بعد جولات ماراثونية من الجلسات التي تنتهي بالفشل غالباً لعدم اكتمال النصاب، وبعد فشلهم في إقرار أهم القوانين وعلى رأسها الموازنة العامة للعام الجاري (2018) وغيرها مما تحتاجه مرحلة الانتقال صوب الديمقراطية من قوانين وتشريعات، اكتشف مشرّعوا الأمة أمراً لم تلتفت إليه، لا غالبية الشعوب والأمم وحسب بل ولا حتى الآباء المؤسسون للتجارب الديمقراطية الرائدة؛ ...
" />

قذائف البكلوريوس الدخانية أو ما يعادلها..!

بعد جولات ماراثونية من الجلسات التي تنتهي بالفشل غالباً لعدم اكتمال النصاب، وبعد فشلهم في إقرار أهم القوانين وعلى رأسها الموازنة العامة للعام الجاري (2018) وغيرها مما تحتاجه مرحلة الانتقال صوب الديمقراطية من قوانين وتشريعات، اكتشف مشرّعوا الأمة أمراً لم تلتفت إليه، لا غالبية الشعوب والأمم وحسب بل ولا حتى الآباء المؤسسون للتجارب الديمقراطية الرائدة؛ إذ صوّت مجلس النوّاب العراقي وبالأغلبية على شرط حصول المرشّح لعضويته على شهادة البكلوريوس أو ما يعادلها كحد أدنى، كي يتمكن من الدخول الى هذا المحفل الذي لم يحصل غالبية أعضائه على الأصوات الكافية (العتبة الانتخابية) كي يكونوا ممثلين شرعيين للشعب. لقد حذّرنا مراراً وتكراراً من منظومة التخلف والفساد التي تشرع الأبواب لوصول جماعات وأفراد غير مؤهلين الى المفاصل الحيوية للدولة والمجتمع وعلى رأسها السلطة التشريعية الأولى في البلد (البرلمان) وما هذا العبث الأخير بقانون الانتخابات (التعديلات) إلا مثال فاضح على نوع المعايير والتفكير السائد في الهرم الأعلى للسلطات. لا تكلف هذه “الأغلبية” التي مررت مثل هذه التعديلات نفسها في البحث عن مثل هذه القوانين الفنطازية، لدى التجارب الأخرى، وعن القائمة الطويلة من القيادات الفذة في شتى الحقول ومنها السياسية، والتي لم تحصل على تعويذة “البكلوريوس أو ما يعادلها” كي تجترح كل تلك المآثر المادية والقيمية. كما أنها لا تعير اهتماماً لما أطلقنا عليه بـ (طفح الشهادات) والأورام الأكاديمية التي تمددت بشكل وبائي على تضاريس حقبة ما بعد الفتح الديمقراطي المبين، حيث يمتلك البلد الذي صنفته التقارير الأممية ضمن الدول العشرة الأكثر فساداً؛ أكبر عدد من حاملي باج البكلوريوس وما بعدها من شهادات عليا، يعرف القاصي والداني العلل والحاجات التي تقف وراءها، والتي لا تمت غير القليل منها، لكل ما يتعلق بالعلم والبحث والإبداع بصلة، بل وجدت لتزويد منظومة التشرذم والفساد بما تحتاجه من ملاكات مثقلة بالأنواط والدرجات والعناوين التي “لا تقتل ذبابة”.
رئيس اللجنة القانونية النيابية اعترف بخرق تلك التعديلات للدستور العراقي شرط “الحصول على البكلوريوس أو ما يعادلها” ليسمح له بحق الترشّح للانتخابات، وهي فضلا عن كونها مخالفة سافرة لألف باء الحقوق في الدستور، تحمل نزعة إقصائية لحق غير القليل من الخبرات والكفاءات وأصحاب التاريخ المشرق في الدفاع عن حقوق شعبهم وتطلعاته المشروعة، من الذين كرسوا كل حياتهم ومواهبهم من أجل خدمة الشأن العام، من دون أن يلتفتوا الى تعويذة “افتح يا سمسم” الجديدة (البكلوريوس أو ما يعادلها). إن مجلس النوّاب الحالي ومن خلال سلوكه وتصرفاته ودقلاته الأخيرة، يؤكد على كونه يعيش ما يمكن أن نطلق عليه بمرحلة “أرذل العمر” وهذا يتطلب تدخلاً عاجلاً من السلطة القضائية وبنحو خاص من المحكمة الاتحادية العليا؛ كي تردع هذا النوع من الهلوسات التشريعية لـ “أغلبية” أدمنت الوصاية والتبعية والتقليد، وألحقت أفدح الأضرار بسمعة وطن دوّنت رقمه الطينية باكورة التشريعات والقوانين. مع مثل هذه الفزعات والهرولات البائسة لأحد أفشل البرلمانات النيابية، نتذكر ما قاله السيد المسيح ذات وجع ولكن بهم عراقي هذه المرة: ما الذي ينفع المرشّح إن شفط “الشهادات” كلها وخسر نفسه…؟!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة