الأخبار العاجلة

تراجيديا الأنقاض في مجموعة «سندباب»

عبد علي حسن

يسعى القص القصير جدا الى بث خطابه المعرفي والجمالي عبر آليات لم تعد خافية او موضع جدل واختلاف، كالإختزال والتكثيف والشخصية الواحدة والمفارقة التي يحدثها التحول في وظيفة النص من المرجعية الى الشعرية، فإذا ما أحسن الكاتب استخدام هذه الآليات مع توفر القدرة على اقتناص او تخيل الحدث الصالح لهذا النوع السردي المهم المناسب لحركية العصر المتسارع بعده من الأشكال التعبيرية الوجيزة بتعددية مسميات عنوانه السردي كقصة قصيرة جدا او اقصوصة وغيرها ، فسنكون ازاء نص قصصي يمتلك امكانية النفاذ الى منطقة التأثير الشامل من منطقة محلية الحدث وخصوصيته ، وبمعنى آخر فإن معيارية نجاح مثل هذا النص هي تكريسها للأبعاد الإنسانية الشاملة وقدرته على عبور اللحظة الآنية الى مجالها الشمولي الأرحب.

99 قصة
في مجموعة (سندباب) الخاصة بالقصة القصيرة جدا للقاص والشاعر أحمد جار الله ياسين الصادرة عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع 2019/ نينوى التي ضمت 99 تسع وتسعون قصة ، يلاحظ توفر المعايير التي أشرنا اليها آنفا ، وبإختلاف الموضوعات التي أتت على معالجتها تلك القصص، ولعل في عنوان المجموعة محاولة لوضع تركيب لغوي جديد يشكل انزياحا عن اسم (سندباد) البحار المغامر المعروف برحلاته المتسعة والمثيرة والغرائبية في تخيلها كما تضمنتها سرديات الموروث العربي ذائعة الصيت ، فالعنوان (سندباب) يتكون من جزئين الأول (سند) والثاني (باب) ، ليحيل الى تحول الرحلات السندبادية بين الاوطان والبحار الى رحلات داخلية وراء الباب كما أشار في العتبة الثانية للمجموعة التي تراتبت بعد الغلاف الأول ، ولم اجد ضرورة لهذا التوضيح الكاشف لمحاولة الكاتب في ترحيل الرحلات من الخارج الى الداخل، سيما وإن القصة الأخيرة في المجموعة بعنوان ( سندباب ) تمكن المتلقي من ايجاد تعالق بين (السندباد) و (السندباب) عبر وضع الشخصية في قسم الملفات خلف باب حديدي لينشغل برحلاته خلف تلك الباب ، وكان من الممكن أن يفتتح الكاتب مجموعته بهذه القصة بديلا للمقدمة اذ سينفتح تأويل هذه القصة الى دلالة عنوان القصة وكذلك المجموعة ، ولعل وضعها في نهاية المجموعة محاولة لوضع المتلقي في مراجعة لموضوعات القصص ليعرف انه كان ازاء رحلات عجيبة في الأمكنة والأزمنة المختلفة وان راويها كان قابعا خلف باب مهملة .
ومن بين قصص المجموعة التي كتبت بين 2015 – 2018 عشر قصص تناولت موضوعا واحدا وهو مظاهر الخراب الذي تعرضت له مدينة الكاتب نينوى نتيجة الاحتراب بين القوات الأمنية وتنظيم ما يسمى ب (داعش) وتحول الابنية والمنازل الى مجرد انقاض دفنت تحتها اجساد ساكنيها ، الا ان رؤية الكاتب لهذه الأنقاض قد تجاوزت الرؤية السطحية المنظورة الى رؤية تستبطن حياة اخرى تكشف عن ظاهراتية واضحة لهذه الانقاض بعدها مكانا يمتلك قدرة على التحاور والكشف عن حيوات أخرى تعالقت فيما مضى معه من قبل الانسان ، وستتوضح هذه الرؤية عبر تحليلنا لعدد من هذه القصص التي اختصت بالظاهرة المكانية وكشفت عن تراجيديا تمكنت من النفاذ الى مرجعية المتلقي .

كانت بلا رأس
في قصة ( دم .. ية ) يؤنسن الكاتب الدمية التي تحاول سحب جسدها من فجوة صغيرة تحت انقاض غرفة الأطفال جزءا بعد جزء ابتداءا باليدين ثم الكتفين والبطن ثم القدمين ، وبعد خروجها نفضت عن جسدها الغبار ابتهاجا بنهاية الحرب ( لكنها لم تعرف الى اي اتجاه تسير.. لأنها كانت بلا رأس !! …..النص ص7) ويبث النص جملة من المعطيات المشكلة لوظيفة النص المرجعية ، مثل (فجوة صغيرة تحت انقاض غرفة الأطفال ) و ( مدت الدمية يديها فكتفيها ثم بطنها فقدميها ) وقد شكلت هذه المعطيات المرجعية القسم الأول من النص ، لينتقل الى القسم الثاني الذي شكل انتقال وظيفي من المرجعي الى الشعري ، واعني بالشعري الوظيفة التي حولت انسيابية النص من المرجعي ليشكل هذا القسم الثاني مفارقة مدهشة وهو ( لكنها لم تعرف الى اي اتجاه تسير ) لينفتح النص الى تأويلات عدة من بينها فقدان الدمية لرأسها ، والحال فإننا نرى ان نهاية النص قد تشكلت عند الجملة التي اشرت اليها آنفا دون الحاجة الى الجملة الأخيرة من النص ( لأنها كانت بلا رأس !!) التي كشفت عن لعبة النص الذي كرس تراجيديته في الانهيار الكامل للمنزل الا من فجوة صغيرة تمكنت الدمية من الخروج منها وبصعوبة ، وكذلك الاشارة الى خروج الدمية من تحت انقاض غرفة الأطفال الذين طمرتهم بالكامل انقاض الغرفة ، وكذلك الكشف عن حجم الخراب الذي طال حتى الدمى.
وفي نص ( درس) نقرأ ( بجانب الانقاض التي خلفتها الحرب ظل كتاب القراءة مفتوحا على صفحة (دار دور) ثم قلبته الريح الى صفحة (نيران )…..النص ص 7) يجنح المتخيل السردي الى تخليق معادلة دلالية تنتقل من كتاب القراءة الى واقع البيت المتحول الى انقاض بفعل الحرب، فالدرس المشار اليه يخص تلاميذ الصف الأول من المرحلة الابتدائية ، فالدار والدور الأخرى قد تحولت الى انقاض ونيران التهمت كل الموجودات البيتية بما في ذلك سكان الدور وأطفالها. ليتفاعل ويتعامل معها وفق وجهة نظر تلك القصص بعدها – الانقاض – كائنات تعالقت سابقا مع الانسان .

تحت ركام البيت
وفي نص (ملائكة) نقرأ (تحت ركام البيت ..لا يتحركون.. الأم عظامها في المطبخ تحتضن قدرا فارغا ..هيكل الاب يستلقي مكتئبا في غرفته .. والبنت الجميلة تيبست أصابعها على مشطها.. وحدهم الأطفال يلعبون بصخب مع الملائكة في فناء الدار ..بعد الحرب ……النص ص 8 فالنص يتشكل عبر مشهدية سينمائية تتكون من لقطتين الاولى ثابتة / جامدة وعناصرها الأم / في المطبخ ، الأب / في غرفته ، البنت/ تيبست اصابعا وهي تمشط ، كما انها – اللقطة – تكشف عن الوضع الذي ثبتت فيه هذه العناصر اثر تهدم البيت عليهم ، فالأم تحتضن القدر ، والاب مستلق بكآبة في غرفته ، فيما كانت البنت تمشط شعرها ، اما اللقطة الثانية في هذه المشهدية فهي لقطة متحركة لأطفال البيت وهم يمرحون ويلعبون بصخب مع الملائكة دون اكتراث لما يحصل في البيت المهدم ، لقد كونت هذه الانتقالة في رسم حركية النص الوظيفة الشعرية للنص ، للإشارة الى حدث حركي بالضد من سكونية اللقطة الاولى الثابتة ، ولعل جملة ( بعد الحرب) لم تحقق الدهشة التي تكفلت بها اللقطة المتحركة ، اذ اراد الكاتب ان يشير الى سبب هدم البيت هو الحرب فقط ، ولا تغير هذه الإشارة من تمكن النص في بث المشاعر الإنسانية لوضع الأطفال الابرياء بلعبهم بعد موتهم ايضا نتيجة هدم البيت مع الملائكة . وعلى مستوى بنائية النص فإن اللقطة الساكنة الأولى قد تكفلت بتحقيق وظيفة النص المرجعية / الخبرية المستقرة في الواقع بعدها حدث ممكن الوقوع الا وهو تهدم البيت على من فيه بسبب الحرب ، فيما تكفلت اللقطة المتحركة المشكلة للقسم الثاني من النص بالوظيفة الشعرية المتحولة عن نسق القسم الأول وهو ما حقق لحظة الادهاش في النص ، وهو بقاء الأطفال يلعبون مع الملائكة في حين ثبتت وضعية افراد العائلة الآخرين على سكونية الموت ، لقد اختزل النص كل ما يتصل بقبلية المتن المكتوب ليضع المتلقي امام الإحاطة بحيثيات وامتداد الحدث.
وفي نص ( مفتاح ) يتجه الكاتب الى الكشف عن الرؤية الداخلية للبطل فنقرأ ( بعد الحرب عاد الى بيته الذي تساوى مع الأرض، وقف أمام البيت منذهلا .. حاول ان يجد عذرا لعدم الدخول خشية من هيجان ذكرياته .. فلم يجد عذرا افضل من نسيانه مفتاح البيت …… النص ص 15)، اذ ان الرؤية الداخلية للبطل شكلها الوهم بوجود البيت قبل الهدم ، ومحاولة تصديقه لوجود البيت، ولعل تكرار مفردة ( البيت) هي تماهي النص مع البطل الذي حاول تكذيب هدم البيت ومساواته بالأرض ، وتهدمت معه جميع ذكرياته التي ارتبط تكونها مع وجود البيت ، اي ان البيت كان حاضنة طبيعية للذكريات التي وجد البطل في تصديقه لهدم البيت هيجانا لتلك الذكريات التي هي الأخرى تهدمت ، ويظهر التفسير الظاهراتي للمكان في هذا النص بشكل جلي وواضح عبر ارتباط الذكريات بالمكان المكون لها او حاضنا لها ، وللخروج من مأزق التصديق بهدم البيت ، ولتكريس فكرة بقاء البيت سليما والذكريات التي تتوزع البيت ، فإن النص يقترح وبمتخيل ذكي فكرة الايهام بنسيان مفتاح البيت ، ليقطع الطريق أمام فكرة الدخول اليه ، ليشكل هذا المقترح المفارقة المدهشة لحل تناسب كثيرا مع جملة الافكار والايهامات التي تلبست شخصية البطل منذ وقوفه منذهلا أمام بيته المهدم .
وبنفس المستوى من المعالجة كانت القصص الأخرى التي توحدت في موضوع ( الانقاض) التي كانت نتيجة للعمليات الحربية لمدينة الكاتب الموصل ، ومقتربا من المكان المنتهك وساكنيه ، ولعل الاهتمام بهذه الموضوعة تعكس الهم الإنساني الذي اعتمل في ذات الكاتب أحمد جار الله ياسين وهو يبصر بأم عينه ما اصبحت عليه البيوت والامكنة وتحولها الى انقاض لاتزال تحكي قصصا وحكايات وذكريات حملها الراحلون منهم والأحياء ، ولعل القاص احمد جار الله في مجموعته هذه ( سندباب) يضيف منجزا مهما ومؤثرا لهذا الفن السردي الصعب – القصة القصيرة جدا – ليس على مستوى السرد العراقي بل العربي أيضا .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة