ملحق زاد – جريدة الصباح الجديد http://newsabah.com يومية | سياسية | مستقلة Mon, 24 Jun 2019 18:24:45 +0000 ar hourly 1 124085406 الألوان تدون منطق الاحاسيس http://newsabah.com/newspaper/187391 http://newsabah.com/newspaper/187391#respond Wed, 19 Jun 2019 17:18:45 +0000 http://newsabah.com/?p=187391 أحلام يوسف

يذكر الرسام والنحات الاسباني بابلو بيكاسو ان امه قالت له ذات يوم ان صرت جنديا وسوف تصبح جنرالا له صيت وعزوة في يوم من الأيام، وان صرت راهبا فستكون لك حظوة لأنك يمكن ان تصبح بابا الفاتيكان يوما ما، لكنه حسب قوله، اختار بدلا من كل ذلك ان يكون فنانا وأصبح رساما.
اختار بيكاسو الفن لان الجنرالات والرهبان مناصب لا تحتاج الى حس فني وترافة بالتعامل مع المحيط كما هو الحال مع الفن. اختار الفن لأنه ولد بموهبة عظيمة وجد ان من العدل استثمارها وليس دفنها بأي منصب، او مهنة أخرى. فالكليات العسكرية تخرج عشرات الالاف من الجنود الذين يمكن ان يصبحوا جنرالات وكذلك الحال مع الرهبان، لكن حتى في الكليات التي تعنى بالفن، فلن يصبح كل من درس بها فنانا له قيمة، الا من تشربت روحه بالفن من اول لحظة وقع بصره بها على تفصيلة اثاره شيء ما فيها.
لو أردنا ان نفهم معنى الحرية، علينا ان نتابع فنانا وهو يعكف على رسم فكرة جديدة ألهمه بها شيء ما قد لا نجده ذا أهمية، لكنه بروحه ولمساته عثر على ذلك الشيء المهم الذي لا يراه سوى من تشبعت روحه وفكره بالفن. الرسام او النحات حينما يبدأ بتنفيذ فكرة، يستحضر كل مفاهيمه عن الحرية والجمال لينتج عملا قد ينقل به الواقع بحرية مطلقة، لكن بطريقة ما تجعله مقبولا، حتى ولو كان قبحا والما، او صدمة.
اذن فالفن ليس مجرد نقل لإحساس، ولا نقل لما ترقبه كل العيون، بل نقل ما تلتقطه الروح قبل العين. هناك من يجد ان الفن والمنطق لا يجتمعان! الفن، منطق جديد لا يفهمه الا من درس الفن، ومن حباه الله موهبة ما تصب في تلك الخانة «خانة الفن والابداع»، فالمنطق لا يتعارض مع كونك تنقل صورة بشعة بطريقة تجعلها مقبولة لدى الناظر، بل العكس، هو بذا يحيل التمعن الى القبح القابع بتفصيلة هنا او هناك مقبولا، وقد تكون تلك طريقة لاستيعاب تلك التفاصيل البشعة في الحياة لنتنبه الى ضرورة القضاء عليها، هو رسالة، لكن من يكتبها يستعيض باللون عن الحرف، ليكتب بلون قاتم او مشرق او حتى لون الدم.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187391/feed 0 187391
البوصلة المفقودة في دراما مسلسل الفندق http://newsabah.com/newspaper/187388 http://newsabah.com/newspaper/187388#respond Wed, 19 Jun 2019 17:18:05 +0000 http://newsabah.com/?p=187388 جاسم المطير

الانسان كائن احتفالي، كما الفن أداة هذا الكائن، مما يجعل الممثلين مخلوقين للتعبير عن ذلك الكائن، بوحي من هذا تحركتْ الدراما العراقية، أخيراً لتأخذ دورها بعد ركود طويل. كنا نحن المشاهدين نتملق املا حقيقيا في ان يكون عام 2019 ولادة درامية جديدة، خاصة بعد سيل من إعلانات قناة الشرقية الفضائية وغيرها من القنوات التلفزيونية العراقية، كلها، كانت تؤكد طوفان المشاهدين بالأعمال الدرامية العراقية المبهرة!
ملأت الثقة قلوب المشاهدين حين أُعلن ان نهوض الدراما الجديدة، مسجلة بأسماء لامعة، قديرة، كثيرة، كان من بينها السيناريست النشيط حامد المالكي، الى جانب مخرج نشيط، أيضاً، حسن حسني. الكل توقع مشاهدة مسلسل يتميز بقوة جماعية فنية هائلة، تنفذ الى أعماق المشاهدين لأن قائدي العملية الفنية فيها لا ينشدان غير انتاج عمل فني عنوانه (الفندق) يرتقي الى درجات الفن التلفزيوني الجديد.
لكن بأسف شديد، أقول كلمة (لكن)، بدأ العرض الدرامي مع بداية اول شهر الصيام رمضان، اكتشفنا فجأة، منذ الحلقة الأولى، ان الإعلانات كانت ثقيلة في مزاجها، حيث لم تكن سوى هوس مجاني، فقير فنياً، نشر دخانه حول مجموعة اشخاص عراقيين يعانون، في المجتمع والمسلسل، بؤساً داخلياً مريعاً لكل العراقيين، المراقبين والمترصدين، لأحداث السياسة والمجتمع، منذ عام 2003 وما قبله وما بعده حتى اليوم. كانت حركات المسلسل المتتابعة مقذوفة امام المشاهدين بواقعية مباشرة، ومجانية مستعجلة تغط بحبر على ورق، بلا ضمانة (فنية) ولا عناية (عقلية) لأن اتجاهها ومصيرها لم يغيّر من طفولة الوعي وسذاجته والتصاقها بالمبالغة الإعلانية الشديدة.
يمكن لأي عنصر من عناصر انتاج (مسلسل الفندق) ان يعضّ شفتيه، نادما او شاكيا، إذا ما قام أحدهم بمقارنة سريعة بين مسلسل درامي عراقي او أي من تلك المسلسلات السورية او المصرية.
هناك عدة أخطاء اولها يتعلق باسم المسلسل (الفندق). من الواضح ان (مكان) المسلسل لم يكن (فندقاً) بل كان (نزلاً). الفرق شاسع بين الفندق والنزل. الفندق مكان سكن مؤقت لمسافرين بين المدن لا يعرف بعضهم بعضا إلا بالمصادفة، في حين ان (النزل) مكان دائم لمقيمين متواصلين في مدينة واحدة، قد تستحضر المعرفة، او الصداقة، او العلاقة بتبادل حكايات عديدة بعضها يثلج القلب وبعضها الاخر مخيف، قد يعرف بعضهم اغلبهم وربما يعادي أحدهم الآخر او يصادقه، يختلف معه او يكون تابعاً له إذا صادف ان قدم واحد لآخر عونا لصاحبه من نوعٍ ما. ينطبق هذا تماما على جميع سكان هذا (النزل) بما يحمله من مظاهر الموت والتفاهة والدعارة.
(النزل) كثيرا ما يكون في البتاويين او علاوي الحلة او متفرعات شارع الرشيد وغيرها هي صورة من صور العيش بالكهوف، العقلية والجسدية، المنعكسة عن حال (الزمان) العراقي المعاصر. لم يكن مؤلف المسلسل ولا مخرجه عارفين، كما يبدو، بعادات العيش في (نزل) وقوانينه. لذلك لم ينفذ المسلسل الى واقعية (زمان) حياة الساكنين الدائميين بهذا (النزل) ولم يمتلكا القوة و البراعة لكشف الصورة الواقعية الصادقة في الأوضاع الاجتماعية المتدهورة بالمجتمع العراقي .
ربما هناك الكثير من الذنوب الاخراجية من جانب المخرج امام المؤلف، او ذنوب تكوينية من الكاتب بنظر المخرج، صراع الصواب والخطأ بين الممثلين والمنتجين لم يكشف عنها. كان غريبا ان ينتهي المسلسل بحلقة رمضانية رقمها 21 وليس كما المتوقع 30 حلقة، وأكثر مما يشير الى وجود صراع فردي او جماعي بشأن احداث المسلسل وتطور احداثه حين ردت جميع موضوعات المسلسل الى الوهم والخيال والى الطريقة الشبحية في بناء القصص. المهم ان من الواضح تماما ان تطور المسلسل لم يكن قائما او منتهيا على التكوين النفسي والثقافي، التأليفي والإخراجي.
ابتعد المؤلف ابتعاداً تاما عن واقع الحالة العراقية. ابتعد عن دور واقع العملية السياسية وإدارة الدولة، كأن الفندق ونزلاءه ليسوا متأثرين بالصراع السياسي الحاد، الجاري في هذا (الزمان) بسبب وجود طبقة سياسية عليا، فاسدة ماليا واداريا واخلاقياً. كأن الفندق في بلد ليس فيه سياسيون مستعدون ان يستعيدوا وعيهم على خصومهم بقوة اجنبية، كأن ليس فيه تدخلات اجنبية وليس فيه قضية كردية او تركمانية او قضية ازيدية ولا يوجد فيه إرهاب داعشي.
لا بد من ان أكون صريحا جدا مع مجموعة العاملين في هذا المسلسل فالمديح ليس وحده مظهر الفضيلة النقدية، لكن الهجاء، أيضاً، يمكنه ان يكون تحذيرا لكفاءات درامية عراقية، كي لا تقع مستقبلاً، تحت طائلة السذاجة المريبة، التي وقع فيها مع الأسف كاتب ومخرج مسلسل (الفندق)، بالرغم من محاولتهما، في بعض الأحيان، التحرر من تلك السذاجة بالاستيقاظ المفاجئ لقول بعض الكلام الطيب بين المتحاورين.
لا شك ان الكاتب حامد المالكي يفصح دائما عن انسانيته فيما يكتب بأدبه الدرامي، كما لا اشك في قدرة المخرج حسن حسني على تجسيد المشاهد الدرامية بمستوى عال. الشيء نفسه أقوله عن الممثلين الرائدين محمود أبو العباس وعزيز خيون وعن الممثلة الطليعية سناء عبد الرحمن وجميع الاخرين المتمكنين من تقديم صورة الانسان العراقي في الزمان الحالي، لكن، لا بد أيضاً، من تأشير خلل الواقع الفني، المائل، قليلا او كثيراً، في مشاهد المسلسل عن مقابلة مظاهر الحياة الإنسانية العراقية.
لقد فقد المؤلف نفسه وفقد المخرج فنه في عشرين حلقة حين شردا بسبب تعطلهما الفكري في الحلقة الأخيرة من المسلسل حيث ركزا انتباههما على أشياء جنونية خارجية وجنون شبحية داخلية، ليحققا لنفسيهما ولمسلسلهما نهاية كلية، لا مضمون لها ولا حركة ولا احداث سوى شريط من (الأخبار) وبعض الوعظ والارشاد، بعيدا عن الخوض في نظام الأسباب.
لذا ستكون مقالتي هذه معنية بتناول الاثار الباطلة خلال 20 حلقة من المسلسل. اما الحلقة 21 الأخيرة فاتركها لمروجيها واربابها في الفضائية، التي انتجتها، لأنها (حلقة) مخادعة، ليس فيها انفتاح على الطموح الشعبي، ليس فيها من عطاء الفنون شيء. انما فيها خواطر شخصية ضاع بين اقوالها العمل الدرامي بمشهد ختامي لا يضم غير ادب و فن تلفزيوني محنطين لا يمكن بهما الدخول الى المجتمع بمسدس الشقي المستهتر المدعو واثق وذلك امر لا يمت الى فنون الدراما بأية صلة. مشهد الحلقة الأخير ينفر منه جميع تلاميذ النابغة الذبياني وارسطو وكولن ولسن لأنهم يكرهون النفاق والتلون والضحك على ذقون المشاهدين. حصر السيناريست حامد المالكي جل عنايته في اقوال أخيرة مبهمة ومدائح مبهمة واهاجي لشخوص مبهمة، في حين اعقبه مخرج المدائح والاهاجي، في ان يجعل المسلسل الفاشل تراثا تلفزيونيا، بينما لم يكن في جوهر مشاهده غير نفثة من نفثات تجربة نفسية– أدبية– درامية في زمان عطالة الفن والفنانين بانتحال الدراما بمشهورات تلفزيونية محنطة كربيبةٍ من ربيبات المنفعة الذاتية ولم يكن هدفها التوعية الإنسانية الجماعية.
حين تنهي مشاهدتك لمسلسل 20 او 21 حلقة تسأل نفسك: هل كان العمل التلفزيوني رائعا؟ او لم تكن ساعات مشاهدته غير إضاعة الوقت؟
في هذا المسلسل عناكب عملاقة توزع سمومها على المواطنين العراقيين. اغلب مخلوقات (النزل) قذرة، سامة او مسمومة من الحياة، منتصبة ضد كل حق وعدل بما فيهم قائد مركز الشرطة، متجسداً بدور العقيد سنان العزاوي. نساء ضائعات يستخف بهن الغضب العائلي فيقعن بورطة، لا تتوقف عند حد معين. ربما مطبخ النزل و مكتبه الإداري نجد فيهما رجلاً مميزاً و امرأة مميزة، عندهما حكايات ما اغربها، يستعيدان فيها او يتممان طيبة اخلاقهما بوقائع متعددة مع الساكنين، ليجعلا كل واحد من الضائعين في النزل او من الضائعات يراجع نفسه او تراجع نفسها بقولٍ من اقوال الندم او الأسف كأنما هذا (النزل) قصر من قصور المرايا، يشاهد فيه كل انسان نفسه على حقيقته وكل واحد منهم يعطي لنفسه تفسيرا ميتافيزيقيا للأحداث، في مقدمتهم الكاتب والمخرج، اللذين فرضا على المشاهد نزعتهما الميتافيزيقية واشاراتها، التي لا تشف عن ملامح التطور الفكري في القرن الحادي والعشرين، حيث ازدياد المآسي، الفردية والجماعية، في حوادث الإرهاب في الصعيد العراقي والعربي والعالمي المنتشر بجنونية متعاظمة أساسها الحصول على مال اصفر يجري تبييضه بوسائل عديدة، لكن تلك الحوادث ما جاء شيء منها في ذاكرة حامد المالكي ولا في ذاكرة زميله حسن حسني.
الحال مع مسلسل الفندق لا يتحسس طريقه الى القوة الإرهابية التي عاثت في العراق جرائم يندى لها جبين الإنسانية لان قيم المؤلف والمخرج كانت خصوصية وافكارهما أكثر خصوصية لا علاقة لها بالواقعية العراقية. كأن هناك مفتاحا بيديهما فقط لحل الغاز المسلسل الضائعة بين الهوية الذاتية للمؤلف والتقصير الاجتماعي للمخرج، إذ نشاهد 21 حلقة، متعبة، ضائعة بين الواقع والوهم، بين الوعي والضحالة ، خاصة حين يرضخ (صحفي مثقف) الى موجة من الرؤى الشبحية شبيهاً بأي مواطن عراقي متخلف الرؤى والثقافة، يؤمن بسكنى الأرواح في البيوت، في عصر القرن الحادي و العشرين، عصر التكنولوجيا الثورية في مشاهد يمسك فيها كل واحد من الساكنين بــ(موبايل) هو العلامة الارقى في التكنولوجيا المعاصرة، مما دفع المؤلف والمخرج، ان يجعلا (الصحفي العراقي) دمية صغيرة امام الشبح الليلي وقد ضيعا بذلك الحقيقة والواجب في مسلسلهما (الفندق) حين يتمزق وجدان المثقف الصحفي عن حقيقته وعن واجبه .
يبدو ان كاتب السيناريو حامد المالكي والمخرج حسن حسني ارادا ان يكونا (مؤرخين) أو (مؤرشفين للتاريخ) لأحداث عراقية واقعية، في عصر الفوضى الديمقراطية، بعد التغيير عام 2003 لكنهما مع الأسف، لم يملكا وعياً سياسياً ولا وعيا ثقافيا يجعل عملية تنفسهما حول مصائب وازمات الشعب العراقي ليست عملية مريرة، يكفيهما لمعرفة أسباب غموض الحساسية الاجتماعية الجديدة وجذورها الاصلية. قالا بصوت مرتفع طيلة 20 حلقة تلفزيونية انهما ظلا واقفين على رصيف الاحداث، يخافان الغوص في جوف الحوض، ظلا متفرجين على اسماكه ذات الوجوه المخيفة، يتصوران انه من خلال عتمة المشاهد تغرق منظورات المشاهدين بمأساة متفاقمة. السؤال هنا موجه اليهما: هل أردتما تأكيد ان المثقف العراقي والصحفي العراقي شخصيتان متميزتان بالضعف والتوجع والرغبة في إبقاء الصدمة والازمة في بلادنا؟
لا ادري لماذا ظلا ينظران الى السياسة بميوعة وينظران الى علم الاجتماع بنقصان وعي، لم يستشيرا عالم (مثقف) في السياسة ولا عالم (مثقف) في علم الاجتماع، لم يرغبا ان يغطس مسلسلهما بمغامرة سياسية ولم يرغبا البحث عن الكينونة الاجتماعية حول المسوخ العائشة في هذا (النزل)، حتى المثقف الصحفي كريم نعمان انتصب ضد مهنته و ضد وعي ذاته، لأنه لم يمارس الصحافة في فترة من اهم فترات ازدهار حرية التعبير في العراق وهي الحرية الغاضبة بعد عام 2003 جعل أمور حياته متوقفة عند حدود جدران (النزل) مستسلما لوحش اسمه (المسكونية) أي ان روح امرأة اغتصبوا حقها بهذا الخان (النزل) ما زالت تسكن فيه برغم موتها منذ سنين طويلة، وهي حالة اجتماعية من اكثر حالات المجتمع العراقي جهلاً لا احد يعرف لماذا تطارد هذه (الروح ) وظيفة مدير إدارة الخان. ظلت وقائع خيالية تهاجم الصحفي تحت القفل والمفتاح بلا معنى.
حاول المخرج وربما السيناريست من قبل، ان يجعل من بعض مشاهد المسلسل منظار مرح واضحاك، لكن يظل المرض الاثير لكليهما، اختراع المشاهد الكئيبة لبعض الممثلين. نجحا في ذلك من خلال ارهاق عزيز خيون بالسعادة والبهجة والتألق بلونٍ مشرقٍ، في حين جعل الجهاز العصبي للصحفي محمود أبو العباس متوتراً بدرجات تجاوزت الحدود الطبيعية–العقلية، محولاً بدنه وعواطفه وافكاره الى استعمال العصابية والكآبة بوصفهما نبوغاً صحفياً وعبقرية صحفية. اغلب الممثلين كانت وجوههم متميزة بالتواءات لا تمحوها البسمات، ربما أراد السيناريست ان يجعل من شخصية ابن هتلر صورة مثيرة للاندهاش المزيف وسط هذا المسلسل، غير ان الشخصية بكاملها لم تكن طبيعية، خاصة وان شخصية هتلر منبوذة في المانيا وفي العالم اجمع، لم يكن اختراع منزلة هذا الكائن تحقق أي حيوية او طموح لأنها شخصية مفتعلة، مثلما كانت مفتعلة سيطرة روح الوضوح والمرح من خلال التعبير عن ذلك بمظاهر شرب المزيد من العرق، التي تلبس الشاربين شخصية الوجود والنبوغ.
أراد السيناريست ان يجعل من شخصية (ايناس طالب) صحفية نشيطة، خلال مشهد جوالها، مرة واحدة، في ساحة التحرير ببغداد وسرقة كاميرتها الصحفية المتجسدة بالموبايل لتصوير بعض المتسولين، لكنه لم يمنحها أي قوة حقيقية غير تقديم صور مثالية لا تنفذ الى أعماق المشاهدين الاعتياديين لان المشاهد المفتعلة لا تمثل اليقظة الروحية (الصحفية) أو (الثقافية). منحها ولع الحديث بمفردات ثقافية راقية، بينما لا تملك قدرات عملية مثالية. جعلها موضع الشفقة من المشاهدين. اما قوة ومجد الصحافة فلا موقف بارز لهما. كانت قادرة على تبادل النظرات والاقوال المرحة مع (كريم نعمان) مدير الخان، الذي تنظر اليه اعلى من نظراتها الى روحها، او ربما أرادها المخرج ان تكون مدام بوفاري في هذا المسلسل، لكن السيدة ايناس طالب لم تكن قد تلقت تدريبا تمثيلياً مناسبا، من مخرج المسلسل، كي تستطيع ان تستعيد قدراتها التمثيلية السابقة. مع الأسف ان ايناس طالب لم تلتمع بدور مناسب لها، ربما لم يسعفها الحظ في التورد بهذا المسلسل.
في هذا الخان يعيش مجموعة من الشباب والشابات في مكان واحد، في الزمان نفسه، في بيئة مغايرة لطبيعة المجتمع العراقي. أحدهم اسمه (واثق) يقوم بدوره الممثل ذو الفقار خضر يعيش مديرا لهذه البيئة المشحونة بالمنافسة والجشع اعتماداً على امتلاكه مسدسا اوتوماتيكياً وحيداً، يقابله رجل مسالم اسمه كريم نعمان يقوم بتمثيل دوره الفنان محمود أبو العباس، جعله السيناريست طيبا جداً ومتعباً جداً، مثلما جعل الشاب واثق مدير انتاج مسرحية الشر في هذا المسلسل أراد ان يكون كريم نعمان مديرا لمسرحية الخير في هذا المسلسل ، لكن جعل المديرين يقطبان حاجبهما، مندهشين من كل شيء يجري في الخان، مما يجعل كل واحد منهما قادراً على الانحلال امام ما يرى من أفعال و كلمات.
اغلب رجال الخان يعملون في الجريمة واغلب النساء قريبات من أداء الدعارة. جميعهم بعيدون عن طاقم البوليس ومواجهاته، التي لا تتم الا في الحدود الدنيا من الذكاء والموهبة البوليسيتين، من فوق نياشين ضباط المركز تندفع الرشوة لتغطية كل خيال وجدال، ربما اختلق السيناريست هنا مركز شرطة ليس واقعياً، إذ لا يوجد مركز شرطة بغدادي فيه عقيد ومقدم بآن واحد، كما لا يوجد أي عقيد يقوم بنفسه بفتح اقفال الموقف ليطلق سراح الموقوفين والموقوفات على هواه من دون الاعتماد على شرطي بمنصب عريف او رئيس عرفاء، بالرغم من ان اوراقهم واوراقهن التحقيقية معروضة امام قاضي التحقيق، هذا خطأ ثانوي من ضمن الأخطاء الثانوية الكثيرة. يبدو ان السيناريست والمخرج يقتبسان بكل مشهد من مشاهد المسلسل نزعة خارقة للوعي والنظر.
قضيت وقتا طويلا خلال 20 حلقة من المسلسل لمراقبة تطور عصابة المخدرات الساكنة في هذا النزل ومنها يتم توزيع كبسولتها من دون ان يظهر قصة واحدة توضح كيفية التوزيع ولا أسلوبه ولم نشاهد المستهلكين تصويريا او واقعيا. ما أحزنني حقاً ان هذا النوع من تجارة المخدرات لم يجد ما يستحقه من عناية ابداع المؤلف. تجارة المخدرات بكل مكان من امكنة العالم هي تجارة فاتنة ومربحة، ذات علاقة مباشرة بأحزاب سياسية ودول وسياسات مرددة ونابضة بالتهديم الاقتصادي وبالتخريب الأيديولوجي ولها بيوت كثيرة في الافاق والأرواح.
عصابة من خمسة اشخاص يقتل اثنان منها ويظل ثلاثة، أحد الثلاثة يسيطر على الخان دافعا احداثها الى امام لأنه يملك مسدساً واحداً كأنه الوحيد الذي يسير بالخان على وفق هواه.
قوة مسدس واحد تستطيع أن تسيطر على كل المسافات في الخان بطابقيه المتموجين بالفساد والجريمة. لم يسجل المسلسل بكاتبه ومخرجه أي قدرة على تسلسل الاحداث بمسدس مضاد ينقذ الآخرين من غيبوبة العيش والحركة في الخان، حيث تُحطم قوة المسدس الفردية كل نوع من احاسيس الفرح الجماعي او القوة الجماعية.
الحوار كان يحمل كلمات ممزقة على نحوت من كلمات قاموسية صنعها الكاتب لتخليص المسلسل من سيرورته المتحجرة. يأتي هذا الكلام محمولا على أفكار مجموعة (نعيم+ابن هتلر+كريم) حين يجتمعون لشراب العرق. او تأتي الأفكار في بعض صفحات من مشروع رواية يكتبها صحفي لا يعمل في الصحافة او في بوستات الصحفية اريج، التي لا تعمل هي الأخرى في الصحافة، انما يكشف لنا كاتب المسلسل انها من هواة كتابة الوميض النادر على الفيس بوك، بهذا يصبح عدد المجموعات في المسلسل خمساً:
المجموعة الأولى تحمل أفكارا عادلة تضم (كريم + نعيم+ ابن هتلر) وهي مجموعة عزيمتها الأولى والأخيرة، شرب العرق والضحك العالي ينطلق في جلساتها حوار لا تعرف جديته من سخريته.
المجموعة الثانية تتكون من: (الطباخة ماري+الصحفية اريج+الصحفي كريم). تحاول هذه المجموعة ان تجد طريقها الى الفرح عن طريق انضمام احدى بنات الخان الى هذه المجموعة، حيث تولدت لدى المجموعة هواية الجوال في بعض الأحيان في منتزه الزوراء.
المجموعة الثالثة تضم عصابة تجارة المخدرات متكونة من ثلاثة اشخاص رئيسهم يملك مسدساً. بينما المجموعة الرابعة تضم مجموعة من نساء وأطفال يعيشون في قلق وعدم استقرار على حافة وقائع الجريمة والدعارة وفكرة جديدة داعية الى التجارة بالبشر. كل نظرة الى هذه المجموعة يكتشف المشاهد غرابة وشذوذا .
في المجموعة المختلطة الخامسة، يتناقش المتناقشون محمود أبو العباس وسنان واريج ودنيا وماري بمستوى جعلهم المؤلف كأنهم من خريجي جامعة هارفرد او أراد المؤلف ان يظهر امام المشاهدين بمظهر العالم التجريبي في قسم تطور التاريخ العالمي المعاصر. في الحقيقة كان الجدل منخفضا الى حد كبير حيث قيلت معلومات تبادلوها تبادلا خاطئا كان المفترض على المؤلف والمخرج ان يتكيفا تكيفاً معلوماتياً متواضعاً.
خلاصة القول ان مُشاهد مسلسل الفندق كان مشوشا، لا يميز بين الواقع والخيال، لان المؤلف والمخرج قد انتقصا احاسيسه بسرعة لم تكن متوقعة منهما، فظل مرهقا امام شهوة النجاح المادي والشهرة الفنية من دون تحقيق أحلام المشاركة والمساهمة في إيجاد الحلول الفكرية لفك ازمة من أزمات العراق المعاصر. كما سيظل المؤلف في اتعس فترات حالات ابداعه مُتهماً باستعارة فكرة المسلسل عن رواية السيدة لمياء رشيد المقيمة في هولندا . مطلوب موقف أخلاقي لتوضيح الامر الفاصل للتمييز بين الخير والشر اللذين لا ينبغي الوقوف امامه بعدم الاكتراث واللامبالاة.
أملي ان يتلقى السيناريست حامد المالكي نقد الناس وملاحظاتهم بشأن (الفندق) ليكون كاتبا فريدا، كما يتوقع جميع من يراه قادرا على اقتحام الدراما التلفزيونية بما هو حقاً جزء من إمكانيات علمية حقيقية في التعبير الفني.
انا واثق من قوته الدرامية الخالقة .

