عاد ما عرف بوفد الاستفتاء الى قواعده في أربيل بعد أن أجرى جولات من اللقاءات والمحادثات، لم تفض لأكثر من اجترار ما عرف من أطراف العملية السياسية من مواقف وآراء في هذا الملف الشائك والذي زادته سياسة التشدد والمزاودات خطورة وتعقيداً. لقد حذرنا من مغبة الاستثمارات السياسية الضيقة في قضية مصيرية كحق تقرير مصير سكان ...
" />

العودة بخفي الاستفتاء

عاد ما عرف بوفد الاستفتاء الى قواعده في أربيل بعد أن أجرى جولات من اللقاءات والمحادثات، لم تفض لأكثر من اجترار ما عرف من أطراف العملية السياسية من مواقف وآراء في هذا الملف الشائك والذي زادته سياسة التشدد والمزاودات خطورة وتعقيداً. لقد حذرنا من مغبة الاستثمارات السياسية الضيقة في قضية مصيرية كحق تقرير مصير سكان الإقليم، واللعب على وتر الاستفتاء والانفصال عن العراق، لتحقيق مآرب شخصية وفئوية ضيقة، وعن عواقب مثل هذا النهج الفردي والحزبي الضيق، والذي تعرفنا عليه جميعاً وعلى آثاره المدمرة في الكثير من المنعطفات التي عشناها جميعاً عربا وكوردا وتركمانا وبقية شعوب هذا الوطن القديم. الحقيقة الوحيدة والصلدة التي تعرفنا عليها جميعاً، تكمن في عجز هذه القوى جميعها (في بغداد وأربيل) عن إنجاز مثل هذه التحولات التأريخية، هذا العجز العضال الذي يحاولون عبثاً الهروب منه في المزيد من الهرولات والفزعات الخائبة. كما حصل لنا مع النظام المباد وحزبه وصانع قادسياته وحواسمه، نجد حيتان المشهد الراهن تقتفي أثر منهج الدمار الشامل ذاك، عبر إشعال المزيد من الحرائق والنزاعات، كي يبعدوا مجتمعاتهم عن المهمات الواقعية التي تواجههم، وعلى رأسها استرداد حقها وقدرتها على العيش بكرامة وحرية بعيداً عن سطوة قوى التخلف واللصوصية والإجرام.
يستحق شعب كوردستان كما جميع شعوب المنطقة كل ما رسموه من آمال وأحلام مشروعة في العيش كبقية الأمم الحرة، لكن ذلك لن يأتي من خلال قيادات وتنظيمات لا تطيق الحرية والتعددية والحداثة في حياتها الداخلية وبرامجها الفعلية. ومن عاش قريباً من تجربة حركات التحرر الكوردية يعرف حجم البون الشاسع بين الجماعات المتنفذة حالياً في أربيل والسليمانية وهذه المتطلبات الضرورية. ما يجري اليوم في إقليم كردستان ولا سيما في العقدين الأخيرين، حيث تنامت الحاجة للتطور السلمي والانتقال لمهمات البناء والإعمار، والتقليص من نفوذ منهج عسكرة المجتمع؛ إنهم وجدوا أنفسهم (الزعامات التقليدية) بمواجهة وعي جديد وأجيال جديدة، لم تعد تقنع بشعارات مرحلة الحرب الباردة ومانشيتاتها الآيديولوجية. لذلك يسعى ديناصورات تلك الحقبة لإبعاد هذا الجيل عن هموم وتحديات عصرهم الواقعية.
لا أحد يشك في ضرورة ونجاعة سبيل الحوار لتفكيك وحل أكثر الملفات صعوبة وتعقيداً، لكنه الحوار المبني على أساس احترام الحقوق المشروعة لجميع الأطراف، لا الحوار الذي يستغل ظروفا استثنائية يعيشها الطرف الآخر كي ينتزع منه تنازلات سيعيد الطرف الآخر النظر فيها بعد زوال تلك الظروف، كما حصل معنا وفي الكثير من التجارب التي عرفتها الأمم الأخرى. لقد عاد وفد الاستفتاء، بعد أن عجز عن تحقيق أي شيء لصالح الاستفتاء أو الحصول على تنازلات من بغداد لقاء تأجيله الى موعد آخر، وهذا مآل كل الخطوات التي تتخذ بمعزل عن شروطها الداخلية والخارجية، وكل أملنا بأن لا تتحول مثل تلك القرارات المتسرعة الى مبرر للإمعان أكثر بطريق التشدد والانعزاليه في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها سكان هذا الوطن من شتى الرطانات والهلوسات والأزياء. بل نأمل بأن تتحول الى محطة لتدارك وضع العلاقة بين المركز والإقليم على أساس الحكمة والمسؤولية والواقعية السياسية التي تؤسس لمستقبل آخر لا مكان فيه لموروثات الكراهة والعبودية والتمييز..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة