الأخبار العاجلة

رئاسة حكومة إقليم كردستان بين الحكمة والتهور السياسي

أيوب بابو بارزاني
كاتب عراقي
في العام 2017 شهدت منطقة الشرق الأوسط أحداثاً مهمة، والاستفتاء الذي جرى في يوم 25 سبتمبر/أيلول 2017، في كردستان-العراق-واحد منها، وقد جلب اهتمام الكثير من الجهات الرسمية وغير الرسمية ومن المراقبين السياسيين في انحاء العالم. وكان الشعار: «هل تريد أن يصبح إقليم كردستان والمناطق الكردستانية خارج الإقليم دولة مستقلة؟».
يهمنا هنا كيف تصرفت الأحزاب السياسية على شتى توجهاتها الأيديولوجية، الصحافة والمثقفون ورجال السياسة والبرلمانيون الكرد فيما يخص هذا الاستفتاء. والأهم هو ان نتوصل الى قناعة واضحة عن مدى نضوج أو تخلف الوعي السياسي في مجتمعنا بعد 24 عاماً من استقلال شبه تام وإدارة كردية، حكومة وبرلمان وأجهزة أمن وشرطة وقوات مسلحة وميزانية كبيرة ومطارين دوليين ومساعدات ودعم من دول العالم؟
من السهل دغدغة العواطف القومية في مجتمع ساذج يجهل جوهر قادته وينقاد من دون تحفظ وراء «قائد» يعد شعبه بتحقيق حلمه في انشاء دولته المستقلة، من دون النظر الى الواقع الحيّ الذي عاش فيه في ظل السلطة المطلقة لهذا «القائد» لفترة امتدت 24 عاماً.
هل نجاح «القائد» في اقحام شعبه في مغامراته وطموحاته الشخصية، بعد ان أعيته الحيل وسدت في وجهه المنافذ، فالهدف غير المعلن والأهم في كل المناورة هو البقاء «رئيساً حتى النهاية وجعل المنصب وراثياً» هل تنم عن ذكائه؟ أو سذاجة وتخلف مجتمعه؟ وجبن مثقفيه؟ أم دليل على تنامي ظاهرة الانتهازية والفساد على أوسع نطاق في صفوف المثقفين الكرد ورؤساء الأحزاب الكردية الى حدود انهم اختاروا الجيوب المليئة بدل التمسك بالقيم الوطنية وكرامة الامة وحكم التاريخ.
السؤال الأهم في هذه الحالة، وقد تم تجاهله عمداً: هل القرار حول الاستفتاء نابع من الحكمة والحنكة السياسية؟ أم نابع من التهور والغطرسة الفارغة؟ دوافعه الحقيقية؟ تربيته؟ خلفياته؟ علاقاته الخارجية؟ القائد والمال؟ ماذا عمل بالقانون وبالحياة الديمقراطية والحياة البرلمانية وحرية التعبير وعن الإدارة البوليسية الى أقامها في المناطق الخاضعة لسيطرته المباشرة؟ كان من الواجب ان تحلل جميع هذه المواقف ليس على ضوء ما تبثه أجهزة الاعلام الحزبية الغارقة في الكذب من العيار الثقيل، بل أفعاله وتشخيص نواياه والتي لا يظهرها، بل يخفيها تحت شعارات براقه لتضليل المجتمع؟
القرارات المبنية على الحنكة السياسية هي قرارات ناضجة تنبع من الخبرة العميقة ورؤية العواقب قبل البدء بالخطوة الأولى، ولن تتفاجأ بإجراءات الطرف المعادي، فقد احتاطت لكل التوقعات، بعد ان حصلت على ضمانات خارجية وداخلية، وتسير بخطىً ثابته نحو تحقيق أهدافها. وهي قد رسخت مسبقاً منذ أعوام البنى التحتية التي تقوم عليها الدولة مع جميع مقومات البقاء للشعب حتى زوال المخاطر التي تهدد وجوده وهويته!
أما ممارسة السياسة بالتهور أو الحماقة، فتتأثر بالمزاج الشخصي العاطفي، ويختفي منطق العقل والروية والتحاور. ويقود الى اتخاذ مواقف ارتجالية وغير مدروسة العواقب. وفي هذه الحالة يريد «الرئيس» أن يكون محط أنظار الجماهير تصفيقا واعجاباً لعظمته وعبقرتيه الفريدة، قائد من هذا الطراز مغرم بالمديح كذباً، سريع الغضب، لا يميز بين العدو والصديق، ويتوهم بأنه أعقل الناس ويرى نفسه في مصاف القديسين وفوق المسائلة. خاصة انه يعرف انه حول أسلوب تفكير حزبه المدجن والجماهير الساذجة والمثقفون الانتهازيون الى «عقلية القطيع» التي لاتعرف شيئاً آخر غير الانقياد الاعمى والتصفيق «للبطل القومي».
وعندما يتأكد»الرئيس» من تفعيل «عقلية القطيع»، يزداد تجاهله للحقائق على أرض الواقع، ممعناً في المعاندة بحيث يغمض عينيه عن رؤية الواقع كما هو.
رجال «القائد» الذين عينوا في مناصب وزارية في بغداد حالة تبعث على الرثاء، هؤلاء «ابطال « في كردستان لاتشوب سمعتهم شائبة، والويل لمن لايمدحهم ويعظمهم. هؤلاء يقضون فترة في الوزارات، لكن مناخ بغداد ليس مناخ كردستان.
كردستان مرتع خصب للقادة «اللصوص»
المناخ السياسي في بغداد لايسمح بالتمادي في الفساد والاختلاسات، فينكشف جوهر وزراء «الرئيس».
ويعادون الى كردستان ومعهم شهاداتهم «كلصوص» محترفين».
ردّ فعل «الرئيس» تبني العصبية انتقاماً من بغداد ومن الشعب الكردي نفسه.
وما ان يصلوا مطرودين من بغداد الى كردستان، يعاد تأهيلهم وإعادة الاعتبار لهم، كأبطال الشعب الكردي، يعينهم «الرئيس» في لجان النزاهة ويستمرون. بهذا الأسلوب يفهم الشعب الكردي انه «شعب مُحقرّمن قيادته.»
ففي عرف «الرئيس» وهذا معمم في جميع المناطق تحت سيطرته المباشرة، «ليست هناك ظاهرة اختلاس للأموال العامة» أو بنحو أدق، الفساد قائم في القمة لاشك في ذلك، لكن ممنوع منعاً باتاً الإشارة اليها حتى همساً.
قانون الصمت مطبق بحذافيره في كردستان!
وبهذه الصورة يتصرف «الرئيس» وأقرباؤه ومجموعة من موظفيه وكأنهم منزهون عن كل تهم الفساد والسرقات. فالنظام الذي أقامه ورسخه لأعوام طويلة هو (نظام كليبتوكرات) حكومة تسرق قوت شعبها. لقد تصرفوا مع الإقليم كمستعمرة وهم كقوات محتلة همها الاستحواذ على الثروة والمال!
ويصل الأمر، بمنطق ممارسة السياسة بالتهور، أن يعلن بعصبية ظاهرة، وسط تصفيق الجماهير المنتشية بالخطابات الحماسية الفارغة وهو يخاطب ويحذر دول العالم:
اننا لا نقيم قيد انملة اعتباراً لأي كائن كان! ان لم نتخلص من هؤلاء القادة فمستقبلنا ومستقبل الأجيال المقبلة معرض لمخاطر جسام.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة