الأخبار العاجلة

هذه خطابة لا غير!

هل يمكن ان نتحدث حقا عن شاعر مهرجان ؟ و اذا كان الجواب بالإيجاب لابد من فحص حدود علاقته بالشعر الذي لا يعني له أبعد من مقتضيات المنصة و استدرار عفوية الاعجاب الطارئ و السريع .. هذا الشاعر ربما ينجح على خشبة الاستعراض نجاحا مؤقتا لكنه هل يصمد امام المعاينة النقدية المتأنية ؟ بل هو هل فكر بها ؟ من اللافت اننا نشهد هذا النوع من الشعراء في مهرجانات الشعر التي نحضرها و الأغرب انهم يستعدون لها استعدادهم لمباراة او مبارزة !
متناسين طبعا أن للشعر وظائف اعمق من هكذا تصور و لعل اهمها وظيفة التأمل العميق التي لا يتيحها الالقاء ساعة قراءة الشعر على الجمهور ، شاعر المهرجان بالضرورة شاعر مناسبة واذا قيل : ما مناسبته في كل مرة ؟ المهرجان ذاته هو المناسبة ، يهتم بحضوره العيني ساعة الإنشاد و لا يسأل عن مصير مدوناته بعد ان يرحل !
في الغالب ينشط مثل هذا المنحى عندما تتردى الذائقة و يغيب الشعر الحقيقي عن المحافل ولا ننسى الادارات الاعلامية للأنشطة التي تسعى الى تنميط بعض الوجوه باعتبارها وجوه إفتاح ! ليبقى الاخرون حشوا للجلسات الفقيرة اعلاميا وكم من الشعراء المهمين في هذه الجلسات ! للأسف اقولها : إنها أزمة ذائقة ، البعض يحتفي بالطرفة ( النكتة ) التي تمر تحت تسمية ( شعر ) او المفارقة البلاغية التي لا تغني على صعيد الاحساس الشعري العميق .. و هناك من الشعراء من يزدهي بنجوميته عندما يقال له : أنت شاعر مهرجان ! ربما لأنه لا يعرف ان الشعر اولا بوح خفي ، اندساس بين الكلمات التي لا تقال ، لا يدرك بالمرة أن الشعر أوسع من القصيدة ، الشعر بوصفه حالة ، ليست القصيدة سوى مظهر لغوي من مظاهر شتى للحالة الشعرية التي تستعصي على التعبير التام او الكامل .. القصيدة قنينة ماء من بحر الشعر ! لا يمكن للغة وحدها ان تنمّ عن الحالة كلها .. نحن نحاول ان ندس اكبر كمية من الشعر في لغتنا لكنها تظل محاولة لا غير ولذا نقول مرارا : أفضل الشعر ما يعاش ، أي ما يتحرر من سكونية الورق الى الحياة ، الورق خطاطة اولى ، إشارات ، رصد لضوء يمر فلا نقبض منه الا بحجم راحة اليد !
ما نقبضه ليس كل الضوء الذي مر بكل تأكيد .. هذا الكلام نقوله لشاعر المنصة ، شاعر المهرجان الذي يتوهم غالبا أن ما في المصباح هو كل الضوء و أن ما في القنينة هو كل الماء ! رفقا بالشعر ايها الخطباء ! أنتم تسمّون الخطابة شعرا و الخطيب شاعرا ! هذه خطابة لا غير !
جمال جاسم أمين

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة