الشعر العمودي هو الخروج الحقيقي عن نهر الشعر العراقي

دنياميخائيل

صدرت لي عام ٢٠١٣ في نيويورك أنثلوجيا باللغة الإنكليزية فيها قراءات في خمسة عشر قصيدة عراقية مع مقدمة عن الشعر العراقي. هنا المقدمة باللغة العربية وهي بذرة بحث سأتوسع فيه وأنشره كتاباً ليكون في متناول المهتمين:

في أثناء قيامي بتحضير هذه الأنثلوجيا المصغرة، توصّلتُ إلى أمر مثير جدًا بخصوص الشعر العراقي ولكن قبل أن أطرح اكتشافي الصغير هذا، أود أن أؤكد أن ما توصّلت إليه لا يتعلق بقصائد الأنثلوجيا الخمسة عشر فحسب وإنما بقصائد أخرى كثيرة قرأتها في محاولة جمع هذه المختارات الصغيرة. أن أنتقي خمسة عشر حبة من الرمل فقط من صحراء متلألئة لهي مهمّة مستحيلة تقريباً. هناك قول في بلدي بأنك إذا رميت حجراً في العراق فمن الأرجح أن يسقط على رأس شاعر!
كتبَ محمود درويش في قصيدته “ليس سوى العراق” بأنّ “الشعر يولد في العراق فكن عراقياً لتصبح شاعراً يا صاحبي.” منذ أربعينيات القرن العشرين عندما بدأت حركة الشعر الحر في العراق وامتدت تدريجيًا إلى دول عربية أخرى، ساد جدل، مازال قائماً لحد اليوم في العالم الأدبي العربي حول “شرعية” أو “عدم شرعية” كسر أحكام الشعر الكلاسيكي المعروف بالعمودي. عروض الشعر العمودي جاء بها الخليل بن أحمد الفراهيدي في القرن الثامن إذ وضعَ الأوزان ستةَ عشر بحراً ليتبعها الشعراء من بعده. كل نمط إيقاعي من إيقاعاته- يُسمى بحر- يشمل أسطراً مشطورة نصفين وتنتهي بقافية. الشعر الحر استخدم القافية أيضاً ولكن السطر الشعري انفتحَ على مرونة إيقاعية أكبر ومن دون أن يُشطر إلى نصفين وكذلك تفاوتَ في الطول. قصيدة النثر العربية خرجت تماماً على تلك الأحكام الكلاسيكية. في مواجهتهم لاتهام القائلين بأن ”هذا ليس شعراً،“ دافع شعراء قصيدة النثر عنها بقولهم أنّها تحتوي على “إيقاع داخلي”.
ما اكتشفتهُ في الشعر العراقي الحديث هو أنه في الواقع استمرار طبيعي للشعر السومري، وأن الشعر العمودي هو الخروج الحقيقي عن نهر الشعر العراقي. تشكّل كلماتُ سومر في جنوب العراق أولى صرخاتنا الشعرية، محفورة بخط مسماري على ألواح طينية، أسطرها قصيدة نثرية طويلة بدون قافية ولكن بها “إيقاع داخلي.” تستخدم تلك النصوص الأولى تقنية السرد ولكن تكرار الأسطر وتكثيف الصور يمنحها غنائية لا يخطئها الدارس. معظم مقاطعها السردية متشظية ولو من المستحيل معرفة فيما إذا كان ذلك مقصوداً أم أنه حدث بسبب فقدان بعض الألواح أو تلفها. مجازات الشعر السومري تظهر تلقائياً من الصور البدائية والرموز المستخدمة لنقل الأفكار المعقّدة. لكن فقدت اللغةُ بعضاً من حيويتها المجازية الأصلية حين تطورت إلى الأكدية واللغات السامية الأخرى.
ولم يتم إعادة اكتشاف كتابات سومر حتى منتصف القرن التاسع عشر.
تظهر ملامح الشعر السومري في الحامض النووي  للشعر العراقي الحديث والمُعاصر. الأساطير والرموز التي استخدمها الشعراء الرواد (بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي مثالاً) كانت من مؤشرات الحداثة. الشعراء العراقيون الذين شهدوا الحروب والمجازر تلو الأخرى رثوا خراب بلادهم وتضرعوا أحياناً بعبارة ”يا عراق.“ كتابة المراثي عن خرائب المدن كانت شائعة جدًا في الشعر السومري. على سبيل المثال، النص في “مرثية خرائب أور” يخاطب المكان من دون تسميته أحياناً (يا مدينتي، يا بيتي،) وفي أحيان أخرى يسمي المكان باسمه (يا نيبور، يا إسن، يا أريدو.) تتكون ”المرثية“ من أحدى عشرة قصيدة غنائية ومجموعها ٤٣٦ سطراً. القصيدة الخامسة والسادسة تصف تدمير أور ”كعاصفة مدمّرة.“ وإذا تقصينا ذاكرتنا الجمعية سنستدعي بأن الحكومة الأمريكية أطلقت تسمية ”عاصفة الصحراء“ على حرب الخليج. كلا الاستخدامين لكلمة ”العاصفة“ جاء مجازاً فالحرب هي السبب الحقيقي للدمار في كلتا الحالتين. القصيدة الحادية عشرة صلاة لإينانا من أجل إعادة السومريين إلى موطنهم أور.
الإحساس بتهديد أشكال الشعر الحديث كان أسهل من إعادة الميت إلى الحياة. من ناحية أخرى، ساهمت الثقافة الشفاهية للمجتمع العربي في شعبية الشعر العمودي الذي انتشر بواسطة الإلقاء وليس القراءة. كان الشعراء أغلبهم أميين، وقد ساعدتهم أوزان الشعر في حفظ القصائد. كما تزخر بعض القصائد العمودية بإيقاعات ماهرة وصور قوية بحيث أنها حينما تُنشَد أو تُغنّى، تجعل رؤوس المستمعين تتمايل طرباً. ساهمت أسطورة الغناء أم كلثوم وشعراء جيلها في شعبية تلك القصائد الكلاسيكية. إضافة إلى ذلك فإن الشعر العمودي هو الأقرب إلى القرآن إيقاعياً مما يجعله مألوفاً أكثر للأذن العربية. لم تكن شفرات الشعر السومري مألوفة للعراقيين المعاصرين حتى بعد أن أصبحت قابلة للقراءة. ربما كان تأثر رواد شعرنا الجديد بالشعر الأمريكي والغربي أكبر من تأثرهم بالشعر السومري، لكن ثمارهم لها من دون شك طعم الشجرة السومرية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة