الأخبار العاجلة

النازحون.. أمل يتعاظم أم مشكلة تتفاقم؟

عبدالزهرة محمد الهنداوي

فيما يتراكض (الساسة) هنا وهناك خلف هذا السفير وامام ذاك الغفير من اجل الحصول على موقع هنا او هناك في مرحلة سياسية مقبلة يعتقدون انهم سيكونون قادتها .. وفيما يواجه العراق ازمة مزدوجة اقتصادية – امنية .. يبقى النازحون يواجهون اصعب الظروف واحلكها ، بردًا وحراً ، شمساً ومطراً ، جوعاً وعطشاً ، وربما امتهاناً ، لاسيما ان اعدادهم لم تكن قليلة فنحن نتحدث عن نحو 4 ملايين نازح عراقي يمثلون نحو عشر عدد النازحين في العالم البالغ 65 مليون نازح.. حرموا من بيوتهم ومدارسهم وكل مايملكون ليبقوا تحت رحمة المساعدات التي لن تكون كافية وان اشترك في توفيرها الكثير من الجهات الاجتماعية والحكومية وحتى الدولية ، من دون ان ننكر جهود الحكومة والجهود الداعمة لها التي نجحت في توفير جانب من المتطلبات الاساسية للحياة سواء للنازحين الذين مازالوا يقطنون في المخيمات او اولئك الذين عادوا إلى ديارهم بعد تحرير مناطقهم من دنس الاحتلال الداعشي البغيض
وحين نتحدث عن النزوح في العراق فهو ربما يمثل ظاهرة ليست جديدة اخذت في بعض الفترات الزمنية جانباً قانونياً عندما تمارس الحكومة عملية التهجير القسري تحت عنوان (ارهاب الدولة لمواطنيها) .. ففي سبعينيات القرن الماضي ومطلع الثمانينيات بدأ النظام السابق بحملة تهجير قسرية لشريحة من المواطنين بدعوى انهم تبعية ايرانية او انهم لايحملون الجنسية العراقية ، والحقيقة ان المهجرين كانوا يحملون فكراً سياسياً معارضاً للنظام ، وقد طالت هذه الحملة اعداداً غير قليلة من العراقيين الاصلاء الذين اصبحوا غرباء في دولة أخرى .. ثـم جاءت عملية تهجير وإبـادة الكرد الفيليين في عام 1980 لتمثل جريمة أخرى تسببت بضياع الكثير من العراقيين..
وهكذا تستمر عمليات التهجير والنزوح ، فمع نشوب حرب الثمان سنوات بين العراق وايران 1980-1988 شهدت المناطق الحدودية لاسيما في البصرة نزوح الكثير من الاسر البصرية هرباً من نار الحرب واتجهوا الى محافظات الوسط وبعضهم لم يرجع مرة اخرى الى البصرة عند انتهاء الحرب .. وعلى خلفية غزو الكويت وما نتج عنه من انتفاضة عراقية في عام 1991 وبسبب القسوة المفرطة التي استعملتها السلطات القمعية للنظام المباد فقد اضطر الكثير من العراقيين الى النزوح من مناطقهم الى مناطق اخرى هرباً من البطش والموت ، تبع ذلك عمليات تجفيف الاهوار الامر الذي دفع ابناء تلك المناطق الى الهجرة والنزوح الى وسط العراق بحثاً عن الاستقرار الاقتصادي .. وخلال حرب اسقاط النظام في عام 2003 شهدت بعض مدن ومحافظات العراق موجات نزوح لاسيما العاصمة بغداد لانها كانت اكثر المناطق استهدافاً من قبل طيران التحالف الدولي .. ولكن كان ذلك النزوح مؤقتاً ..فبعد ان انتهت الحرب بإسقاط النظام ، كانت الاوضاع العامة للبلد تبدو اكثر هدوءا خلال السنة الاولى بعد التغيير ،.. وفي عام 2005 بدأت بوادر نزاع طائفي في العراق حتى احداث سامراء في شهر شباط من عام 2006 لتكون بداية صادمة لفترة سوداء في العراق اذ ;كان حادث تفجير المراقد المقدسة في المدينة بمثابة اطلاقة بدء ماراثون الطائفية كان من نتائجها حدوث موجات كبيرة من النازحين من منطقة الى منطقة أخرى وبدأت الاوضاع في البلاد تشهد توترا شديدا القى بظلال سلبية قاتمة على واقع الحياة التي اصبحت معطلة بنسبة تتجاوز الـ(50) في المائة .. وفي عام 2010 بدأت الاحداث تشهد هدوءا مشوباً بالحذر لم يدم طويلا ، ففي منتصف 2014 انشقت الارض لتخرج لنا داعش في الموصل ثم تمددت الى محافظات اخرى وهذا الظهور المفاجيء انتج لنا موجات نزوح اضافية غير متوقعة وصلت اعدادها الى الملايين ,,قد تسسب هذا العدد المرعب برفع نسبة الفقر في العراق الى نحو 30% ، اذ فقد النازحون تعليمهم وسكنهم ومصادر دخولهم وخدماتهم الصحية وهم يشكلون مانسبته 36 في المائة من مجموع الفقراء في العراق ، والحال ذاته ينسحب على البطالة التي ارتفعت نسبتها الى نحو 21 في المائة ، كما ادت موجات النزوح الى ارتفاع اسعار الايجارات والمساكن بنحو لافت الامر ، ناهيك عن ازدياد اعداد العشوائيات في المحافظات التي استقبلت نحو 2% من النازحين.. ولهذا فان ملف لنازحين يمثل اليوم تحدياً كبيراً وخطيرًا يواجه الحكومة في ظل الازمة الاقتصادية واستمرار العمليات العسكرية لتحرير ماتبقى من الارض ، وعلى الرغم من التخصيصات التي تضمنتها موازنة 2017 الا ان الامر لم يشهد تحسناً ملحوظاً في اوضاع النازحين فهناك الكثير منهم يعيش اليوم في ظروف قاسية ، حتى ان بعثة الامم المتحدة اعترفت ان الدعم الدولي للعراق في مجال اغاثة النازحين واعادة الاستقرار للمناطق المحررة لن يكون كافياً.
وعلى الرغم من ان بيانات الحكومة تشير إلى عودة نحو 50% من النازحين إلى مناطقهم بصورة عامة فيما شهدت بعض المناطق عودة كثيفة وصلت إلى حوالى 75% واخرى 90% ولكن في المقابل مازالت المخيمات تستقبل المزيد من النازحين من مناطق الموصل ، فضلا عن وجود مناطق أخرى غير محررة لحد الان وهذه متوقع ان تشهد موجات نزوح عند الشروع بتحريرها ، وبسبب ضعف امكانات الحكومة في المرحلة الراهنة لانهماكها في عمليات التحرير من جهة والانشغال بتوفير متطلبات ديمومة الحياة من جهة اخرى، فان الامر يتطلب تحركاً كثيفاً باتجاه المجتمع الدولي ، ولعل زيارة رئيس الوزراء العبادي إلى واشنطن ولقاءه الرئيس ترامب وكبار المسؤولين الاميركان تحمل معها موقفاً اميركياً داعماً للعراق وهذا الدعم ينبغي ان يترجم من خلال مساهمة الشركات الاميركية والدول الحليفة لواشنطن في مكافحة الارهاب والتطرف في العالم في عملية اعادة الاعمار وجمع المنح الدولية استكمالا لما حصل عليه العراق من مؤتمر واشنطن في تموز 2016 بعد ان قرر المجتمع الدولي تقديم مساعدات بقيمة تجاوزت الملياري دولار ..
واعتقد ان المواقف الدولية التي بدأت تتبلور بوضوح تمنح العراق القوة لمطالبة المجتمع الدولي بالمزيد من الدعم خصوصاً بعد توقيع مجموعة الاتفاقيات التي حصلنا بموجبها على قروض ميسرة منها القرض البريطاني والقرض الالماني فضلا عن منح ومساعدات من الاتحاد الاوروبي ودول شقيقة وصديقة .. ووفقاً للمعطيات المتوفرة فان التوقعات تشير إلى ان ملف النازحين ربما سيشهد تحسنا بنحو او بآخر ولكنه سيستغرق وقتاً من الزمن ينبغي مراعاته في اعداد خطة التنمية الخمسية المزمع اعدادها للسنوات 2018-2022 واستراتيجية التخفيف من الفقر للسنوات 2017-2021 فضلا عن توفير متطلبات الدعم والتمويل لصندوق اعادة الاستقرار للمناطق المتضررة .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة