الأخبار العاجلة

متى يكون المثقف خائناً؟

د.عامر الوائلي

المثقف علامة تنويرية -يفترض به بوصفه مثقفا- التأكيد على قيم التسامح والحوار والاعتراف بالآخر، و يمثل صلة عميقة بقيم ما بعد الحداثة عندما يكون هدفه ازالة قيم العنف والإرهاب التي تضرب بعمق ممكنات التعايش الانساني وتؤكد قيم الصراع الوحشي الذي يحط من الانسان.
متى يكون المثقف خائنا؟ يكون ذلك عندما يرهن قيمه للشيطان مقابل الشهرة الاعلامية والمميزات المالية، على حساب مصائر من يدعي تمثيلهم، ويحدث هذا عندما يتحول الى مجرد مروج لقيم الاستبداد وأفعالها القائمة على العنف والقتل والإبادة. ان البحث يدفعنا الى الحفر في دلالة مفهوم المثقف والنظر الى شخصية المثقف الاجتماعية، ولابد أن يصدمنا بازدواجية شخصيته وسط المجتمع الذي يحيا فيه، اذ يقوم هذا التوتر بين النقل –المحافظ لقيم السلف من جانب، وعلى التجديد الخلاق من جانب اخر ومن ثم توضح هذه الاجابة هذه الازدواجية بحد ذاتها وفي جزء كبير منها إجابة عن حدث التاريخ ومسيرته. فالمثقفون يشكلون نوعا من التناوب بين بنى النظام عند المجموعة وتأثيرات الحدث المحتملة(1)، بمعنى ان المثقف يكمن في هذا الالتقاء بين افق الماضي وافق المعاصرة ومن خلاله ياتي انصهار الافاق في جدية المعالجة التي تنتمي الى هذه المساحة المتاحة من البحث وتاريخية المعرفة، فهو ينطلق في احداث اضافته واجتراح تاويله بما يقدم من اضافة في حل مشكل واقتراح حلول له، (فالثقافة هي ماضٍ، كما هي حاضر ومستقبل، ففي كل ثقافة شق موروث سلفي، وشق اخر يكتسبه الخلف بالقوة من الانماط الثقافية السائدة والمؤسسات التي تقوم بإنتاج وإعادة الإنتاج الثقافي) (2). هنا يظهر جانب اخر للمثقف، ففي الوقت الذي يكون فيه منطلقا من القيم الكونية فهو شخص كوني وكونيته من خلال التزامه بقيم الحقيقة في مختلف دوائر النشاط الانساني، لكنه في الوقت نفسه فاعل ملتزم بمجتمع وثقافة محددة وهنا تاتي محليته، ومن ثم لايمكن تقديم الكونية على حساب رهانات الهوية المحلية ومعاناة الناس الذين ينتمي لهم المثقف. لكن هناك من يهرب من المحلية الى الكونية او من يهرب من دور التجديدي الى السلفية والتكفيرية. هناك امر اخر، فالمثقف لايدرك نسبيته، فهو ينتمي الى قيم الحداثة وما بعدها، فهو ليس وصيا على عقول الناس بقدر ماهو متخصص في حقل المعرفة فيمارس دوره بمهنية وشفافية وموضوعية بعيدا عن التضليل الاعلامي والارتهان الى السلطة. فالثقافة بالنهاية هي علاقة وظيفية تستهدف إشباع حاجات محددة من خلال نشاط يتعاون فيه الناس، يبتدعون له ادوات ثقافة ويستهلكون بضاعة ثقافية. من هنا نجد ان بعض المثقفين انزاحوا عن ذلك، واخذوا يمارسون دورا يقوم على الوصاية على الآخرين انطلاقا من ان المثقف يمتلك الحقيقة، وغيره متهافت مرتد او رجعي خائن. وبدل أن يكون المثقف مبشرا بالنسبية والموضوعية في التفكير أخذ يتحول الى حارس للعقائد وصانع للحروب مروج للكراهية واصنامها. وهذا ما يمكن ان نتوصل اليه من خلال تحليل التصريحات والحوارات المعلن والمسكوت عنه (فالانسان ليس فقط ما يعيه ويفكر فيه، أو ما يقصده ويريده، ثمة ما يتعدى الوعي والفكر والقصد3)) . انطلاقا من هنا نجد بعض هؤلاء المثقفين تحولوا الى صناعة العنف عندما تحولوا من قيم ايديولوجية طالما دافعوا عنها وناضلوا من اجلها وجرموا من يخالفها، الى اخرى مناقضة لها من قيم الماركسية او ما بعد الحداثة، الى قيم الارهاب بتناقض كبير. فما هي الاسباب التي تكمن وراء هذا التحول الحزين الذي يجعل المثقف ينقلب على مبادئه بشكل كامل، مدعيا – بعض الاحيان – بانه مازال متمسكا بما آمن به كونه يمنحه مشروعية. ففي احيان اخرى ينقلب المثقف المتحول الى النقيض تماما من اليسار المنفتح بأبعاده العقلانية الى اليمين المنغلق بصورة الارهابي ويغير معها لغته المادية الى لغة لاهوتية يتهم فيها من يخالفه بالردة والكفر. وهكذا لا يخون المثقف مبادئه فحسب بل الناس الذين ينتمي اليهم ويدعي تمثيلهم. والتمثيل إذن وجود من أجل الآخر)(4)، فرغم التشبه بالقيم الكونية فانه يرتهن الى المبادئ النفعية مع رهانات الاعلام والشهرة عندما يرهن ارادته الى صحيفة او محطة او مركز بحوث يغذي العنف والكراهية باشكال واساليب متنوعة. كل هذه تحولت الى سلطات يقدم لها المثقف خدماته على حساب الموضوعية وبحجة الكونية، مدعيا تمثيل الناس بينما هو في الحقيقة لايمثل الا نفسه.

* أكاديمي من العراق
1 – من المقدمة: جيرار ليكلرك، سوسيولوجيا المثقفين ، 2008،ص5
2 – عبد الغني عماد، سوسيولوجيا الثقافة، مركز دراسات الوحدة العربية، ،2006، ص87
3 – علي حرب، الاستلاب والارتداد، المركز الثقافي العربي 1997،ص13
4 – من اضاءات المترجم ،جوديثبتلر، الذات تصف نفسها

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة