الأخبار العاجلة

مكافحة الإرهاب: الاستراتيجيات والسياسات

(مواجهة المقاتلين الأجانب والدعاية الجهادية)
يتناول هذا الكتاب تعريف الإرهاب وقضية المقاتلين الأجانب، وتنقلهم ما بين دول أوروبا ـ وسوريا والعراق، لغرض القتال إلى جانب داعش هناك أو تنفيذ عمليات إرهابية في دول أوروبا والغرب.
وناقش الكاتب درجة تهديد المقاتلين الأجانب إلى الأمن القومي لدول أوروبا بشتى درجات خطورة المقاتلين العائدين، مع تفصيلات وإحصائيات عن أعدادهم وخلفياتهم وطرائق التجنيد وأسباب التجنيد ودول تواجدهم بنحو بيانات واستقصاء وبوابات العبور إلى سوريا والعراق عبر تركيا.
ولأهمية الكتاب تنشر ” الصباح الجديد” فصولاً منه.
الحلقة 38
جاسم محمد*

الخطاب الاعلامي
الخطاب الاعلامي الى هذا التنظيم مختلف تماما عن الطريقة التقليدية للتنظيمات “الجهادية” والذي يقوم على اساس التحرك الميداني على الارض وعلى الشبكة العنكبوتية اكثر من طروحاتت فكرية من قبل المشايخ التي اعتادت عليها القاعدة في وقت سابق، يعرض التنظيم مقاتليه في حالة مستريحة، وهم يمارسون حياتهم اليومية الاعتيادية مثل بقية البشر داخل بيوت فخمة وقصور بصحبة عوائلهم، عكس ماكان عليه الجيل الاول من مقاتلي القاعدة الذين كانوا يعيشون في كهوف جبال” تورو بورا”. فرغم الوحشية التي يتمتع بها هذا التنظيم لكن يظهر مقاتلييه في وضع مستريح وارتداء الزي الاسلامي والاهتمام في الشكل في الحالات الطبيعية، مثلما ظهر التنظيم في استقبال بيعات العشائر في سوريا والعراق، وهي تعطي وصفا مخالفا الى وصفها الوحشي في ميادين المعارك وترديدهم الاهازيج وكأنهم في سياحة”جهادية”. ومايحصل عليه التنظيم من غنائم حرب يعرضها على شكل مكاسب الى مقاتلييه منها المركبات والعجلات الفخمة وكذلك موضوع الزواج من المعتقلات والسبايا قسرا مثلما حدث في العراق الى الايزيدية والمسيحيين والتي اعادت العالم الى سوق الرق والنخاسة، فهي تمنح مقاتليها امتيازات اكثر.
يبقى هذا التنظيم تنظيما ذكيا وهو يحاول الاستفادة واستثمار كل ماهو متاح لترويج صورته، التي بدئت تلبي حاجات الكثير من “الجهاديين” الجدد الذين يرفضون العيش بشكل طبيعي في مجتمعاتهم، هي سياسة اعلامية ذكية قائمة على الاستقطاب، لكن رغم ذلك من المتوقع ان يشهد التنظيم انشقاقات وتراجع تنظيميا.

“الدعاية الجهادية” عاملا مهما في الإستقطاب
هل تحول “داعش” الى ثقافة مجتمعية؟
إن فشل ربيع “الثورات العربية” التي اندلعت في المنطقة مطلع عام 2011،الحق الكثير من الاحباط وضرب بتداعياته النفسية والاجتماعية على المجتمعات التي شهدت هذه “الثورات” ابرزها مصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن. وكان ناتج هذه الثورات هي”ألفوضى ألخلاقة” و”التوحش” عند هذه الجماعات الاسلاموية المتطرفة. الاهتزاز لم يضرب الدول التي شهدت هذه الثورات فحسب بل تمدد الى دول الجوار. تداعيات الفوضى وصلت مساحات جغرافية بعيدة عن معاقلها لتصل دول الغرب.

توظيف التطرف
لقد اثرت “داعش” سلبا كثيرا بالحركات الاسلاموية وكذلك على الافراد والاسرة في المجتمعات الاسلاموية وان كانت تعيش في دول المهجر. وتحولت افكار وطروحات داعش الى ثقافة أسرية “يكفر” عند بعض الابناء من الجيل الجديد يكفر بعضهم الاخر، بسبب التفسير الخاطيء لهذه الجماعة. نجح تنظيم داعش بتوظيف التطرف وتحويله الى آلية عمل تخدم اهداف التنظيم، القائمة على تفسير خاطيء لنصوص القرآن ألكريم وفق منظورها. وصفت وكالات الاستخبار الغربية هذه الجماعة بأنها تنظيم يلبي الحاجات الغريزية والجنسية والسلوك الوحشي المتنامي عند بعض الافراد والجماعات. علماء النفس والاجتماع فسروا تدفق اسر بكاملها او افراد من اوربا ابرزها بريطانيا وفرنسا، للألتحاق بالقتال في سوريا والعراق، نوع من انواع فقدان الهوية والتشرد. البعض فسر ذلك بأنه تلبية لحاجات مادية وغريزية. تبقى دوافع الثأر من قبل بعض الافراد والجماعات في اوربا والتي تجد في داعش وغيره من التنظيمات”المخلص”. تبقى “الدعاية الجهادية” عاملا مهما في إستقطاب الافراد والجماعات، والتي اصبحت وسيلة مهمة لتجنيد اعضاء في التنظيم. وعقدت ورشة عمل عقدت في عمان يوم 16 يونيو 2015 نظمتها مؤسسة “فريدريش إيبرت الألمانية” وناقش مختصون وباحثون أردنيون وعرب “سر جاذبية داعش”. وخلصت إلى أن ذلك يعود(..) بالدرجة الأولى إلى أزمة الشرعية التي تعاني منها بعض الأنظمة العربية، واستغلال الشحن الطائفي، وانقلاب بعض القوى على ثورات الربيع العربي، وعودة الحكم الشمولي في بعض البلدان العربية، وانتشار الحروب الطائفية في المنطقة، واضطهاد أهل السنة في العراق وسوريا، والتدخل الإيراني في المنطقة، والتحكم بالقرارات السيادية لبعض البلدان العربية(..).

ثقافة صناعة الموت
يقول الدكتور تركي الدخيل بعنوان “ثقافة داعش لا تضيقوا في الوصف”: أننا لو رجعنا إلى الوراء لوجدنا جماعة”الحشاشين” والتي تطور وصفها واسمها لتكون أيقونة وعلامة على ثقافة معينة “Assassi” تحولت إلى لفظ متداول للدلالة على القاتل المأجور، أو القاتل الخفي، واستخدمت في الثقافات “المافيوية” في أوروبا عموما وفرنسا خصوصا، بل وأصبحت هناك ألعاب فيديو تحمل نفس الاسم تقدم ذات الدلالات التي ضخها. القصة ليست اتهاما أو نبزا، بل هو توصيف محض، وداعش الثقافة موجودة في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية. كانت داعش والجماعات “الجهادية” الاخرى موجودة داخل “الانتفاضات” ألعربية وبدات تتوسع الى المجموعات الاسلاموية من غير “الجهادية” لتعمل تحت مظلتها ضمن أستراتيجية تخندق ألاسلاميون تمثل بالتقارب “الاخواني الجهادي”.
وفي سياق ثقافة الموت يقول الكاتب الالماني” كيرستن كنيب” في دراسته: إذ تفيد تقارير باختطاف التنظيم للأطفال من دور الأيتام واعتقالهم في معسكرات تدريب معزولة بهدف تحويلهم إلى آلات للقتل (..). وهناك يتم إخضاعهم لغسيل دماغ وتعبئتهم بالفكر “المتطرف” وتدريبهم على استعمال السلاح والمتفجرات. وتتقارب عالمة الآثار الألمانية “زيمونه مول” من هذا الطرح بقولها : بأن مايقوم به داعش هو تدمير الى الموروث الثقافي في العراق ودول اخرى وان من خلفية موقفها المنطلق من فكرة صراع الثقافات.

إرتداد “ثورات الربيع العربي”
يبدو ان جماعة الاخوان، هي اول الجماعات التي شهدت ارتداد في إتجاه “الثورات العربية”وهنا كانت ثورة يونيو 2013 وعزل المخلوع، وهي كانت الحجرة الاولى في ارتداد الثورات. لقد تغيرت نظرة الرأي العام الى بعض التيارات التي كانت محسوبة على “الاسلام المعتدل” عند السنة والشيعة.
وشهد كلاهما اختلال في موازين المسارات على مستوى الطروحات او النشاط على الارض. فجماعة “الأخوان المسلمون”انتقلوا من مرحلة السلم الى اثارة الفوضى خاصة ماشهدتها مصرمن فوضى تهدد امنها القومي. ليبيا هي الاخرى شهدت تطرف في مواقف الجماعات الاسلاموية بكل درجاتها وهي الاخرى ضربت بتداعياتها جدار اوربا لتفتح ثغرة لاجئي قوارب الموت عند ايطاليا. اما المجموعات الشيعية فقد شهدت اندفاعا في سوريا متمثلة بحزب الله اللبناني وبالمليشيات الشيعية العراقية الداعمة الى نظام الاسد. التطورات هذه ظهرت بأدلب وجسور الشغور وربما في تدمر والسويداء. أما في العراق فشهد تغيير في مواقف الجماعات السنية لتتحول الى “ثورة سنية” باسم العشائر ضد حكومة بغداد ذات الاغلبية الشيعية بعد اختلافها مع الحكومة حول التسليح ومواجهة داعش. بعض الزعامات السنية بايعت داعش تحت باب الترغيب والترهيب. الميليشيات الشيعية التي تقاتل الى جانب الحكومة داخل ” الحشد الشعبي” رفعت رايات مذهبية تؤكد فيه ولائها للمذهب اكثر من العراق. التواجد الايراني اصبح اكثر انتشارا وعلانية في العراق.
شكل التنافس السياسي بين الشيعة والسنة في العراق على سبيل المثال محور المواجهات الطائفية على الارض والتي تحولت الى مواجهات مسلحة، وكانت عملية تهجير مابين الطائفتين ابرز معالم التغيرات في العراق مابعد2003 . بات العراق متورطا في الازمة السورية رغم مايعانيه هذا البلد مايكفي من ألعنف ألطائفي والارهاب. لتظهر حالة الاشتباك “ألجهادي”مابين العراق وسوريا في الحركات”الجهادية” السنية والشيعية، فهنالك تنقلات وتمدد للحركات مابين العراق وسوريا. واصبح نصب عين “ألجهادية” في هذه المرحلة تقع على العراق و سوريا، اما الميليشيات ألشيعية فتقع أعينها على ضريح السيدة زينب في دمشق والعتبات المقدسة في العراق. لقد تغير مشهد التشابك “الجهادي” مابعد اجتياح داعش الى مدينة الموصل شهر يونيو 2014، لتنتقل الميلشيات الشيعية من سوريا الى العراق، في اعقاب تهديد التنظيم على لسان متحدثه ابو محمد العدناني باحتلال بغداد والعتبات المقدسة. فتنظيم “داعش” يرسم الان خارطة مذهبية جديدة بدل الخارطة السياسية مابين العراق وسوريا.

الزهو والحوكمة عناصر الغسيل الدماغي عند داعش
ظهر مصطلح غسيل الدماغ الى الواجهة ثانية، خلال السنوات الاخيرة مع صعود الجماعات “الجهادية” أبرزها داعش والقاعدة، فلم يعد هذا المفهوم حكرا على الانظمة الشمولية والسياسية التي تبنت هذا المفهوم في سياستها منتصف القرن الماضي والذي أرتبط بمفهوم ادلجة الشعوب والمجتمعات. وتحول ألغسيل الدماغي الان ليكون أساس وظهير “فكري” الى البنية التنظيمية للجماعات المسلحة والجماعات “الجهادية”. ويمكن تعريف الغسيل الدماغي Brainwashing بالاستناد الى دراسات علوم الاجتماع والنفس بأنه استخدام أي طريقة للتحكم في فكر شخص واتجاهاته دون رغبة أو إرادة منه ويسمى أيضاً غسيل المخ أو أو الدماغ أوالتفكيك النفسي و يتم ذلك عن طريق تاثير وسائل الاعلام ومؤسسات التربية والتعليم والمؤسسات الدينية. تقول الباحثة زينب منصور حبيب في بحث فلسفة غسيل الدماغ بأنه تغيير أفكار ومبادئ وعقائد وقيم الشخص ووضع أفكار وقيم جديدة مختلفة عن التي كانت موجودة لديه يتم برمجة دماغه كونه الجهاز العصبي المسؤول عن اغلب الوظائف الحيوية والسلوكية والمعرفية للانسان. فالثقافة المكتسبة هي توريث اجتماعي غير بايلوجي وان الحرمان والشعور بالقهر عند الشباب والافراد ممكن ان تولد الاستعداد النفسي والمعرفي لعمليات غسيل الدماغ.

* باحث عراقي، مقيم في المانيا، متخصص في مكافحة الإرهاب والاستخبارات
و الكتاب صادر عن دار نشر وتوزيع المكتب العربي للمعارف – القاهرة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة