الأخبار العاجلة

ما بعد الركود المزمن

جوزيف ستيجليتز

كما يشير لاري سامرز عن حق، فإن مصطلح «الركود المزمن» أصبح شائعا مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها. وقد أبدى ألفين هانسن (وغيره كثيرون) القلق من عودة الاقتصاد إلى الركود أو الكساد، في غياب التحفيز الذي توفره الحرب. ويبدو أن الأمر لا يخلو من خلل جوهري يقود إلى هذا.
لكن هذا لم يحدث. فكيف أخطأ هانسن وآخرون فهم الأمر إلى هذا الحد؟ مثل بعض المدافعين عن نظرية الركود المزمن في العصر الحديث، كانت هناك عيوب عميقة في التحليل الجزئي والكلي الأساسي ــ والأكثر أهمية، في تحليل أسباب الكساد العظيم ذاته.
كما زعمت أنا وبروس جرينوالد (مع مؤلفين آخرين)، كان النمو المرتفع في الإنتاجية الزراعية (مقترنا بالإنتاج العالمي المرتفع) سببا في دفع أسعار المحاصيل إلى الانخفاض ــ بنحو 75% في بعض الحالات ــ في السنوات الثلاث الأولى وحدها من الكساد. وانخفضت الدخول في القطاع الاقتصادي الرئيسي في البلاد بمقدار النصف تقريبا. وأدت الأزمة في الزراعة إلى تناقص الطلب على السلع الحضرية وبالتالي التراجع الذي شمل الاقتصاد بالكامل.
غير أن الحرب العالمية الثانية وفرت أكثر من مجرد حافز مالي، فقد جلبت تحولا بنيويا، مع مساهمة الجهود الحربية في انتقال أعداد كبيرة من الناس من المناطق الريفية إلى المراكز الحضرية، وإعادة تدريبهم على المهارات المطلوبة لاقتصاد قائم على التصنيع، وهي العملية التي استمرت مع مشروع قانون جي آي. وعلاوة على ذلك، تسببت الطريقة التي جرى بها تمويل الحرب في إكساب الأسر ميزانيات قوية، فضلا عن الطلب المكبوت بمجرد عودة السلام.
في السنوات التي سبقت أزمة عام 2008، اتسم الاقتصاد بتحول بنيوي مماثل، ولكن هذه المرة ليس من الزراعة إلى التصنيع، بل من النمو القائم على التصنيع إلى النمو القائم على الخدمات، وهو التحول الذي تضاعفت سرعته بفِعل الاحتياج إلى التكيف مع العولمة. ولكن في هذه المرة، تسبب سوء إدارة القطاع المالي في تحميل الأسر كميات ضخمة من الديون. وهذه المرة، على النقيض من نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هناك من الأسباب ما يدعو إلى القلق.
كما يعلم سامرز، قمت بنشر تعليق استشهد به كثيرون في صحيفة نيويورك تايمز في التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2008، بعنوان «إجابة قيمتها تريليون دولار». في ذلك التعليق، دعوت إلى حزمة تحفيز أقوى كثيرا من تلك التي اقترحها الرئيس باراك أوباما في نهاية المطاف. وكان ذلك في نوفمبر.
ثم بحلول يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، كان من الواضح أن الانكماش أعظم كثيرا وأن الأمر يحتاج إلى حزمة تحفيز أكبر. في ذلك التعليق الذي نشرته صحية التايمز، ثم في وقت لاحق وبنحو أكثر تركيزا في كتابي «السقوط الحر»، أشرت إلى أن حجم الحافز المطلوب يتوقف على تصميمه والظروف الاقتصادية المحيطة. فإذا لم يكن في الإمكان حث البنوك على العودة إلى الإقراض، أو إذا خفضت الولايات إنفاقها، فستكون هناك حاجة إلى المزيد من التحفيز.
الواقع أنني دعوت علنا إلى ربط الإنفاق التحفيزي بمثل هذه الاحتمالات ــ على نحو يخلق أداة استقرار تلقائية. وكما تبين، لم تكن البنوك مجبرة على توسيع الإقراض إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، فخفضته بنحو كبير. كما خفضت الولايات الإنفاق. ومن الواضح أننا كنا في احتياج إلى حافز أكبر بالقيمة الدولارية إذا كان تصميم هذا الحافز رديئا، مع تفتت أجزاء كبيرة في تخفيضات ضريبية أقل فعالية من حيث التكلفة، وهذا هو ما حدث.
لابد أن يكون من الواضح برغم ذلك، أنه لا يوجد شيء طبيعي أو حتمي بشأن الركود المزمن في مستوى الطلب الكلي عند أسعار الفائدة صِفر. ففي عام 2008، كان الطلب منخفضا أيضا بفِعل الزيادة الضخمة في مستوى التفاوت والذي حدث على مدار ربع القرن السابق. وكان سوء إدارة العولمة والنزعة التمويلية، فضلا عن التخفيضات الضريبية لصالح الأثرياء ــ بما في ذلك خفض الضريبة المفروضة على المكاسب الرأسمالية (والتي استفاد منها بشكل كبير أولئك على قمة توزيع الدخل) خلال إدارتي كلينتون وبوش ــ من الأسباب الكبرى التي أدت إلى تسارع تركيز الدخل والثروة.
بسبب عدم كفاية التنظيم المالي أصبح الأميركيون عُرضة للسلوك المصرفي المفترس النهاب، وتكبدوا قدرا هائلا من الديون. وعلى هذا، كان في الإمكان اللجوء إلى طرق أخرى لزيادة الطلب الكلي غير التحفيز المالي: بذل المزيد من الجهد لتحفيز الإقراض، ومساعدة أصحاب المساكن، وإعادة هيكلة ديون الرهن العقاري، وإصلاح أوجه عدم المساواة والتفاوت.
يجري تصور وتفعيل السياسات دوما في ظل حالة من عدم اليقين. لكن بعض الأمور يمكن التنبؤ بها أكثر من غيرها. وكما يعلم سامرز مرة أخرى تمام العِلم، فعندما قمت أنا وبيتر أورتساج، رئيس مكتب الإدارة والميزانية في بداية إدارة أوباما الأولى، بتحليل مخاطر مؤسسة إقراض الرهن العقاري فاني ماي في عام 2002، قلنا إن ممارساتها في الإقراض في ذلك الوقت كانت آمنة. ولم نقل إنها بعيدة عن الخطر مهما فعلت.
وكان ما قامت به مؤسسة فاني ماي في وقت لاحق من ذلك العقد بالغ الأهمية. فقد غيرت ممارسات الإقراض لكي تصبح أقرب إلى ممارسات القطاع الخاص، وكانت العواقب متوقعة. (حتى في ذلك الوقت، وعلى الرغم من شائعات اليمين الزائفة التي ألقت باللائمة على فاني ماي وجهة الإقراض الأخرى التي ترعاها الحكومة، فريدي ماك، فإن إقراض القطاع الخاص، ولا سيما عن طريق البنوك الضخمة، هو الذي مهد للأزمة المالية).
لكن ما كان متوقعا هو الطريقة التي تسببت بها المشتقات المالية غير المنظمة في تأجيج نيران الأزمة. الواقع أن لجنة التحقيق في الأزمة المالية وجهت اللوم بنحو مباشر إلى سوق المشتقات المالية بوصفها أحد عوامل مركزية ثلاثة دفعت الأحداث في أواخر 2008 وعام 2009. في وقت سابق أثناء إدارة الرئيس بِل كلينتون، كنا ناقشنا المخاطر التي تنطوي عليها هذه المنتجات المالية السريعة التكاثر والمحفوفة بالمخاطر. وكان من الواجب كبح جماح هذه المنتجات، لكن قانون تحديث السلع الآجلة لعام 2000 منع تنظيم المشتقات المالية.
لا يوجد أي سبب يلزم أهل الاقتصاد بالاتفاق حول ما هو ممكن سياسيا. ولكن يمكنهم، وينبغي لهم، أن يتفقوا حول ما كان ليحدث لو…
وإليكم الأساسيات: كان التعافي ليصبح أقوى كثيرا لو كانت حزمة التحفيز أكبر وأفضل تصميما. وكان الطلب الكلي ليكتسب قدرا أكبر من القوة لو كنا بذلنا المزيد من الجهد في معالجة التفاوت بين الناس، ولو لم نلاحق سياسات تسببت في اتساع فجوة التفاوت. وكنا لنملك قطاعا ماليا أكثر استقرار لو كنا نظمناه بشكل أفضل.
هذه هي الدروس التي يجب أن نضعها في الحسبان عندما نعد العدة للتعامل مع الانكماش الاقتصادي التالي.

ترجمة: إبراهيم محمد علي
جوزيف ستيجليتز: حائز على جائزة نوبل التذكارية لعلوم الاقتصاد في عام 2001. وأحدث مؤلفاته كتاب «العولمة ومنغصاتها مرة أخرة: معاداة العولمة في عصر ترامب».
بروجيكت

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة