الأديب العراقي بين التهميش ومشروعه الإبداعي

مهند صلاح

العديد من الدول و بكافة مؤسساتها تعي جيدا بأن الخط البياني لتطورها و إرتقائها الى المستوى الذي يجعل منها من البلدان المنتجة للوعي، لن يتصاعد و يكون بالاتجاه الصحيح ما لم تدعم شريحة الأدباء و توفر لهم أبسط المتطلبات التي يستطيعون من خلالها أن يمارسوا دورهم في عمليات الإنتاج الفكري، و الذي بدوره سيحقق لهذه الدول مكتسبات عديدة.
من أهمها هو المصالحة مع الشعوب التي أصبحت تعي جيدا بأن الطريق الأمثل لتطورها هو الإنصياع خلف (أدبائها) و مثقفيها الحقيقيين الذين يرسمون لهم مستقبلا يلبي طموحاتهم في إنشاء مجتمعات تبتعد تماما عن شراهة الحروب و مخلفات الساسة التي ستنخر الأمل في تحقيق (الفعل الإنساني) كبديل عن العنف و الكراهية و صناعة الموت.
و إن تحقيق كل هذا لن يتم إلا بوضع آليات و سياسات ممنهجة توفر المساحة الكافية لهذا الأديب كي يمارس فعله الإبداعي. و من أهم هذه السياسات هو تعديل المستوى المعاشي و الإهتمام بمصادر الدخل لهؤلاء الأدباء.
و الدفع بهم للإستقلال تماما عن سلطة (المفكر السلطوي) الذي قد يستغل حجم الفوضى و الخراب التي تغطي كاهل الطبقة المثقفة، كي يوظف بالتالي جيوشا من المفكرين لرفد رغباته في تحقيق ما يطمح له للوصول الى سدة الحكم، أو إستغلال الأثر الذي سيتركه هذا المثقف في عقول (القراء) كي يستميل الإتجاه العام لإختياراتهم في من يمثلهم على مستوى تولي زمام الحكم.
هذا بالاضافة الى محاولة تسخير إمكانيات الآلة الإعلامية بكافة صنوفها لخدمة هذا الأديب و رفد طاقته القادرة على (الإنتاج المعرفي)، و ليس العكس.
كجعل هذه المقدرات الإعلامية تقف بالضد تماما مع أي نتاج يكون مخالفا للسياسة التي تنتهجها هذه الجهة أو تلك ممن تسيطر على مقدرات الدولة.
كان السعي دؤوبا و مستمرا لبعض من ممثلي الحركة الأدبية في العراق على تحقيق موازين جديدة للكف من سياسات التهميش و الإقصاء و الإستغلال للمشاريع الفكرية، لكنها بالتالي فشلت فيما تصبو له، أو إستطاعت أن تحقق قسما منها عبر الرضا بأنصاف الحلول التي وهبتها لها الحكومات بتعاقبها، ك (منحة وزارة الثقافة) أو الهبات التي يتصدق بها هذا أو ذاك من المسؤولين الحكوميين بعد أي لقاء يعقد معه من قبل الممثلين لشريحة الأدباء.
لتتحول القضية بالتالي من حقوق مشروعة الى عمليات أشبه بالإستجداء.
هي بعيدة تماما عن طموحات (الأدباء) في الحياة الكريمة، و التركيز على الخروج بواقع ثقافي يكون بالمستوى الذي ينشدون له.. نحن بحاجة ماسة و حقيقية الى تسخير كل القدرات التي تزخر بها الساحة الثقافية لممارسة عمليات ضغط مباشرة على الجهة التشريعية في إصدار قوانين تراعي المكانة الفكرية للأدباء العراقيين و تنتشلهم من الواقع البائس الذي يعيشون فيه و يموتون على أعتابه.
هذا مع الاخذ بنظر الإعتبار بأن (الإتحاد العام للأدباء و الكتاب في العراق) و غيره من المؤسسات الفنية و الإعلامية، لا زالت حتى الآن تخضع لقوانين (مجلس قيادة الثورة) للنظام السابق.
و هو ما يجعل الجهة التشريعية ممثلة (بالبرلمان العراقي) متهمة بإهمال المؤسسات الثقافية المتعمد بعد مرور أكثر من 13 عام على إندثار هذا النظام. مما يستدعي منا المطالبة الجادة و الحقيقية على إقرار قوانين جديدة تنصف شريحة الأدباء و تبتعد بهم عن الكوارث التي تحيط بهم من كل مكان.
الأدباء الذين يفتقرون في غالبيتهم الى (قطعة أرض) أو (وحدة سكنية) و القسم الأكبر منهم يعيش تحت مستوى الفقر، و قد أكلت منهم الأزمان و شربت الى الدرجة التي لا يمتلكون فيها ما يسد قيمة الأمراض التي تحل بهم، و بالتالي يموتون على (نفقتهم الخاصة جدا) أمام أنظار الحكومات و البرلمانات بتعاقبها.
لا زلت أتذكر بأن (النظام السابق) رغم همجيته و دمويته قد إستثمر الكثير من الطاقات الإبداعية للأدباء العراقيين عبر محاولة توفير فرص عمل لهم في الصحف و المؤسسات الإعلامية في دوائر الدولة آنذاك.
لأنه يدرك تماما بأن هؤلاء الأدباء سيشكلون ثورة حقيقية لن تنطفئ الا بإندثاره ما لم ينتشلهم من الواقع الذي يعيشون فيه. و هذا ما أنا متأكد بأنه سيحصل مع الحكومات بتعاقبها إذا ما إستمرت في سياساتها الممنهجة بإهمال (الأدباء) و تهميشهم، و عدم سماع أصواتهم.
ان الفرصة ما زالت سانحة أمام الجهتين (التشريعية و التنفيذية) لإبداء حسن النية أمام جيش من العقول و الأفكار، قبل أن يضجوا و ينتفضوا على واقعهم البائس، و عندها لن يفيد الندم ..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة