الجريمة المنظمة.. المنفلتة

لا احد ينفي بأن «البعض» من حالات الجريمة المنظمة تلوذ بالسياسة، او تحتمي بها، او انها تحمل بصمات السياسة في اختيار هوية الضحية او نوع الرسالة التي تحملها، وفي ما تخلفه من ردود فعل سياسية ومجتمعية، ولا نحتاج، هنا، ان نسمي الاشياء باسمائها فان اقنية المعلومات والاخبار تؤشر الى مسؤولية ساسة او جماعة سياسية في حماية او رعاية او تنفيذ جرائم ينطبق عليها موصوف التشريع الدولي عن الاجرام المنظم كونه «عبارة عن مؤسسة إجرامية ذات تنظيم هيكلي متدرج ومحكم تمارس أنشطة غير مشروعة من اجل الحصول على هدف مادي غير مشرع مستعملا في ذلك العنف والقوة والفساد والنفوذ» كما ورد في انظمة الشرطة الجنائية الدولية.
وبين مدة ومدة اخرى يروّع المواطنون واصحاب العائلات بانباء (بعضها ينشر ويشار له من خلال الاقنية الرسمية) وذلك عن القاء جثة مجهولة الهوية الى نهر او مفرق طرق، او مجموعة ملثمة تداهم متجرا أو مسؤولا أو مكتبا تجاريا، او عملية اختطاف تطال مواطنين، وتشمل نساء وأطفالا، او عملية نصب يقع في شراكها مواطنون القت بهم حظوظهم العاثرة على طريق الجناة، والحال، لا يجد مواطن العاصمة وبعض المدن التي تشهد اعمالا اجرامية منظمة أمانا على حياته وممتلكاته وضمانات عيشه الكريم الآمن.
ولا يكون القول بان بعض اشرس هذه العصابات محمية من حلقات امنية بمنزلة افتراض او تجنٍ على تلك السلطات، فبين ايدينا «حوادث» خرجت عن اطار السرية لجرائم منظمة تورط فيها افراد وضباط، ومنها ما تجاوز الى البُعد السياسي الموصول بالصراع الطائفي والفئوي، وهو الطور الاخطر في ملف الجريمة المنظمة المنفلتة، جنباً الى جنب مع وجود بصمات عن مافيات كلاسيكية محمية تدير طاحونة الجريمة المنظمة من غسيل الاموال وتهريب النفط وتجارة المخدرات الى تقديم الخدمة للجماعات الارهابية المسلحة، وقبلها تقديم خدمات التعبئة والاستزلام والارشاء في الانتخابات النيابية لصالح متنافسين يشار لهم بالبنان.
اقول، ان الجريمة المنظمة تتداخل، عضويا، في شبكات الصراع السياسي وتضاعيفه، بل انها صارت ساحة للاستثمار السياسي، ووسيلة للجم الخصوم او لزيادة البأس والنفوذ، لكن الاخطر، هو ما يتعلق بتغييب المسؤولية عن الجرائم المرتكبة بين اكثر من جهة، فيما كل طرف سياسي ينفي تورطه فيها واتهام الطرف الآخر بارتكابها، ولهذا، في نهاية المطاف، تُسجل المسؤولية على عاتق جهة مجهولة، وتوضع سجلات «الحادث» على الرفوف العالية، ثم، من هناك، تحمل الـ»الباج» الذي يرخص لها الدخول الى السياسة من الابواب الخلفية.
***************
حكمة ايرانية:
«من يجلس فوق مقعدين يسقط بينهما»
الجريمة المنظمة.. المنفلتة
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

اضف رد