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187388/feed 0 187388
الثقافة والادب يحتفيان بالفنان الدكتور عقيل مهدي http://newsabah.com/newspaper/187385 http://newsabah.com/newspaper/187385#respond Wed, 19 Jun 2019 17:17:19 +0000 http://newsabah.com/?p=187385 سمير خليل :

على قاعة الجواهري في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وبحضور وزير الثقافة والسياحة والآثار الدكتور عبد الامير الحمداني وجمع ابداعي واعلامي احتفت الجمعية العراقية لدعم الثقافة مع ملتقى الخميس الابداعي التابع للاتحاد بالفنان والاكاديمي المبدع الدكتور عقيل مهدي، ادار الجلسة الناقد الفني الدكتور جواد الزيدي وتحدث فيها كل من الدكتور سعد عزيز عبد الصاحب والناقد عدنان منشد والدكتور رياض موسى سكران والدكتور زهير البياتي حيث تناول كل منهم جانبا من جوانب تجربة عقيل مهدي الابداعية، في افتتاح الجلسة استهل مديرها الدكتور جواد الزيدي حديثه بالقول :جلسة هذا اليوم هي جلسة احتفاء فوق العادة، لأنها تقلب اوراق مبدع عراقي تكتمل عنده الاشياء وتفسر الظواهر وتتداخل الاجناس الفنية في تجربته وهي تصب في الثقافة الانسانية في خلاصاتها النهائية، فالمحتفى به استاذ وفنان وانسان ومنظر جمالي وناقد وممثل ومخرج ورئيس قسم وعميد لكلية الفنون الجميلة وكان الوزير المقترح للثقافة قبل عام من الآن.
كل هذا ولكنه يلتحف التواضع عنوانا لسلوكه الانساني اليومي من خلال ارتباطه بمشاغل الناس وهمومهم وقضاياهم ويعد نفسه جزءا منهم في اللحظة التي يتطلع فيها الى صياغة خطاب متعال يرتقي به وبهم الى مستوى الجمال الخلاق، يتنقل بعجلة (البيك آب) العتيقة عندما كان عميدا او مع أحد اصدقائه او الزملاء، لم تشغله المهام الادارية عن مواصلة التمثيل والاخراج والبحث والكتابة المتواصلة. لا يشغل نفسه ببهرجة المنصب وهيلمانه لأنه منشغل بالبحث عن الجديد والمسكوت عنه في اروقة المعرفة الانسانية بوصفها عنوانا لكينونته واشتراطات وجوده سواء اكان ذلك في حقل النص المسرحي المؤلف عندما يختلف فيه مع الآخرين بحدود بحثه في الواقعية الشعبية او في خطاب السيرة معتمدا على تثوير الحادثة والنظر اليها من زاوية مختلفة وقراءة موضوعية معاصرة ليصنع ظاهرة في تجليات النص من خلال هذا المسار.
تبعه المتحدثون الدكتور سعد عزيز الذي ذكر: في طلعة عقيل مهدي ما يغنيك عن اساطين اخرى في المسرح العراقي، ساذهب وانفتح على سيرة ذاتية لعقيل مهدي وتشكلاتها السياسية والاجتماعية التي كونت عقيل مهدي الفنان الالمعي في جميع الاختصاصات وسأبدأ بالواقعية بالمسرح العراقي لان جذر المسرح العراقي، المسرح الواقعي وقد يكون الطبيعي، تتخذ تجربة المسرح العراقي بالانفتاح على الواقعية، اتجاهات وتيارات عديدة، ومنذ بواكير فرقة المسرح الفني الحديث والفرقة الشعبية وشواغل يوسف العاني وابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وجعفر السعدي وقاسم محمد ومن ثم فاضل خليل وعبد الوهاب الدايني وجواد الاسدي المبشرين بالافكار اليسارية الحاملة لنبض الشارع اليومي بانعكاسات التجربة السوفيتية بالفن والمسرح بشكل خاص تحت مضمون الواقعية الاشتراكية ومرجل ساخن للثقافات اليومية ولواعجها والذي كانت تقوده البروليتاريا الاممية في مستهل ستينيات القرن الماضي .
ثم تلاه الناقد والاعلامي ‪‎‪ عدنان منشد بالقول: عند الحديث عن تجربة عقيل مهدي هناك الكثير من المسائل التي لا يمكن تجميعها وانا من خلال كتاباتي عنه في المجلات والصحف وحتى في كتابي الاخيرين عن اعماله ومسرحياته وعن جهده الاكاديمي البارز لأنه في تقديري يمثل الخطاب المعرفي والجمالي وهو من الجيل الثالث من المخرجين في المسرح العراقي اذا اعتبرنا الجيل الاول يضم ابراهيم جلال وجاسم العبودي وسامي عبد الحميد وغيرهم، اما الجيل الثاني فيضم محسن العزاوي وسليم الجزائري وعوني كرومي وقاسم محمد ، الجيل الثالث يمثله عقيل مهدي وصلاح القصب رائد مسرح الصورة في العراق والوطن العربي، وفاضل خليل، هؤلاء مثلو الخطاب المعرفي والجمالي في المسرح العراقي.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
اما الدكتور رياض موسى سكران فقال: اعمال عقيل مهدي تحتاج الى متلقي من طراز رفيع كما يسمى في نظريات التلقي، متلقي عليم يحمل هما ثقافيا وانتماء وطنيا لهذا كان ما يقدمه عقيل مهدي من عروض مسرحية وشكل مسرحي وصورة مسرحية ليس تقليديا وانما كان يحمل عمقا فلسفيا، فالصورة المسرحية لم تكن صورة مجردة للمتعة والتسلية والترفيه وانما كان هذا العمق الفلسفي متأتي من ذلك العمق الجمالي للنص الجمالي والرؤية الجمالية التي اسس عليها فضاء العرض فتجربة عقيل مهدي تتفرغ عن كل التجارب التقليدية او التجارب المسرحية في المسرح العراقي بوصفه يؤكد على قيم انسانية ووطنية وهذه القيم قلما نجدها في مسرحيات عراقية وان كانت تحمل قيما جمالية الا ان الجانب الوطني كان جانبا مهما في تجربة عقيل مهدي المسرحية.
آخر المتحدثين عن الضيف كان الدكتور زهير البياتي وقال: مر المسرح العراقي بمراحل خلال سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي وبرز خلال هذه الفترة عدد من المخرجين والفنانين المعروفين من ضمنهم الراحل فاضل خليل وصلاح القصب وعوني كرومي وعقيل مهدي، كل واحد من هؤلاء اختط لنفسه اسلوبا معينا في العمل سواء كان مخرجا ام ممثلا، عقيل مهدي عرف بمسرح السيرة وهو مسرح جديد على المسرح العربي ولا يشبه تجربة عقيل مهدي سوى مخرج فلسطيني اسمه راضي شحاذة، لكنه كان يعرض مسرحيات السيرة من خلال مسرح الدمى وقدم سيرا لشخصيات تاريخية وشعبية مثل عنترة بن شداد وكذلك وظف بعض قصص السيرة وقدمها كمسرح دمى للأطفال، عقيل مهدي في مسرح السيرة حاول سحب الشخصية من واقعها المعاش او الواقعي الى الواقع الافتراضي، هذا الواقع الافتراضي لم يتخل عن المحطات المهمة التي مرت بها هذه الشخصية بل ركز على اهم ما يميز هذه الشخصية مثلا علي الوردي في علم الاجتماع وجواد سليم في التشكيل ويوسف العاني بالمسرح وبدر شاكر السياب في الشعر إضافة الى انه عمل ايضا على ما نطلق عليه بتلاقح الرؤى عندما يكتب النص كمدونة ادبية وعندما يخرج هذا النص ويقدمه كعرض مسرحي للمشاهد ،لكن هذه الرؤى يتماهى معها المشاهد او المتلقي مما يجعله يندمج مع العرض المسرحي او الفكرة او من خلال ما يقدم من عروض مسرحية نجح فيها عقيل مهدي نجاحا كبيرا.
وأعرب الدكتور عقيل مهدي عن سعادته وامتنانه وقال: انه يوم استثنائي ومميز ان اكون وسط اناس يشتغلون على مستوى أكاديمي رفيع ورافقوني في الكثير من اعمالي المسرحية وكتبوا عنها ومنهم من قام بدور رئيس باكثر من عرض مسرحي مختلف الاتجاه والجو والموضوع ورافقوني في لجنة النقد التي اتشرف برئاستها منذ عقد من السنين وبالتالي هم أدرى بشعاب هذا الموضوع. قدمت على مستوى الكوميديا مسرحيات السحب والضفادع لاريستوفانيس واوديب ملكا لسوفوكليس وابتداء من الاغريق وانتهاء بجان انوي وغيره من ممثلي الحداثة ولي الشرف انني اقترحت هذا الاقتراح فيه نوع من التجريب والتنظير فيما يسمى بمسرح السيرة الافتراضية.
شهدت الجلسة مداخلات للدكتور حسين علي هارف والدكتور جبار خماط والدكتور سامي عبد الحميد والدكتور صلاح القصب وتحية من الفنان كريم الرسام بأغنية فرد عود.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187385/feed 0 187385
الإنسانية ومستقبلها.. هل كل ما هو موجود سيكون أفضل؟ http://newsabah.com/newspaper/187382 http://newsabah.com/newspaper/187382#respond Wed, 19 Jun 2019 17:16:40 +0000 http://newsabah.com/?p=187382 رومــا: موسى الخميسي

افتتح وزير الكنوز الثقافية الايطالية في مدينة روما بقصر العروض التاريخي معرضا فنيا كبيرا باسم (الانسانية ومستقبلها) شاركت فيه اضافة الى عدد من الفنانين الايطاليين والاوروبيين والصينيين واليابانيين والاميركيين، مجموعة كبيرة من الشركات العالمية المعروفة بإنتاجها للتكنولوجيا المتقدمة، حيث عرضت كل ما من شأنه الكشف عن الوسائل والأساليب لتغيير حياة الإنسان.
بلغ حجم وتسارع تقدم التكنولوجيا في عصرنا نسبة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الانسانية، في كل يوم هناك اكتشاف علمي جديد، وهناك آلات وتكنولوجيا جديدة واساليب مكتشفة جديدة في عالم الفن والادب تقوم على خدمة الإنسان. كما ان عالمنا خلال العقدين الأخيرين شهد تغيرات مذهلة جرت في ميدان المعلومات والاتصالات، وأصبح من المتعذر في النشاط الإنساني المعاصر الاستغناء عن أجهزة التكنولوجيا المتقدمة، بدءا من النشاط السياسي مرورا بالإبداع الثقافي والفني وصولا الى المتعة الشخصية. لقد جعل هذا التغير السريع الى حد ان يطلق على انساننا الحاضر اسم (الإنسان التكنولوجي) وعلى بيوتنا بـ(الأكواخ التكنولوجية). اما الفنون، فقد تخطت الدقة والكمال، لتترك للمتلقي مجالات واسعة للتأويل والمناقشة والتحليل البعيد عن الأحكام المطلقة، فقد سعى الفن بولوجه إلى الرقمنة والعالم الافتراضي إلى البحث عن متلقين جدد، وجماهيرية أوسع والكثير من التحرر والانفلات من القيم والاساليب والمدارس التقليدية.
الا ان منظمي معرض روما فضلوا القول بان التكنولوجيا في خدمة الإنسان، فرفعوا شعار لمعرضهم يحمل بعض الشك والحيرة (الانسانية ومستقبلها) على اعتبار ان كل ما هو موجود(لربما) سيكون أفضل في المستقبل.
علاقة الإنسان بالتكنولوجيا تتطور بسرعة من حولنا الى حد ان الآباء والأبناء يعيشون في عوالم مختلفة، بعكس آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا في عالم لا يختلف كثيرا عن مجتمعات آبائهم وأجدادهم، وهذا التقدم في التكنولوجيا استدعى تغيرات في الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، اذ لكل اختراع تكنولوجي آثاره الاجتماعية والنفسية، كما له آثاره في عملية البناء الاجتماعي والفردي التي تصاحبها عمليات كبيرة في إعادة بناء الوعي والسلوك والذائقة الجمالية، والتحكم بالرأي العام.
المعرض يواجه مشكلات جسيمة، كمشكلات البيئة (التصحر، إتلاف الغابات، اضمحلال طبقة الأوزون، تلوث الماء والهواء، والانفجار السكاني، وقلة المواد الغذائية، وتعمق الهوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، الى جانب المتغيرات في ذائقة الانسان الجمالية). وقد بلغت التغيرات التي أحدثها الإنسان في الطبيعة في زماننا هذا حدا أصبحت فيه تهدد بتدمير التوازن الطبيعي وانقراض الأنواع البيولوجية، إضافة الى ما تسببه الحروب من تخريب واسع للموارد الطبيعية، ولعلاقة الانسان بارثه الفني والحضاري.
كل المعطيات والإحصاءات والجداول والنتائج تؤكد على انه من الضروري لبقاء الإنسان وتطوره، خلق نظام اقتصادي سياسي اخلاقي عالمي جديد وعادل، يتجه لتحرير العلم نفسه، أي التحول من العلم للعسكرة والسيطرة، والربح الأعمى، الى علم للشعوب يخلو من الظلم والاستغلال وسيطرة بلد على بلد آخر، يحل فيه التفاهم والتعاون وتوظف فيه التكنولوجيا لخدمة الأغراض الإنسانية النبيلة، تزدهر به ثقافة الانسان ويتسع وعيه ويتطور ذوقه الجمالي، بعد ان بلغت إساءة العلم والتكنولوجيا مدى واسعا عالميا، في المجالات العسكرية او المدنية.
تتكدس في دول الغرب الصناعي يوميا تجارب ومنجزات جديدة في ميدان الاكتشافات التكنولوجية الجديدة، مما يؤدي الى إشاعة ثقافة ووعي جديدين في هذه المجتمعات، ونتيجة لمثل هذه التحولات، تعاظم دور المعرفة والوعي لدى الإنسان على نحو انفجاري. والتكنولوجيا المتطورة التي صاحبتها ثورة لا مثيل لها في تعاظم المعلومات تخطت الحدود المعقولة، جعلت الإنسان قادرا على الحصول 485 مليار جملة عبر شبكات التلفزيون والكومبيوتر والراديو والصحف والمناقشات ووسائل الإعلام الأخرى، كذلك انعكس ذلك التطور على زيادة قدرتنا الجسدية والفكرية وذلك من خلال زيادة القدرات العقلية في محاربة ما يحيطنا من ظواهر مرضية تتعلق بوجودنا وعلاقاتنا وأفكارنا وعاداتنا الاجتماعية، الى جانب صحتنا الجسدية والفكرية وإدامة أعمارنا، كما انها قادرة على الحفاظ على موروثنا الفني والثقافي، الذي تتنازعه السرقات والاهمال والاندثار والتخريب المتعمد، ومن جانب آخر أحدثت اهتزازات وتداعي في أفكار وعادات الناس.
دخلت التكنولوجيا كل مرافق الحياة البشرية، ففي الطب يحصل الكومبيوتر على كل المعلومات الخاصة بالمريض، ويقوم الريبوت الذي عرضت منه نماذج متنوعة ومتطورة بالعديد من العمليات الجراحية والمكتبية والمنزلية، وتقوم المنظومة الكومبيوترية في مصانع السيارات بتفسيخ السيارات واعادة تركيبها ضمن برمجة محددة، كما هو الحال مع العديد من العمليات الإنتاجية الاخرى.
اما في الفن، فان كل الدعوات ترى في الفن توثيقا أو أداة توثيقية لا غير، فقد ولجنا فعلا زمن الرقمنة والفن الرقمي، فكل العروض الفنية الي تتوزع في صالات هذا المعرض الكبير، مقاطع الفيديو والأقراص المدمجة والبرامج الحاسوبية والمركبات الشكلية، تتسم بطابع الحداثة وتعكس طموح عالٍ في البحث عن بدائل الاشتغال الجمالي.
التكنولوجيا سلاح فوق العادة بإمكانه اكتشاف ما يحيط البشرية من عوالم أخرى يحملها هذا الفضاء الكبير الذي ستتحول فيه أرضنا الى « قرية صغيرة» تنتقل فيها السلطة من المؤسسات السياسية التقليدية الى مؤسسات المعلومات والإعلام تسودها أسمى أشكال الديمقراطية بالمقارنة مع الأوضاع الحالية التي تعيشها بعض المجتمعات في اسيا وافريقيا.
المشرفون على الجناح الإيطالي وكذلك الفرنسي والياباني يؤكدون على ان إنسان المستقبل القريب جدا سوف لن يحتاج الكتاب او المجلة او اللوحة التشكيلية التي يحملها إطار، لتعلق على الجدران في المستقبل، وان المعلمين سوف يغيرون أساليبهم لان المكائن ستأخذ على عاتقها تدريجيا مهمة التعليم، وان الكومبيوترات تنقل المعلومات بسرعة وتكون قادرة على تخزين معلومات أكثر من المخ البشري، اذ يمكن حيازة المعلومات عن طريق ضغط أزرار الذاكرة الكمبيوترية لتعكسها في ثوان معدودة على الشاشة.
الا ان هذا السلاح الذي يبشر به معرض مدينة روما لا يشير الى ان احتكارات التكنولوجيا المتقدمة وصناعة المعلومات غير الخاضعة للرقابة يمكن ان تستغلها مؤسسات ومنظمات وجهات إجرامية توظفها من اجل أغراضها السيئة كما هو الحال مع عصابات المافيا، للحد الذي ستدفع البشر الى ارتكاب حماقات من حيث لا يدرون، كما ان الإنسان الذي يركض نحو مستقبل افضل سيصاب بالعزلة من دون الاعتماد على قرينه الانسان ليكون كما وصفته إحدى المجلات الإيطالية بأنه (لا يستطيع العيش من دون مشاهدة التلفزيون) إنسان معزول يتمتع تحيطه الكومبيوترات المتطورة، يسترخي على أريكته الوثيرة ويتلذذ بتناول البطاطس المقلية، ويعاني من انفصام بين الروح والجسد، حاملا أمراض نفسية جديدة، وليس له اية علاقة بدور العروض السينمائية او جاليريهات العروض الفنية التي بدأت منذ سنوات بغلق ابوابها بعد التقلص الشديد بعدد زوارها ومقتني الاعمال الفنية.
بالرغم من ان البشر يتصرفون وكأن كوكب الأرض هو الكون كله، وان الانسان نجح في غزو الفضاء الخارجي ابتداء من منتصف القرن العشرين، الا ان معلوماتنا عن الفضاء الخارجي تظل ضئيلة جدا أقرب الى الصفر، وبما ان التكنولوجيا الحديثة تبشر باكتشافات جديدة تصب في خدمة الانسان، فان المنظمين للمعرض حرصوا في أجنحة متعددة داخل صالات المعرض بتقديم كشوفات جديدة لمجموعات شمسية من المجموع الذي يقدر بملايين الكواكب لم يعرفها الانسان بعد ولم تطأها قدماه لحد الان، فهناك مجرات وليست مجرة واحدة.
والتكنولوجيا تقول بأنه سيكون بإمكان الانسان ما بين2020 – 2030 الصعود بحرية الى الفضاء الخارجي لتحقيق زيارات سهلة لعدد غير قليل من الأجرام الفضائية الأخرى أبرزها الكوكب الأحمر(المريخ)، ولم يعد الأمر حكرا على الأميركيين العاملين في هذا الميدان العلمي والتقني الواسع، فاليابانيون والأوربيون والروس والصينيون سوف ينطلقون الى المريخ في موعد قريب، وما على آباء اليوم وأولادهم الا الاستعداد للسفر، حاملين معهم، إضافة الى عدة السفر، حوائج إلكترونية جديدة للمتعة الشخصية، معروضة أمامهم نوعية الملابس التي سيلبسونها والأجهزة والعدسات والمعدات والتجهيزات التقنية صنعت في كل من الولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وعدد من الدول الأوربية الأخرى، إضافة الى ان المشاهد بإمكانه رؤية نماذج بلاستيكية لمركبات الفضاء الجديدة التي صممها الألمان والأميركان واليابانيون والإيطاليون، وبرامج شاملة لعملية الاكتشاف التي اسهمت بها ثلاث دول أوربية هي ألمانيا وفرنسا وايطاليا.
ومعرض مستقبل البشرية يقدم أكبر قدر من المعلومات تتيح لإنسان المستقبل ان يعيش بنحو أفضل، الا ان هذا المعرض يطرح سؤالا مهما، كيف سيتصرف الانسان بما لديه من معلومات، وكيف يتلاءم بين ما سيعرفه وما يعيشه، وهل ستكون التكنولوجيا في خدمة الانسان او في تدميره؟
ما بعد الحداثة من اجل مستقبل البشرية، ينعكس بظاهرة الهوس السائرة بسرعة فائقة في الفنون التي تعكسها بكل وضوح الصالات المخصصة في هذا المعرض. لقد هيمنت «المّركبات البصرية الرقمية الفنية» لتستشرف آفاق المستقبل، فهي تفتح التأويل أمام عدة قراءات متصادمة، حيث يسعى كل عمل الى التخطي والقفز عن الواقع. لهذا يبحث كل فنان لنفسه عن أشكال متغايرة ومتنوعة وتجاوزات متعددة ولامتناهية. وهذا ما أدركه اغلب من يعمل في حقل الفنون، إذ زامنوا التغيرات الكبرى في بلدانهم وفي العالم من انهيار جدار برلين وظهور القطبية الرأسمالية الواحدة والسوق الحرة، فبات الفنان ملزما بالبحث عن آليات تعبيرية جديدة وتسويقية للعمل، خاصة وقد صارت التنافسية مبتعدة على ما هو سياسي وبات الفنان غير ملزم بالانخراط السياسي والحزبي وغيره، بل بات ملتزما بهوس الحداثة الفنية وبكيفية تسويقها في عمله.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187382/feed 0 187382
أمين الباشا.. سيّد الفرح والألوان http://newsabah.com/newspaper/187381 http://newsabah.com/newspaper/187381#respond Wed, 19 Jun 2019 17:16:06 +0000 http://newsabah.com/?p=187381 فواز طرابلسي

في الخامس من شباط / فبراير 2019 غادرنا الفنان أمين الباشا، أحد كبار تشكيليّي العصر الذهبيّ للفنّ بلبنان في ستينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته.
أمين، المولود في العام ١٩٣٢، بدأ بالرسم باكراً وهو يرافق خاله الرسّام والموسيقيّ. غادر بمنحةٍ لدراسة الرسم في باريس بعد تخرجه من الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة. تنقّل بعدها بين إيطاليا وإسبانيا، بلد زوجته آنجلينا، قبل أن يعود ليستقرّ في لبنان.
أنتج وعرض أعماله خلال نصف قرن من العام ١٩٥٩ إلى العام ٢٠٠٩ في لبنان وعدد من الدول العربيّة والأوروبيّة. حاز على عدّة جوائز. مارَسَ التدريس. وألّف كتباً وكتب مسرحيّة. على الرغم من عنوان مسرحيّته «المنتحر»، لم تكن المآسي له ولا الحروب، مع أنّه غادر في منحةٍ إلى إيطاليا حيث أنتج مجلّداً عن يوميّات الحرب.
كنت شاهداً ذات مرّةٍ عندما فقدتْ لوحاتُه البهجة واللون. كان ذلك خلال حصار الجيش الإسرائيليّ لبيروت صيف العام ١٩٨٢. زرته في مرسمه مقابل الجامعة الأميركيّة يوم الأحد في ٢٢ آب / أغسطس، وهذا ما دوّنته في يوميّاتي: «كان أمين مستغرقاً في مائيّاته عن الطبيعة عندما دهمتْه الحرب. قَتمتْ ألوانُه، وهو سيّد من استخدم الضوء والنور. تكسّرتْ خطوطه. وطائره الأسطوري زاهي الألوان صار أشبه بغُراب، وانقلب على ظهره».
أمين الباشا إنسانٌ منذور للفرح. لا يوحي بذلك. ليس ضحوكا ولا كثير الابتسام. لكنّه لعوب له فنّه الخاصّ في الدعابة والسخرية. يعيد ترتيب الأشياء حسب هواه. يشاغب. ينظّم المقالب على الطبيعة والإنسان. وقد رسم بكلّ الطرق: بالقلم الرصاص والحبر والمائيّات والزيتيّات. رسم الوجوه، الزهور، القلوب، الثمار، الماء، الأفق، الشمس، البحر والطيور.
يبقى أنّ أسلوبه المميّز يتجلّى في المائيّات. وهو المعلّم في هذا النَّوع! وحدها مائيّاتُ أمين الباشا تريك النور يتلألأ بين خضرة الطبيعة.
ثلاثيّةٌ لا تفارق أعماله: وجه امرأة وشمس وطير. دوماً الطير: «يحطّ على المائيّة أو الزيتيّة ويحشر نفسه عفويّاً فيها»، كان يحلو له أن يقول، ويضيف «لست أستطيع أن أقول ما الذي يمثّله الطير، أشعر فقط أنّه يجب أن يكون هنا». يحطّ الطير أينما كان في رسومه: على يد، نادراً على غصن، على ذراع امرأة عارية، أو على ظهر رجل يسعى إلى حبيبته، أو تجده يرفرف بين رجل وامرأة متقابلين، أو واقفاً على رأس هذا او ذاك. لا رمزيّة في الأمر ولا استعارة. ليست طيور أمين الباشا حَمامات سلام. ولا هي يَمام بيروت. إنّها طيورٌ وحسب. كائنات طبيعيّة هشّة جميلة تزقزق وتشحذ مناقيدها على كلّ مادّةٍ صلدة وترفرف وتبني أعشاشا وتبِيض وتحرُس صِغارها وتزقّهم الأكل وتعلّمهم الطيران. وتطير بلا سابق إنذارٍ وتحطّ على القلب.
لا أمين الباشا دون بيروت. وبيروته الأزرقان: بحرها والسماء. يحمل دفاتره ويتجوّل في المدينة إلى أن يستجلس في مقهى ويرسم. يقول إنّه تتلمذ في مقاهي بيروت قبل أن يدرس في الأكاديميّات. ارتاد المقاهي الشعبيّة العتيقة – «قهوة القزاز» و«مقهى فلسطين» – قدر ما جالس زملاءه الأدباء والفنّانين في مقهى «لا پاليت» العصريّ. وهذا قبل انتقاله إلى مقاهي شارع الحمرا والروشة.
أمين الباشا فنّان المدينة. لكن على طريقته الخاصّة. الطبيعة عنده تخييل وتزيين. أمين الباشا يزّين المدينة بالريف وبالشِعر، ولو سُئِل لأضاف… وبالموسيقى أيضاً. أمين الباشا فنّانٌ يجمّل الأشياء. يرى إلى الفنّ على أنّه صُنعة تزيد الحياة بهجة وجمالاً.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187381/feed 0 187381
لوحة للثقافة العربية http://newsabah.com/newspaper/187374 http://newsabah.com/newspaper/187374#respond Wed, 19 Jun 2019 17:14:42 +0000 http://newsabah.com/?p=187374 يتوقف الفنان أحيانا أمام مشاهد معينة في الطبيعة، أو الأمكنة التي يعبرها، أو الانعطاف نحو مرحلة أخرى، ليسجلها في ذاكرته أو على سطح أوراقه العذراء نوعا من الملاحظات الذاتية، حيث الخبرة والولع بالتفاصيل غير المألوفة هي التي تردد هذا النوع من الملاحظات، التي قد تتحول فيما بعد الى مصادر خصبة لإنجاز وصياغة أعمال فنية تؤرشف تاريخيا لمرحلة كشف جديد، وتعبر عن وجه مغاير لأنساق العمل التشكيلي غير التقليدي، مضافا اليها المعرفة والأدراك لمكونات الموضوع، اذ يكون الفنان قادرا من نفسه لبناء واعادة بناء الأفكار . وكملاحظة تسجل على المشهد التشكيلي العراقي بعد الرقم 2003، لم يكن بمستوى ما نطمح، أو بمستوى الرؤية والمحاكاة لهذا التغيير، والضربة الهائلة كما تحدثنا بعض كتابات النقد التشكيلي. في تجسيد الظواهر والحالات الإنسانية التي تبرز في لحظات تمردها، وتشكل مع مكونات اللوحة، وحدة السرد التشكيلي في فتحه الجديد. لينجز لنا أعمالا غاية بالإتقان، من خلال معرفة وأفق فضاءات الحرية وقد طرحت مشروعها الواقعي بعد التغيير. وكان من المفترض أن يدخل مخيلتنا ولا يغادرها، لأنه يمثل قلقنا فيما نريد ونسعى ونحلم. وبالرغم من أتساع مشاريع المعارض الفنية، وطروحات الفنان العراقي، التي طالعتنا على هامش مشروع فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013، الا أنه ظل حبيس التجربة، من دون الخروج عن المألوف، ومن دون أن ينتصر لحلمنا ولطفولتنا المفقودة وذكرياتنا الموجعات. ويقينا ندرك أن الكثير من الفنانين ظلوا يعملون بصمت في منجزهم الإبداعي، بعيدا عن الأضواء وقاعات العرض، تاركين للزمن والظروف الأخرى فرصة اقامة معرض شخصي طال انتظاره. لكن ما تابعنا بعضه لا يمثل تجربة التشكيل في العراق وعمقه التاريخي. وأزعم أن هذه الملاحظة ناقشها الوسط التشكيلي بشكل مسموع؟
وربما نقترح أن تشكل لجنة لا تجامل على حساب منهج الفكر السليم لقيم التشكيل العراقي وهي تتفحص اللوحة وشكلها وقيمها. لأنها بالنتيجة ستدخل في أرشيف الثقافة للمقبل من الأيام.
يقينا مرة أخرى، أن الفنان التشكيلي من شأنه أن يخلق مناخات، أو لديه ظاهرة قد تؤدي الى رؤية مغايرة أبتغاء الوصول الى (فضاءات) ربما تستحقها الذاكرة والوعي في أرتباطها الحداثوي مع التطور الفكري الذي يعيش أجواءه في ظل مناخات الحرية في مشهدها اليومي.

فهد الصكر

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187374/feed 0 187374
تطوير الألحان التراثيّة على إيقاعات الجسد http://newsabah.com/newspaper/187377 http://newsabah.com/newspaper/187377#respond Wed, 19 Jun 2019 17:13:25 +0000 http://newsabah.com/?p=187377 شهادة عبد الحليم كركلا

زكي ناصيف نبع بحدّ ذاته، تأثّر الجميع بجملته الموسيقيّة بنحو أو بنحو آخر. هو انعكاس شعبيّ لكلّ الحالة التراثيّة بكلّ معنى الكلمة. هو ابن الأرض والعرس والموّال والعزاء وما يمثّل ذلك الزمن من قيَم، وبالتّالي لن تستطيع الأجيال القادمة أن تأتي بزكي ناصيف آخر.
كان أوّل لقائي بزكي ناصيف عبر أخي سعيد التي تولّى مهامّ إدارة موقع قلعة بعلبك وكان مثله منتمياً إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وأذكر الليالي اللبنانيّة الأولى في بعلبك العام ١٩٥٧ عندما تطوّعت مع حوالى ١٢ شاباً من أبناء المنطقة وأعضاء الحزب بنحو غير رسمي، لتوزيع أوراق تذكر أسماء الأغنيات التي لحّنها زكي كي يتعرّف الناس إلى أعماله، وقد كوّنت جزءاً كبيراً من البرنامج. أسعدت زكي هذه المبادرة وقرّبتني إليه.
تفرغتُ للعمل الفنّي بعد الحصول على بطولة لبنان والدول العربيّة في رياضة القفز العالي، واشتركت مع الفرقة الشعبيّة اللبنانيّة (الأخوين رحباني) إلى أن قمت بتأسيس فرقة كركلا. رحّب زكي بدعوتي للتعاون الفنّي خصوصاً بعدما اُستُبعد عن المهرجانات رغم أنّه رائد العمل الفلكلوريّ في لبنان، وكانت فرصة مناسبة له ليعود مجدّداً بزخم إلى العمل الفلكلوري الذي أحبّه وشغف به.
تخلّلت السنوات الأولى من عملنا المشترك بعض التباينات في وجهة النظر بشأن منهجيّة العمل التي كنت أسعى إليها ومحورها الرقص بالدرجة الأولى ومن ثمّ الموسيقى والغناء، إلى أن أخذت الأمور مداها الرّحب في العمل الثالث وهو «طلقة النوْر». فكنت أرغب أن أتخطّى ذاتي في كلّ عمل وأبحث عن آفاق جديدة في المواضيع والألحان والتوزيع الموسيقي. أصبح زكي أكثر حماسةً وانفتاحاً للتجديد في تعامله مع الفلكلور، وعاش حالة فنيّة متجدّدة لأنّ الفنّ تجربة. كان هو بحاجة إلى مَن يستطيع احتضان هذه التجربة ولوضعها على نار حامية بحيث يصبح بمقدوره أن يشهد على تنفيذ أعماله وتطوّرها.
تبنّى زكي مشروع كركلا وكان همّه أن ينجح هذا المشروع ويكمل مسيرته، وخلال ١٨ سنة من العمل المشترك لم يطلب منّي أيّ بدل مادّيّ برغم صعوبة وضعه المادّي. قال لي أنا سأعمل والمطلوب منك فقط النجاح. ولا بد من الإشارة إلى أنّ زكي كان هو مسؤولاً عن حالة كركلا، وكان أحد دعائم نجاحها. وتلك المراحل هي من أسعد المحطّات في حياتي، وقد تكلّلت بوجود زكي الداعم لأعمالي. في العام ٢٠٠٠، تغيّر أسلوب فرقة كركلا ولغتها الفنّيّة، وانتقلنا إلى مرحلة جديدة من العمل الفنّي.
زرتُ زكي في المستشفى قبل أسبوع من رحيله. شعرت بأنّ هذا اللقاء قد يكون الأخير، فرقصت له «عالعميّم عالعمام» أمام سريره، وقبّلت يديه. لم تفارق الضحكة وجهه ولم يتكلم إلّا دعاءً بالتوفيق. لا أنسى هذه اللحظات. لولا هذا الإنسان قد لا يكون كركلا مثلما كان وأصبح الآن.
كنا نعمل معاً بنحو مكثّف خلال جميع مراحل إعداد العمل، يتخلّلها «خناقات» نحو إيجاد المُنشَد في الجمال الفنّي. يفتّش زكي عموماً على الفرح بواسطة الفنّ، وكان يُحبّ حضور عروض الافتتاح فيغمره شعور عارم بالسعادة لنجاح العمل. كما كانت له مكانة خاصّة عند أعضاء الفرقة كلّهم.

يرى الخطوات قبل الموسيقى
نبدأ التحضيرات بشرح القصّة وتطوّر خطوط الفكرة الرئيسة للعرض. كنت أدرس السيناريو وأخصّص الحالات الشعبيّة والتراثيّة فيه لزكي وأعطي بقيّة الفقرات لملحّنين آخرين، كلٌّ حسب مجاله، ممّا أوجد منافسة فنيّة إيجابيّة لصالح العمل. وكنت أزوّد زكي بمجموعة من الألحان التراثيّة التي حصلت عليها عبر رحلات ميدانيّة، وقد أسّست إلى جانب الفرقة مركز أبحاث تراثيّاً يهدف إلى جمع العادات والتقاليد، والأزياء والألحان من جميع أنحاء الدّول العربيّة. تشعر بأنّ زكي عرف ماهيّة هذه الألحان فور سماعها، فهو كالإسفنج في تفاعله مع الموسيقى.
يقيم زكي في استديو التدريب في المرحلة التالية، فيرى خطوات الرقص قبل أن يبدأ بالعمل على الموسيقى، ويدوّن ملاحظته حول كلّ حركة، فهو يكتب خصيصاً للرقص. هنا تتفتّح أفكاره، ويترجم ثيمات الألحان التراثيّة بناءً على جمل ايقاعيّة توائم إيقاع حركة الجسد وسرعتها. كنت أنطلق دائماً في نقاشاتي معه في تفاصيل كلّ كلمة أو فكرة من منظور الرقص، ويستلهم منّي الطاقة والإيقاع ويستكمله، فتأتي الموسيقى متزاوجة حركيّاً، وبصريّاً، وسمعيّاً. وعندما «يفقّش» في أصابيعه أعرف أنّه أنجز فقرة موسيقيّة جميلة.

كان يعدّل بالألحان التراثيّة أحياناً ويقوم بتوزيعها وينظم كلام جديد لها أحياناً أخرى بالتوازي مع السيناريو وتصميم خطوات الرقص، كما كان يشارك بمقطوعات من تلحينه. وقد دخلت في نقاش صاخب مع زكي بخصوص الآلات الموسيقيّة كان حصيلته أن استبعدنا آلة الأكورديون التي أحبّها، وآلة الدربكّة، وهي ذات أصل تركي، واستبدلنا بها الطبل الذي يستعمله البدو والدفوف الإيرانيّة.
زكي كان مغرماً بصوته، وفي كلّ عمل كنت أتشوّق لاختيار أغنية أو أكثر يؤدّيها بصوته. أرى الفرح يغمر قلبه وأشعر بإحساسه بالشموخ عندما أراقبه خلال غنائه. وقد ألحّ زكي منذ العمل الأوّل على أن يشارك أعضاء الفرقة بالغناء. وقبل المباشرة في تسجيل الموسيقى مع مهندس الصوت فريد أبو الخير، تتصاعد النقاشات من جديد لأنّني أُصرّ على حذف المقاطع التي لا تخدم الرقص. كذلك كان الأمر مع توفيق الباشا ومارسيل خليفة. لا أعرف تماماً لماذا تعشق الأذن الترداد، بينما ترفضه العين. فالأغنية تزداد حلاوة كلّما نستعيدها، في الوقت الذي يؤدّي التكرار في حركات الرقص إلى الرتابة والملل. أسعى دائماً إلى أن تدخل العين إلى الأذن، وأن تمشي أمامها وليس العكس.

  • نشرت هذه المقالة في مجلة بدايات
]]>
http://newsabah.com/newspaper/187377/feed 0 187377
نحو الاهتمام بالفن السابع ونشر الثقافة السينمائية http://newsabah.com/newspaper/186834 Wed, 12 Jun 2019 17:14:18 +0000 http://newsabah.com/?p=186834 كاظم مرشد السلوم

الزاد الثقافي والمعرفي الذي تقدمه جريدة الصباح الجديد لقرائها كل يوم، وتدعمه بملحق «زاد» الأسبوعي الذي يتنوع بين الادب والرياضة ، والعلوم ، والاقتصاد ، تدعمه هذه المرة بزاد معرفي وثقافي وفني جديد، هو ملحق زاد السينمائي، هذا القرار الذي جاء من هيئة التحرير يؤكد اهمية الفن السينمائي في حياة الناس في كل مكان، فالسينما ليس مجرد حدوته تمتد لساعة او ساعتين، بل هي وسيلة تواصل وتلاقح ثقافي بين الشعوب، اسهمت في التعرف على ثقافات وحضارات لم نكن لنتعرف عليها لولا الأفلام السينمائية التي تشاهد في شتى دول العالم، وربما لا يقرأ الكثير من الناس كتابا او صحيفة بشكل يومي ، ولكنهم بالتأكيد يشاهدون فيلما سينمائيا ربما يوميا او اسبوعيا في اقل تقدير ، خصوصا بعد الانتشار الواسع للفضائيات العربية والعالمية التي تعرض عشرات الافلام يوميا ، من هنا تأتي السينما، وأهمية ان يكتب عنها في الصحف، في سبيل إشاعة ثقافة سينمائية بين الناس ، تعمل على توجيه ذائقة المشاهد نحو الأفلام الجيدة، وقراءة وتحليل الأفلام لخلق فهم أكبر لتيمة الفلم السينمائي، فالكثير من جهات الإنتاج تضع في حساباتها أهدافا محددة لإنتاج هذا الفلم او ذاك، فبعض الأفلام تحوي الكثير من الرسائل السياسية التي يراد إيصالها الى المتلقي ، وقد تشكل هذه الرسائل خطورة كبيرة على من يشاهدها، من خلال تأثيرها عليه بشكل سلبي أو إيجابي ، وشهدت الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والغربي، انتاج العديد من هذا النوع من الأفلام ، حتى يقال ان واحدا من أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي هو الأفلام السينمائية التي كانت توجه الى شعوب الاتحاد، وبالتالي كانت هذه الشعوب مهيأة للتغير الذي حدث.
بعض الدول تمتلك ماكنات انتاج ضخمة مثل هوليود التي يتجاوز انتاجها الألف فلم سنويا، توزع وتعرض في جميع دول العالم، هذه الماكنة الإنتاجية الضخمة توجه باتجاه إشاعة الثقافة الغربية عموما والأميركية خصوصا بين المشاهدين لأفلامها، مراهنة على التماهي الذي يمكن ان يحدث لهم سواء مع ابطال الفلم، أو حكايته،
كذلك فان السينما هي وسيلة تواشج بينها وبين بقية الفنون والآداب، لذلك أخذت الكثير من مواضيعها من الروايات المهمة، وكانت سببا في انتشار هذه الروايات في بعض الأحيان، فروايات نجيب محفوظ التي حول معظمها الى أفلام سينمائية، لم يقرأها الكثير من المصريين بل شاهدوها أفلاما، في الفترة التي كانت نسبة الامية عالية سواء في مصر او بقية الدول العربية.
لكل ذلك تأتي أهمية ان تكون هناك صفحة سينمائية في جميع الصحف التي تصدر ، سواء في العراق او غيره، هذه الصفحة موجودة في جريدة الصباح الجديد، لكن وجود ملحق سينمائي، قد يكون له الأهمية الأكبر، لسعة وتنوع المواضيع السينمائية التي يحتويها، بما يخلق فائدة أكبر للقارئ ، سواء المهتم بالشأن السينمائي ومتخصص فيه او للقارئ الذي يمتلك حب الاطلاع على خفايا الفن السينمائي ، وما تحمله أفلامه من مواضيع ، وكذلك كيفية صناعة هذه الأفلام ، ومعرفة حيـاة نجومهـا.

]]>
186834
احلام أكيرا كيراساوا.. http://newsabah.com/newspaper/186830 Wed, 12 Jun 2019 17:12:23 +0000 http://newsabah.com/?p=186830 كاظم مرشد السلوم

أكيرا كيراساوا هو المخرج الياباني الاكثر شهرة ليس على مستوى السينما اليابانية فحسب بل على مستوى السينما العالمية كذلك ، كان له تأثيره الواضح على مسيرة العديد من المخرجين اليابانيين ،فمنذ اخراجه لاول افلامه « سانشيرو سوغانا « اتخذت مسيرته مسارا تصاعديا لم يتوقف إلا في العام 1998 عام وفاته وهو المولود في العام 1910 ، لم تكن حياة كيراساوا حياة اعتيادية خصوصا وانه عاش وكان شاهدا على حربين عالميتين ، اثرت وبشكل كبير على واقع بلاده اليابان وعلى ثقافة شعبه ، وتحول هذه البلاد من قوة عسكرية كبيرة الى قوة اقتصادية هائلة ، وربما كانت هذه فضيلة الحرب الكبيرة على اليابان بلدا وشعبا .
هذا التأثير كان واضحا في اعمال المخرج كيراساو ، وهو المنحدر من أحدى عائلات الساموراي ، التي تستمد تقاليدها من عمق ديني هائل ، وكان فيلمه الشهير الساموراي السبعة دليلا على ذلك وكذلك بقية افلامه ، لكنه استطاع وبذكاء كبير من أن يحاكي السينما العالمية من خلال اتباع طرق الاخراج الغربية الامر الذي اسهم الى حد ما في نجاح وتقبل افلامه في الغرب ، وتعاطفهم معها .
استمر في نجاحاته على الرغم من أن نقاد السينما في اليابان كان لديهم شكوكهم بسبب طريقة عمله غير التقليدية إلى عام 1971 حين أصابه اكتئاب بعد فشل فيلمه ” الطائر الأحمر” و لم يجد تمويلاً لأول فيلم له بالألوان فنجا بصعوبة من محاولة انتحار، ثم عاد إلى الإخراج بفيلم من إنتاج مشترك ياباني روسي “ديرسو أوزولا” في 1975 الذي حصد أوسكار أفضل فيلم أجنبي في عام 1976، و استمر بنجاحاته الكبيرة حتى مماته في 1998 عن عمر يناهز الـ 88 بعد قضائه لما يقارب الـ 57 سنة في عالم الأفلام و التي أخرج من خلالها 30 فيلماً.

بعد التجربة والخبرة الكبيرة التي اكتسبها ، اخرج في العام 1990 واحدا من اهم افلامه « أحلام كيراساوا « وهو عبارة عن مجموعة افلام قصيرة ، هي احلامه السينمائية ، او هي ما حلم به ذات يوم ما واراد ان يحوله الى فيلم او يحكيه الى الناس من خلال سرد صوري وظف فيه فنطازيا خيالات الاحلام / متناولا مايشغل باله ، نتيجة الاشكالات التي تواجه العالم التي لم تنته بانتهاء الحرب العالمية الثانية ، او حتى انتهاء الحرب الباردة بين الدول الكبرى ، فالخطر مازال قائما ، مع التطور التكنولوجي الهائل خصوصا في مجال الصناعة النووية ، وبالتالي فان أحلام الانسان لا بد ان تتأثر بهذا الخطر ، فكيف اذا كانت احلام فنان ومخرج اسمه « اكيرا كيراساوا «
ثمانية احلام هي مايحويه الفيلم ، الحلم الاول بعنوان « الشمس تشرق من خلال السجب « يتحدث عن طفل لايأبه بتحذير امه فيخرج في يوم تقيم فيه بنات آوى عرسها ، فيتعرض الى الطرد من البيت بعد ان تسلمه امه سيفا ، وتطلب منه الذهاب الى بنات أوى والاعتذار منهم .
ربما اراد كيراساوا ان يتحدث عن التربية المنضبطة والقاسية الخاضعة للتربية والافكار والعقائد اليابانية المتأصلة في المجتمع ، وكيف يمكن ان تصنع من الطفل رجلا يواجه الازمات .
معالجة كيراساوا للحكاية كانت بدهشة بصرية أخاذة، كونه اراد ان يخفف من جزعنا على مصير الطفل فكانت صوره لحقول بأزهار جميلة وقوس قزح ربما لا نراه كثيرا في حياتنا ولكن يمكن ان نتخيله او نحلم به .
الحلم الثاني كان بعنوان «بستان الخوخ « وهو عبارة عن عرض صوري يقترب كثيرا من عروض الدمى اليابانية بملابسها التراثية ، والطفل الذي ربما يكون هو نفسه كيراساوا حاضرا يحاكي ارواح الأشجار، وحياة البراعم المتجسدة على شكل فتيات ورجال جميلين ،
التناول تم من خلال مايشبه العرض المسرحي على سفح تل اخضر، والطفل يقف امام العديد من الاشخاص الذين هم ارواح اشجار الخوخ يتوسلهم ان لايذبل بستان الخوخ الذي يحب فتتحقق له امنيته .
الحلم الثالث هو « العاصفة الثلجية « وهو حلم يتحدث عن متسلقي جبال يابانيين يتعرضون لعاصفة ثلجية شديدة لايستطيعون مقاومتها ، هنا ايضا تبرز شخصية القائد الساموراي البطل الذي يقاوم العاصفة لاخر رمق ثم يستسلم ، ليصحوا على حلم فتاة تخبره ان العاصفة انتهت وان الثلج بدأ بالذوبان ، ولكن متى ، هل كان ذلك بعد موتهم ، ام نهم وصلوا الى معسكرهم فعلا كما نادوا في اخر الفيلم

الحلم الرابع هو « النفق « تاثير الحرب الكونية واضحا في هذا الحلم والقائد الشجاع يجب ان لا يخرج من معركة خاسرة حيا حسب العقيدة الساموارية المتأصلة في جسد المجتمع الياباني ، فماذا اذا خرج كذلك ؟
منسحبا يصل القائد الى نفق مظلم ، يخرج من خلاله كلب بشع البس حزام من المتفجرات تتبعه كتيبة من الجيش هي كتيبة القائد التي ابيدت كلها في المعركة ، يؤدون التحية له ويعلنون انتهاءالمعركة من دون خسائر ، فهم الابطال وان ماتوا ، هنا يقول لهم كلمة مؤثرة ، انهم يسمونكم ابطالا ولكن في النهاية انتم موتى ، كنت اتمنى لو مت معكم ، أمرهم بالرجوع من حيث اتوا ،ثم يتركه كيراساوا مع الكلب في نهاية مفتوحة بين الموت والحياة التي يفصلها كلب بشع .
الحلم الخامس وربما الاهم من حيث الاخراج واستعمال عناصر اللغة السينمائية هو حلم « الغربان « حيث يبحث كيراساوا عن الرسام الشهير فان كوخ وهو الذي كان هاويا للرسم في بداياته ، ودخل كلية الفنون الجميلة قبل ان يتجه الى السينما ، يجد فان كوخ في احد حقول القمح ومازال الضماد يلف اذنه التي قطعها قبل ايام ، مارتن سكوسيزي وكوفاء لكيراساوا هو من مثل دور فان كوخ .
كوخ لايعيره اهتمامه ويتركه ليدخل باحثا عنه عبر العديد من لوحاته ، ليصل الى الحقل الشهير الذي رسمه فان كوخ وقد ملأته الغربان .
الحلم السادس هو الانفجار الاحمر لبراكين جبل فوجي « وهو تحذير من خطر بناء المفاعلات النووية ، حيث يتنبأ بانفجار متسلسل لستة مفاعلات نووية ، فيهرب السكان الى البحر ، ليلقوا بانفسهم كي يموتوا غرقا بدلا من الحريق ، خبير علمي يتحدث عن ضرر الغازات السامة التي تطلفها المفاعلات ويذكر اسماءها العلمية تأكيدا من كيراساوا على زيادة التحذير .
الحلم السابع هو حلم مكمل للحلم السادس حيث يتحدث عن نتائج ماوراء الكارثة التي يمكن ان تحل بالارض وشعوبها فنبتة الهندباء البرية تكون عشرات اضعاف حجمها والعقل والشكل الانساني لا يسلم من تأثير مدمر كذلك .
الحلم الاخير هو قرية الطواحين المائية ، يحاول كيراساوا العودة الى البدايات حيث الناس تعيش ببساطة كبيرة وليس ثمة ما يشغل بالها مكتفية من كل شيء من خلال ماتوفره الارض والماء ، حتى الموت يحتفلون به ، وليس ثمة مشكلة من حدوثه ، هو حلم بقرية او مدينة فاضلة وهو امر ربما لا يوجد حتى في القرى القصية من الارض.
كيراساوا صنع قرية غاية في الجمال ، مناظر طبيعية تثير الدهشة ، نتمنى جميعا ان نعيش فيها ولكنها في نهاية الامر حلم لا يتحقق في عالم يشهد صراعا وازمات ربما تحقق الاحلام الكارثية والمخيفة اكثر من الاحلام الرومانسية الجميلة
اخيرا قدم كيراساوا من خلال هذا الفيلم لوحات فنية ضمن دهشة بصرية هائلة ، تؤكد علو كعبه في الاخراج السينمائي ، لذلك كان بحق الممثل الكبير للسينما اليابانية .

]]>
186830
تاريخ السينما التجريبية الطليعة التاريخية (1916 1930) http://newsabah.com/newspaper/186829 Wed, 12 Jun 2019 17:11:13 +0000 http://newsabah.com/?p=186829 آماندا روبلز، وجولي سافيللي
باريس – ترجمة صلاح سرميني

تُعد بدايات السينما، بحدّ ذاتها، تجريبية، كما تشهد على ذلك الفترة التي سبقت السينما، والبحوث التقنية للروّاد الأوائل (إيتيّين ـ جول ماري، الأخوين لوميّير، جورج ميليّيس، أو إميل كول)، وخلال العشرينيّات ظهر مصطلح «الطليعة» بهدف الإشارة إلى الأفلام التي أُنجزت في إطار حركة البيانات الفنية الكبرى التي استهدفت تغيير الفنّ، والمجتمع معاً (المُستقبلية، التكعيبية، التجريدية، الدادائية، السوريالية، والبنائية).
لم يكن أولئك الروّاد سينمائييّن فحسب، بل كانوا فنانين/رسامين، تشكيليين، مصورين، أو شعراء ـ يناضلون من أجل «سينما صافية» تتجاوز إملاءات السردّ الموروثة من الرواية، والمسرح.
وفي هذا الحراك، شاركت مبادرات متعددة الاختصاصات في أسسّ السينما التجريبية.
تلك الحركات الأولى للطليعة، والتي يُقال عنها «تاريخية»، تشكلت أساساً في أوروبا (إيطاليا، ألمانيا، فرنسا، وبريطانيا)، وكانت تسعى إلى تأكيد مواقع جمالية جديدة عن طريق تجريبٍ شكليٍّ يواجه السينما الصناعية المُهيمنة.
يقترح المؤرخون التميّيز بين ثلاثة تياراتٍ رئيسة:
ـ التعبيرية الفرنسية.
ـ الطليعيات التسجيلية.
ـ وطليعة «البحث» التي تشير إلى تجارب شكليّة أكثر راديكالية.

1916: بيان السينما المُستقبلية

المستقبلية، أسّسها الشاعر الإيطالي «فيليبّو تومّاسو مارينيتي»، وهي حركةٌ أدبيةٌ تمددت سريعاً إلى الفنون الأخرى.
قريبةٌ من التكعيبيّة، تحتفي المُستقبلية بجمال العالم الحديث، والآلات، والمدن.
في عام 1916 نشر «مارينيتي» بيان السينما المُستقبلية، وأعلن فيه، بأنّ هذه الطليعة السينمائية سوف تتموقع في ملتقى طرق فنونٍ مختلفة:
«سوف تكون أفلامنا … قصائد، خطاباتٍ، وأشعاراً سينمائية …، بحوثاً موسيقية سينمائية (تنافر، توافق، سيمفونيات إيماءاتٍ، أفعال، ألوان، خطوط، .. إلخ)».
في العام نفسه ، كتب «مارينيتي» سيناريو بعنوان (Vita futurista) أخرجه «أرنالدو جينا»، وقدم فيه مجموعةً من المُستقبليّين يُحدثون اضطراباً داخل حانةٍ بورجوازية في فلورنسا، وفي عام 1958 ضاعت نسخة الفيلم خلال محاولة ترميمها.

1919 : الطليعة التعبيرية

في عام 1917، أثمر اللقاء بين «جيرمين دولاك»، و»لويّ ديلوك» عن إمكانية إنجاز فيلم (La Fête Espagnole) ـ العيد الإسباني ـ (1919)، وبشكلٍ أوسع، نشأت أول حركة طليعية للسينما الفرنسية معروفة أيضاً تحت اسم التعبيرية (وهي تختلف عن التعبيرية الألمانية).
بعيداً عن جذرية حركاتٍ طليعية أخرى، اهتمّ السينمائيان بتحويل السينما الحكائية إلى مناطق أكثر تعبيريةً.
«مارسل لوهربييه» في فيلم (El Dorado) عام 1921، «رينيه كلير» في فيلم (Paris qui dort) ـ باريس التي تنام ـ عام 1923، وأيضاً «جان إبستاين»، بدأ هؤلاء باكتشاف الإمكانيات البصرية للفيلم عن طريق التجارب المختلفة في تأطير اللقطات، حركات الكاميرا، علاقات الظلّ، والضوء، التشوّهات الناتجة عن العدسات، عدم وضوح الصورة، وتطابق الصور فوق بعضها.
بدوره، دفع «آبل غانس» التجريب التقنيّ أبعد بكثير، متخيلاً لفيلم (Napoléon) عام 1927 توسيع المقاس التقليدي عن طريق التصوير بثلاث كاميرات، ومن ثمّ عرضَ الفيلم على ثلاث شاشات.
وبدورها، تخيّرت «جيرمين دولاك» الجذرية باقترابها أخيراً من الحركة السوريالية مع فيلم (La Coquille et le Clergyman) ـ القوقعة، ورجل الدين ـ عام 1927 الذي شارك «أنتونان أرتو» في كتابته.

1921: السينما التجريدية

ظهر التجريد في الرسم نحو عام 1910، وكما الحال في السينما الطليعية، كانت الفكرة ابتكارهم رسماً «صافياً»، متحرراً من تبعيته للتشخيص.
في العشرينيّات، عددٌ من رسامي التجريد أدخلوا إلى السينما أفكارهم حول تفكيك الأشكال، والحركة، والتلازم بين الإيقاع الموسيقيّ، والألوان، والأشكال.
«هانز ريختر»(1888-1976) رسامٌ ألمانيّ بتأثيراتٍ تعبيرية، وتكعيبية، أو «فايكينغ إيغيلنغ»(1880-1925)، رسامٌ سويديّ قريب من الحركة الدادائية، بدآ تجارب بالرسم على لفائف، ومن ثم تصويرها. (Rhythm 21) ـ إيقاع 21 ـ عام 1921 لـ»ريختر»، و( La Symphonie diagonale) ـ السيمفونية المائلة ـ عام 1925 لـ»إيغيلنغ» يشيران إلى بداية عدد من التجارب انتهت مع صعود النازية.
هرب «ريختر» إلى الولايات المتحدة، وهناك تعاون مع فنانين أوروبيين آخرين منفييّن مثله: «مان راي»، «ماكس أرنست»، «ألكسندر كالدير»، وأيضاً «فرناند ليجيه»، و»مارسيل دوشا»، حيث عدت أفلام مثل (Ballet Mécanique) ـ الباليه الميكانيكية ـ عام 1924، (Anémic Cinéma) عام 1926 من بين علامات الطليعة التاريخية، وأحدث فيلمهما المشترك (Dreams That Money Can Buy ) عام 1947 تأثيراً على السينمائيين الأوائل للأندر غرواند الأميركية.

1927 : سيمفونيات حضرية

نشأت طليعيةٌ تسجيليةٌ تتماشى مع السينما التجريدية، وهكذا، بعد أن أخرج «والتر روتمان» فيلمه (Opus I)، وكان بمنزلة باليه صافية من الأشكال الجيومترية، بدأ يهتم بتصوير لقطاتٍ واقعية، في عام 1927 أنجز (Berlin symphonie d›une grande ville) ـ برلين سيمفونية مدينة كبيرة ـ ومن خلال اشتغال مونتاجيّ بارع يرتكز على علاقات أشكال، وإيقاع، يُظهر 24 ساعة من نشاط مدينة.
عد الفيلم حصيلة موجة تجارب فيلمية حول موضوعاتٍ حضرية، تلك التي بدأت تظهر إلى النور مع فيلم (Manhatta) في عام 1921 لـ»بول ستراند»، و»شارلز شيلير»، أو فيلم (Rien que les heures) ـ لا شيء إلاّ الساعات ـ في عام 1926 لـ»ألبرتو كافالكانتي».
وبدوره، شارك فيلم (Jeux des reflets et de la vitesse) الذي تمّ إنجازه خلال الأعوام 1923-1925 لـ»هنري شوميت» في تلك البحوث التجريدية عن طريق تشظية الواقع.
لاحقاً، عرف الفيلم السيمفونيّ تنويعاتٍ مختلفة مع عددٍ من الأفلام القصيرة لـ»يوريس إيفانز»، وأيضاً أفلاماً مثل:
(Douro) عام 1931 لـ»إيمانويل دي أوليفييرا»، (À propos de Nice) ـ فيما يتعلق بمدينة نيس ـ عام 1930 لـ»جان فيغو»، أو حتى (L›Homme à la caméra) ـ رجل الكاميرا ـ عام 1929 لـ»دزيغا فيرتوف»، واسهمت هذه الأفلام باستكشاف المناظر الحضرية في اشتغالٍ تكوينيّ بصريّ، ومونتاج إيقاعيّ يقترب من الكتابة الموسيقية.
1929 : المونتاج السوفييتي
بين الأعوام 1920 و1930، وعلى خلفيةٍ ثورية، انطلقت السينما السوفييتية الشابة للبحث عن لغةٍ سينمائية جديدة تكون بمنزلة صدىً لمجتمعٍ جديد.
اهتمت هذه السينما بتتابع اللقطات، وارتكزت على مونتاجٍ يتماشى مع تجارب «ليف كوليشوف».
في عام 1929، نلاحظ من جهةٍ فيلم (La Ligne générale) ـ الخط العام ـ لـ»إيزنشتاين»، ومونتاج جذب الانتباه، ومن جهةٍ أخرى، فيلم (L›Homme à la caméra) ـ رجل الكاميرا ـ لـ»فيرتوف، ومونتاج الفواصل.
نجد أصول مونتاج جذب الانتباه في مسارح المنوّعات: وينطوي على لحظةٍ قوية، مستقلة بما يكفي كي تتخلص من الطبيعية، والتشابه مع عرضٍ مشهديّ، وذلك من أجل إنتاج ردّ فعل قويّ على المتفرج.
بينما يشير مونتاج الفواصل عند «دزيغا فيرتوف» إلى الحركة بين الصور، وانشاء علاقاتٍ جديدة في الزمان، والمكان كي تجعل المتفرج يشاهد العالم لأول مرة.
إذا كان هذان المفهومان من المونتاج المُتعدد الأصوات يختلفان في أماكن مختلفة، فإنهما عملياً يشاركان في الطليعة السوفييتيّة من خلال نزعتهما المشتركة ضدّ الوهم الدرامي، وما سوف تُسميه السينما التقليدية السائدة «شفافية/وضوح».
1929 : مؤتمر لازاراس
في نهاية السينما الصامتة، اجتمع البعض من السينمائيين، والمُنظرّين للتباحث في مستقبل السينما المُستقلة، حيث تعرّض نظام داعمي الفنّ الذي كان يسمح بإنتاج هذا النوع من الأعمال إلى الخطر بسبب الأزمة الاقتصادية عام 1929، ومع وصول الحوارات الصوتية، سرعان ما أصبحت السينما صناعة جديدة، استولى عليها التجار الذين لم يكن يهمّهم التجريب الفنيّ.
اجتمع هؤلاء في قصر إحدى السيدات من مناصري الفنّ في إطار «المؤتمر الدولي للسينما المستقلة»، ومع مضيفتهم السيدة « دو ماندرو» بحثوا في تخيّل إيجاد إمكانياتٍ مؤسّساتية، أو قانونية أخرى من أجل الاستمرار في إبداعهم.
كان من بين المشاركين: سيرغي أيزنشتاين، بيلا بالاش، ألبرتو كافالكانتي، هانز ريختر، والتر روتمان،…
أفضى المؤتمر إلى توصيات تأسيس شركةً تعاونية لتنظيم عروض السينما المستقلة، وشبكة نوادي سينما، ووكالة صحفية، وللأسف، لم تستمر تلك المشاريع، ولكنها شحذت أهمية هذه السينما خارج النظام الإنتاجيّ، والتوزيعيّ السائدين.
1930 : السوريالية
كان المشروع السوريالي يسعى إلى جعلنا نكتشف حقيقةً أخرى، واستعادة الاشتغال اللاواعي للتفكير انطلاقاً من تقنياتٍ مثل الكتابة الأوتوماتيكية، والاستيحاء من لعبة «الجثة الفاتنة»، والكولاج.
أثارت السينما إعجاباً شديداً عند السورياليين، وأصبحت بالنسبة للمخرج «لويس بونويل»، و»سلفادور دالي» آلة حقيقة للحلم، وفي عام 1929 أخرجا معاً فيلم (Un Chien andalou) ـ كلبٌ أندلسيّ ـ، ومن ثمّ (L›Âge d›or) ـ العصر الذهبي ـ في عام 1930، كان هذا الفيلم المُدلل بمنزلة البيان السوريالي الثاني.
سينمائيون عصاميون كما «مان ريه» ((L›Etoile de mer 1929 ـ نجمة البحر ـ، «جان كوكتو»
(Le Sang d›un poète 1930) ـ دم شاعر ـ، أو «بينليفيه» (La Pieuvre 1928)ـ الأخطبوط ـ كانوا يحومون أيضاً حول «أندريه بروتون» الذي ظلّ ينتقد تلك السينما الحلمية، ويعد بأن أنماط إنتاجها ليست سوريالية صارمة.
وعلى الرغم من العدد القليل للأفلام المُنتجة في كنفها، كان لتلك المجموعة من الأنقياء تأثيرها الكبير على القرن العشرين، وبشكلٍ خاصّ، تاريخ السينما التجريبية، كاشفة عن جانب اللاوعي، والمصادفة في الإبداع.

]]>
186829