الأخبار العاجلة

عندما تخاض المعارك بالصور

عبد الكريم قادري ـ الجزائر:

كشف الباحث السينمائي الجزائري أحمد بجاوي، من خلال كتابه الصادر حديثاً، والمُعَنْوَن بـ)السينما وحرب التحرير…الجزائر ومعارك الصّور( عن\ منشورات الشهاب، العديد من الجوانب التي كانت خفيّة حول تأسيس السينما الجزائرية، والرجال الذين ساهموا، بشكل أو بآخر، في صناعتها وتحويلها دعايةً مُجدية وصوتاً مدوِّياً لجبهة التحرير الوطني، ويُسلِّط الباحث الضوء على الأجانب الذين يُطلق عليهم تسمية «سينمائيّو الحرّيّة»، بوصفهم من معتنقي الفكر الحُرّ، ومؤيِّدي استقلال الجزائر، ناهيك عن الخبرة التي يملكونها في مجال تقنية الكاميرا، وإلمامهم بمبادئ السينما؛ ما ساهم وساعد، بشكل كبير، في إعادة رسم خارطة جديدة، وخطٍّ موازٍ للعمل المسلَّح، وهي «الحرب بالصور» التي ركّزت عليها جبهة التحرير الوطني لمجابهة الآلة الدعائية الجهنمية للاستعمار الفرنسي، الذي ما انفكّ، طوال عقود من الزمن، يوصل الفكرة والهدف الذي يراه مناسباً، ليخدم مصالحه، كي تكون الجزائر فرنسية، وكي تبقى كذلك، بحسب معتقدهم؛ لهذا أَمَر المناضل الكبير عبان رمضان بتأسيس مختبر للصورة وخليّة اتّصال في تونس، من أجل دعوة شبكات التليفزيون الأميركية والأوروبية لتغطية الأحداث، وتدويل القضية الجزائرية عالمياً.
يذكر بجاوي أن معركة الصورة بدأت في الظهور سنة 1956، على يد سينمائيين انضمّوا إلى هذه الخليّة من أبناء الجزائر، أومن الخارج، وعلى رأسهم الجزائري جمال شندرلي الذي لعب دوراً حاسماً في تصويره للعديد من الصور في قلب المعركة، ناهيك عن أجانب: فريق منهم قرَّر أعضاؤه الانضمام إلى جبهة التحرير الوطني، وفريق ثانٍ قرّر أعضاؤه أن يكونوا أحراراً، يخدمون الثورة الجزائرية على طريقتهم.
وقد أظهر أحمد بجاوي العديد من الحقائق التي كانت مغيّبة حول السينمائي الجزائري جمال شندرلي، الذي كان متمكِّناً من تقنيات السينما، ويملك خبرة تعود إلى سنوات الأربعينيات، حيث كانت له علاقة مع أوّل سينمائي جزائري، هو الطاهر حناش، حيث تشارك معه في إنتاج فيلم (غوّاصو الصحراء)، سنة 1942، كما كان مراسلاً للعديد من وكالات الأخبار، وعليه فإن الفضل يعود إلى هذا الرجل في وضعه للنواة الأولى التي بدأت من خلالها حرب الصور، إذ التحق بالجبال، وهناك صَوَّر عمليات المجاهدين وحياتهم وطريقة عيشهم وكيفية تقبُّل العائلات الجزائرية لهم، وتشاء الصدف أن يكون حاضراً في أحد العمليات الكبيرة، في منطقة الميلية، بالشمال القسنطيني، حيث صَوَّر عملية قصف الاستعمار الفرنسي للسكّان بـ»النابالم»، لتكون هذه من أحد الوثائق المصوَّرة والمهمّة، وهي دليل دامغ على همجية الاستعمار الفرنسي الذي ادّعى، أكثر من مَرّة، أنه لا يستعمل سلاح «النابالام»، وقد استُعمِلت هذه الوثيقة المهمّة التي أرسلها جمال شندرلي، عن طريق أخيه عبد القادر، إلى الأمم المتحدة.
بعد الاستقلال- وللأسف- تمّ تهميش هذه الشخصية السينمائية الكبيرة، بعد أن عُهِد إليه بأن يكون مشرف عرضٍ سينمائي في المركز الثقافي الجزائري في باريس، وتَمَّ حرمانه من تحقيق أحلامه في إخراج أفلام روائية طويلة.
ويُبرِز الكتاب أهمّيّة «سينمائيّو الحرّيّة» في تدويل القضية الجزائرية، عن طريق الصورة الملتقَطة، من بينهم رونيه فوتيه الذي أشرف على تدريب بعض الشباب الجزائريين في الجبال، و(سيسل دي كوجيس) التي تَمّ سجنها بسبب نشاطها مع الثورة الجزائرية، و(بيار كليومنت) الذي قُبِض عليه في منطقة عنابة، وهو مُحَمَّل بعشرات من الأشرطة حول البغال، و(جاك شاربي) الذي انخرط في شبكة (جانسون) سنة 1958، والذي تَمَّ القبض عليه وزُجَّ به في السجن، لكنه فَرَّ منه سنة 1960، ومن ثَمّ التحق بجبهة التحرير الوطني في تونس، بعد أن استطاع تهريب زوجته (آلين)، وهناك التقى بعائلة (شولي)، وعن سبب التحاقه بالجبهة يقول (شاربي) إنه قرأ كثيراً لكاتب ياسين الذي فتح عينه على شرور الاستعمار، وعليه قام بتجنيد العديد من الممثِّلين والممثِّلات والسينمائيين لخدمة الثورة الجزائرية، من بينهم، (سيرج ريجياني)، (مارينا فالدي)، (أوديت بيكي)، (يان لو ماسون)، (جاك تريبوتا)، (كاترين سوفاج)، (اولغا بويلياكوف)، (فرانسيسكا سولفيل)، (كلود فينسي)، (روجيه بلين)، (جون ماري سيرو)، وغيرهم.
ويذكر أحمد بجاوي ذكاء جبهة التحرير الوطني وفطنتها، التي أنتجت فيلمين: واحد بعنوان (جزائرنا)، وهو عمل مشترك بين مجموعة من السينمائيين، من بينهم لخضر حامينا، وفيلم (ياسمين)، الذي أخرجه شندرلي وحامينا، وتَمَّ عرضه في نيويورك على هامش الجمعية العامّة لهيئة الأمم المتحدة، سنة 1960، حيث كان فيلم (جزائرنا) موجَّهاً للعقل، إذ تَمَّ، من خلاله، تصوير تدريبات جبهة التحرير الوطني، وانضباط جنودها، وهذا لإبعاد فكرة العاصبة وقطّاع الطرق التي روَّجت لها فرنسا، أما الفيلم الثاني (ياسمين) فقد كان خيالياً، تَمَّ توجيهه من أجل استجداء العواطف وتحريك مشاعر القلب، وهو فيلم يعتمد على رؤية الأحداث من طرف عيني طفلة صغيرة، لتكون النتيجة بأن صادقت هيئة الأمم المتحدة على وثيقة تعترف بحقّ البلدان والشعوب المستعمرة في نيل الاستقلال، وليكون هذا التصريح الذي يحمل رقم 1514، الصادر بتاريخ 15 ديسمبر، 1960، والذي وافقت عليه أغلبية ساحقة، قُدرِّت بـ89 بلداً، ما عدا 9 دول، من بينهم فرنسا، كونهم ممن يملكون مستعمرات، فتكون هذه الخطوة صفعةً أخرى في وجه المستعمر وانتصاراً للجبهة، وخطوة نحو الاستقلال.
يواصل بجاوي إحياءه لذكرى العديد من الأسماء والبلدان التي ساهمت- بشكل كبير- في حرب الصور لصالح القضية الجزائرية، من بينهم (ستيفان لابودفيتش) و(زدرافكو بيكار) و(كارل غاس) الذي ينحدرون من دولة يوغسلافيا، هذه الأخيرة التي قدمت الكثير للثورة الجزائرية، من خلال اعترافها- رسميّاً- بالحكومة المؤقَّتة في 12 مايو/حزيران، سنة 1959، وهذا ما فجّر غضب فرنسا عليها، إذ سحبت وفدها الدبلوماسي، وقطعت علاقتها بها، ولإبراز دور هذه الدولة التي كانت تحمِّض معظم الأفلام التي يتمّ تصويرها، فقد وَقَّعت سنة 1960 على اتّفاق تعاون بينها وبين الحكومة الجزائرية المؤقَّتة، تقوم، من خلاله، بتقديم الدعم التقني السينيماتغرافي، وهذا تحت إشراف (لابودفيتش)، هذا الأخير الذي جمعته صداقة قويّة مع كلٍّ من هواري بومدين، والشاذلي بن جديد.
كتاب (السينما وحرب التحرير)، مُؤلَّف مهمّ، يوثِّق لمرحلة مهمّة من مراحل الجزائر، ويزيل الغبار عن العديد من الأسماء التي قدمت الكثير للثورة الجزائرية، لكنها لم تنل سوى التهميش بعد الاستقلال، وهذا نتيجة لصراعات داخلية حول أسبقية ودور كل سينمائي على حساب الآخر.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة