الأخبار العاجلة

إنفلونزا معلوماتية

عندما كنا صغارا كان المعلم في المدرسة يحكي لنا قصة الراعي الذي يصرخ وينادي على اهل القرية شاكيا من هجمة الذئب على اغنامه، وعندما يهرع اهل القرية للمساعدة، يكتشفون ان الامر مزحة، او مقلب من الراعي، الذي لم يجد معينا له عندما هاجمت الذئاب اغنامه، ولم يصدق الناس صرخات الاستغاثة التي اخذ يطلقها، فقد تعودوا منه عدم المصداقية واصيبوا بشيء اشبه بانفلونزا معلوماتية تجاهه.
تذكرت هذه القصة وانا اتابع الاخبار عن قيام محرك البحث العملاق كوكل قبل ايام باطلاق ميزة التحقق من الاخبار المزيفة، وهذه الميزة التي أطلقها كوكل ليست المحاولة الاولى على شبكة الانترنت، فقد سبقتها محاولات اخرى للحد من تفشي هذه الظاهرة التي تهدد مصداقية وتأثير الاعلام وتلقي المعلومات في العالم، باعتبار المصداقية خير مقياس لجودة المنتج الاعلامي، وهي في مقدمة القيم الاخبارية التي تقدسها جميع غرف الاخبار الرصينة في العالم.
لكن التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الانترنت وطغيان الاعلام الالكتروني على وسائل الاعلام الاخرى، غير قواعد العمل الصحفي لصالح صحافة المواطن في كثير من الحالات، وجعل الكثير من وسائل الاعلام تعتمد صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مصدرا للمعلومات، وبالتالي انتعشت عمليات ترويج الشائعات وبيع وشراء الاكاذيب.
ان جودة المعلومة امام خطر حقيقي يصيب المتلقي بما يمكن ان نسميه (الانفلونزا المعلوماتية) وهو عدم القدرة على تصديق كل مايقال بعد عدة تجارب للتعاطي مع منتج اعلامي لم يكن بمستوى الدقة والموضوعية.
ولدينا في العراق مئات الالاف من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تضخ مئات المعلومات يوميا، منها ماهو مصنوع في معامل متخصصة بصناعة الاكاذيب ومنها مايصنعه باحثون عن الشهرة والانتشار وجذب علامات الاعجاب.
فبثينة شعبان الناطقة باسم الحكومة السورية، ومصادر مطلعة، ومصادر خاصة، ومصادر استخبارية، واسماء اجنبية مبهمة، واسماء صحف اميركية غير معروفة، اصبحت مرتكزات وادوات لحياكة خرافات اعلامية وقصص وهمية يصدقها اغلب الناس.
والمشكلة الاكبر ان بعض الصحف والفضائيات اخذت تعتمد معلومات الفيس بوك من دون السعي للتحقق منها، والاخطر من تزييف المعلومات هو تزييف الصور، فكم من صورة تم التقاطها في سوريا وروج لها في العراق، وكم من صورة تم اقتصاصها من مصدر اجنبي وروج لها على انها حصلت في العراق، والامثلة كثيرة لايستوعبها هذا المقال.
واعتقد ان رؤساء المؤسسات الاعلامية العراقية امام امتحان لقدراتهم ومهاراتهم على ضبط تدفق المعلومات وقدرتهم على التحقق السريع من مصداقيتها لان المصداقية هي الفيصل الذي يحدد افضلية مؤسسة اعلامية على اخرى.
عباس عبود سالم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة