الأخبار العاجلة

متلازمات عراقية !

قبل ايام عرضت القناة الرسمية (العراقية) تقريرا يحمل الكثير من الايجابية، وهو تقرير مصور عن الطالبة العراقية آية سنان الحسني التي حازت المرتبة الاولى على جميع العرب و العراقيين من الكلية الملكية للجراحين في ايرلندا، كما حصلت على مرتبة الشرف من الدرجة الاولى وبتكريم خاص من الكلية ذاتها في اثناء حفل التخرج وكانت هي الطالبة الوحيدة من العرب التي تحصل على تكريم وجائزة في الحفل ..
ولست هنا بوارد استعراض السيرة الذاتية لهذه العراقية المتألقة علما ً والحديث عما حققته من منجز عراقي كبير ، وان كانت تستحق ان نشيد بها ونفرد لها مساحات من كتاباتنا وبرامجنا التلفزيونية والاذاعية ، ولكن ما اردت الاشارة اليه ، هو ان هذا المنجز المهم ، لم يحظ باهتمام المشهد العراقي ، سواء كان على مستوى النخبة او على مستوى الشارع بنحو عام ، فقد مر الخبر مرورا باهتاً ، لايكاد يُذكر ، لاسيما في مواقع التواصل الاجتماعي ، هذه المواقع التي نجدها تضج بعشرات المقاطع الباهتة ، التي تروج لقضايا سلبية ، ربما ليست حقيقية ، او انها حقيقية ، ولكنها غير مقصودة ، من قبيل قيام احدهم بتصوير العلم العراقي فوق احدى البنايات العالية ، مقلوبا ، بعد ان عصفت به الريح العالية ، ماجعله يبدو للرائي انه مقلوب ، وقد حظي هذا المشهد الذي لاقيمة له ، لانه ليس من المنطق ولا من المعقول ، ان ترفع مؤسسة حكومية علم البلد مقلوبا !.. حظي بمشاهدات ومشاركات واعجابات واسعة جدا ، وكأن الناس وجدوا «العلم الاسرائيلي» مرفوعا فوق تلك البناية !!..، وقطعا ان ثمة الكثير من المشاهد والافعال المشرقة في العراق ، مثل فعل واشراقة ، «اية الحسني» ، ولكن ، يبدو اننا لم نعد نمتلك القدرة على مشاهدة الاشياء الجميلة ، بعد ان اصبحنا سلبيين متشائمين حد النخاع ، فرائحة التشاؤم باتت تملأ الارجاء ، وصوت جلد الذات يصل الى نهاية العالم ، واللون الاسود هو الطاغي ، وكأن البلد لا تسكنه سوى الشياطين ، وان هي الا سويعات لينهار كل شيء !!! حتى النخبة ، وللاسف الشديد ، التي ينبغي ان ترى الاشياء بعين مختلفة ، باتت تنظر بعين التشاؤم الى كل شيء .. وامسينا ، نسمع ارقاما ومعلومات لاتمت للواقع بصلة ، لا لسبب ، الا لاننا نعشق اللون الاسود ، فنعمل على تضخيم السلبي وتقزيم الايجابي ، ففي كل يوم نسمع ونرى مَن يردد ، ارقاما مرعبة عن الواقع العراقي ..
فهناك من يتحدث عن «متلازمة الاربعة ملايين» !! ومن تلك الاربعات الملايينية :
٤ ملايين يتيم ..!!
٤ ملايين ارملة ..!!
٤ ملايين مطلقة ..!!
٤ ملايين عراقي هجروا الوطن ..!!
٤ ملايين طفل يعملون في الشوارع ..!!
٤ ملايين خريج عاطل عن العمل ..!!
٤ ملايين … ٤ ملايين .. ٤ ملايين .. الى آخر الاربعة ملايينات، فاذا جمعنا هذا الاربعات المليونية ، نجدها تشكل ضعف عدد سكان العراق حاليا !! ، والا ،
اين طلبة الجامعات ؟..
اين العاملون في القطاع الخاص ؟..
،اين العاملون في مؤسسات الحكومة ؟..
اين طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ؟..
اين ربات البيوت ؟..
اين المتزوجات ؟ ..
اين المتقاعدون ؟..
اين المعلمون؟ ..
اين المدرسون ؟..
اين منتسبو القوات الامنية؟ ..
اين الاطباء؟ ..
اين المحامون؟ ..
اين الصحفيون ؟ ..
اين المهندسون ؟..
اين الفلاحون والمزارعون؟ ..
اين واين واين ؟؟…
فكم يشكل هؤلاء من السكان ؟!!
وقطعا ، انا هنا لا اتحدث عن تجميل واقع سيء يعاني الكثير من الاختلالات الهيكلية والبنوية في الكثير من المفاصل ، فواقعنا العراقي ، يحتاج الى جهود كبيرة لتصحيح المسارات وتحقيق التنمية المستدامة ، ولكن في المقابل ، يجب ان لا تكون نظرتنا للاشياء من زاوية واحدة ، انما يجب ان تكون نظرة متوازنة وعادلة ، ، فمثلما نؤشر مواطن الخلل في الجسد بغية معالجتها ، علينا ايضا ان نشير بوضوح الى الجوانب الايجابية في حياتنا، وهي ليست قليلة ايضا ، من اجل تشجيع الواقع الايجابي، والعمل على زيادة بقعة الضوء ، بدلا من اطفاء الانوار، فنفقد بوصلتنا، ثم نجلس نلعن الظلام ، لانه لا يتيح لنا رؤية الاشياء في كنفه ….

عبدالزهرة محمد الهنداوي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة