بعد أن سرقت الدورات البرلمانية المتتالية ما هدهدناه من مشاريع وأحلام لعراق ما بعد “جمهورية الخوف” وبعد أن أهدرت موازنات خيالية على يد هذه الطبقة السياسية المتخلفة والفاشلة والفاسدة، قررت “الأغلبية” في البرلمان الحالي أن تتوج مآثرها التشريعية والرقابية بنوع من “الخبث الديمقراطي” حيث اختارت الوقت الضائع لتسدد هدفها القاتل عبر قانون يسلب عن الغالبية ...
" />

ديمقراطيتنا للبكلوريوس فما فوق

بعد أن سرقت الدورات البرلمانية المتتالية ما هدهدناه من مشاريع وأحلام لعراق ما بعد “جمهورية الخوف” وبعد أن أهدرت موازنات خيالية على يد هذه الطبقة السياسية المتخلفة والفاشلة والفاسدة، قررت “الأغلبية” في البرلمان الحالي أن تتوج مآثرها التشريعية والرقابية بنوع من “الخبث الديمقراطي” حيث اختارت الوقت الضائع لتسدد هدفها القاتل عبر قانون يسلب عن الغالبية المطلقة من العراقيين حقهم في الترشّح لأي انتخابات برلمانية أو محلية، حيث اشترط التعديل الذي أقروه على قانون الانتخابات؛ حصول المرشح اليها على شهادة البكلوريوس أو ما يعادلها كحد أدنى للمشاركة فيها. لا يحتاج المتابع المنصف لغرائبية مشهد عراق ما بعد “التغيير” الى الاستعانة بخبراء دستوريين ومتخصصين في مثل هذه التجارب الانتقالية؛ كي يكتشف هذه الخلطة العجيبة التي جمعت بين “آليات الديمقراطية” و “خبث” سدنتها الحاليين، الذين يتحملون الجزء الأعظم من مسؤولية الخراب الهائل والذي وضعنا على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً. لا يحتاج الأمر الى جهد كبير كي نكتشف المغزى الفعلي لمثل هذه القوانين والتشريعات الفنطازية، بوصفها سبلاً للفرار من مواجهة التحديات والعلل الحقيقية لكل هذا الفشل والهزائم التي لحقت بنا مجتمعاً ودولة جماعات وأفراد. يتشدق البعض من “الأفندية” عبر وسائل الإعلام المختلفة بأهمية مثل هذا القانون ودوره في صناعة برلمان متخصص وقادر على أداء دوره التشريعي والرقابي، وبالتالي امتلاك مجلس نوّاب كامل المواصفات، وكأنما مشكلة السلطة الأولى في البلد (البرلمان) تكمن بعدم امتلاك 53 نائباً من أعضاء البرلمان الحالي (عددهم الكلي 328 نائب) لشهادة البكلوريوس واقتصارهم على الشهادة الإعدادية.
لقد خيبت المحكمة الاتحادية وهي أعلى سلطة قضائية في البلد، أملنا بقرارها بشأن دعوى الطعن بشهادة المرشح للانتخابات، حيث ردت ذلك لعدم استناده لسند دستوري..! من دون أن تلتفت الى تنافر هذا الشرط مع المغزى الأساس لوجود البرلمانات في العالم، بوصفها الهيئة العليا لممثلي الأمة بشتى طبقاتها الاجتماعية ومنحدراتها، فممثلي الطبقات الكادحة من عمال وكسبة وفلاحين لم يصلوا الى تلك المجالس التمثيلية حاملين معهم تعويذة البكلوريوس أو ما يعادلها، فاليخ فاليسا القائد العمالي لنقابات التضامن البولونية على سبيل المثال لا الحصر، والذي أصبح رئيسا لجمهوريتها لاحقاً، لم يضطر لاستجداء الشهادات (كما حصل في مضاربنا المنحوسة) كي يكون زعيماً تاريخياً لشعبه. وللتوضيح أكثر عن بؤس وهزالة هذه التعديلات والقرارات، أنها على سبيل المثال ستحجب عن رائد الوطنية العراقية جعفر أبو التمن (1881-1945) الحق بالترشح لمجالسها التمثيلية (المحلية والاتحادية) لأن دستور ومشرعي ديمقراطيتنا الميمونة لا يبيحون له ذلك الحق المطوب دستورياً للمنتسبين لنادي البكلوريوس أو ما يعادلها وما فوقها من شهادات… إن إقرار مثل هذه التشريعات أو التعديلات، لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالحرص على التجربة الديمقراطية الفتية ومنظومتها القيمية الراقية، لا سيما وأن هذه الطبقة السياسية وحيتانها قد ألحقت أشد الأضرار بها نظرياً وعملياً. وهي امتداد لمنهجها المتخصص في الزوغان والهروب من وظيفة البرلمان الأساسية في مثل هذه المراحل الانتقالية التي تمر بها المجتمعات والأمم ألا وهي سن تشريعات تنتشل فيها المجتمع من حالة التخلف والتشرذم وفضلات حقبة النظام المباد الاستبدادية، لا إشغاله بهم جديد من الثنائيات القاتلة (عراقيو ما قبل البكلوريوس وعراقيو ما بعده)..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة