكاتب رونين زاديل حمل عنوان (مسألة اللغة والجمهور عن امكانية «الروايات العراقية» بالعبرية) والذي ركز فيها على روايتين قصيرتين، الأولى رواية سامي ميخائيل (حفنة من الضباب) والرواية الأخرى لشمعون بلاص (الآخر)، وقد كُتِبت الروايتان باللغة العبرية وهما لكاتبَين اسرائيليَين وُلِدا في العراق. والروياتان اللتان تجري أحداثهما في العراق، مشبعتان في واقع البلد وتاريخه، والمسألة الشخصية التي في محور الرواية تسعى إلى الانتماء إلى العراق، ومع ذلك فإنها في كثير من الأحيان تشعر بالرفض من قبل المجتمع المحيط بها) .

تاريخ المسرح
ولم يكتف الكتاب بالرواية اليهودية بل ضم أيضا بحثا عن المسرح اليهود يحمل عنوان (المسرح اليهودي في الشرق الأوسط، تطور المسرح اليهودي في العراق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين من العروض الشعبية والدينية الى التأثير الأوروبي) للكاتب شموئيل – سامي موريه، مركزاً فيه على ان المسرح اليهودي العراقي الحديث لم يخرج بعيداً عن المسرح الشعبي العربي التقليدي برغم أن الأول يحتوي على عناصر متميزة من وسائل الترفيه الشعبية في الشرق الأوسط، مثل الرقـص الشرقـي، واطلاق النكات، والصفعات المفاجئة والركلات المألوفة في الهزل الشعبي في المسرح اليوناني والسريانـي والعربـي منـذ فجر الاسـلام في تمثيل الكـر والفـر علـى فـرس العـود أو القصب، وكذلك السخرية التي تستهدف العجـزة وضحايـا القـدر الآخريـن كالأعمـى والفأفـاء والمقعـد) .
حمل الكتاب أيضا بحثاً للكاتب زفي بن-دور بعنوان (النفي اللامرئي: اليهود العراقيون في اسرائيل) والذي ركز فيه على رؤية اليهود للتهجير الذي شبهوه في النفي البابلي الثاني وأن فكرة حدوث هذا النفي في اسرائيل، المكان المفترض للخلاص والتحرر والتكفير عن الذنوب ينطوي على اشكالية كبيرة بل يحمل هذا البحث سؤالا جوهريا انه كيف يمكن للدولة اليهودية التي تقدّم نفسها لدول العالم وشعوبه بوصفها (وطناً لليهود ان تتحول الى موطن لمنفاهم؟) .
اما بحث سيلفيا حاييم والذي كان بعنوان (جوانب من حياة اليهود في بغداد خلال العهد الملكي) ركز على فترة الملك فيصل الأول حين توج ملكاً على العراق كونه أول من حافظ كونهم أي اليهود قبلوا به لأنه شخصية من خارج العراق فكرسوا أنفسهم بإخلاص لأجل تقدم بلدهم.
ويقدم الكتاب بحثاً للكاتب أري الكسندر حمل عنوان (الفرهود، وافتصاد الحرب، والشيوعيون، والصهاينة) والذي ركز فيه على مناقشة وذكر تفاصيل ما عرف في العراق بحادثة فرهود اليهود والتي حصلت في بغداد في حزيران من عام 1941 مع انهيار انقلاب رشيد عالي الكيلاني وعودة الوصي المدعوم من البريطانيين وهو ما جعل اثرياء اليهود للبحث عن ملجأ لهم في ايران أو الهند، في حين هاجر القليل منهم إلى فلسطين).

المؤلف
وسبق لمازن لطيف أن أصدر العديد من الكتب منها (المثقف التابع) و(علي الوردي والمشروع العراقي ) و( العراق حوار البدائل- حوار فكري مع البروفيسور ميثم الجنابي) و( الاخوان المسلمون في العراق_ كتاب مشترك) وكذلك (مثقفون عراقيون- قصر الثقافة ) و( يهود العراق .. تاريخ وعبر ) و( يهود العراق.. موسوعة شاملة) وأيضا (اليسار الصعب.. حوار مع الدكتور كاظم حبيب ) و(موسوعة المراقد والمزارات الدينية في العراق) فضلا عن عن كتب ( محطات في حياة وفكر هادي العلوي و(دورة القمر القصيرة ليهود العراق ) و(التاريخ المنسي ليهود العراق ) و(سمير نقاش… نقش في وادي الرافدين) و(مثقفون عراقيون… يهود في خدمة صاحبة الجلالة العراقية ) و(حنا بطاطو في سيرته ومنهجه وتفسيره لتاريخ العراق المعاصر) و( يهود عراقيون.. أدباء تجري في عروقهم مياه الرافدين) وله العديد من الكتب قيد الطبع وقيد الانجاز سواء عن تراث وتاريخ العراق او تاريخ اليهود.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة