ثقافة – جريدة الصباح الجديد http://newsabah.com يومية | سياسية | مستقلة Mon, 17 Jun 2019 18:16:57 +0000 ar hourly 1 124085406 الدراما الباردة.. العرضحالجي أنموذجا http://newsabah.com/newspaper/187192 http://newsabah.com/newspaper/187192#respond Mon, 17 Jun 2019 17:58:24 +0000 http://newsabah.com/?p=187192 نورس السيلاوي

تنطلق الدراما التلفزيونية عادة، من الاهتمام المجتمعي الذي يتلخص بهموم بعينها، غالبا ما تكون معاصرة وحيوية وتشتغل في وجدان وعقل وروح الناس. وخلاصة القول في هذا المضمار انها تضع المتلقي المحلي اولا في صميم توجهها. ومن ثم يأتي المتلقي الاخر البعيد عن خارطة توجهها، وصولا الى القيم الفنية والتقنية للدراما، اسوق هذه المقدمة للحديث عن اهمية وموقع مسلسل – العرضحالجي-في رؤيتنا الاجتماعية وتلقينا لها بوصفها واحدة من الاعمال السنوية التي تنتجها التلفزيونات في رمضان.
وقد شاهد المتابعون في العراق – جلهم من العوائل العراقية-حلقات مسلسل « العرضحالجي» بأحداثه المتكررة وايقاعه الباهت، في رؤية بسيطة تعزز فكرة البطل المثالي الذي يشط عن الواقع وصولا الى الطفل الذي يتنبأ بالأحداث القادمة دون ان يراها!!، هذه وغيرها من الافكار المتشائمة التي لم يجد قاسم الملاك، مؤلف العمل بديلا عنها لقناعته الكلاسيكية القديمة بان الدراما العراقية تستوعب المشاهد الدرامية حتى وان كانت حشوا زائدا وفاقدا للقيمة. أما موضوع زج قصار القامة « الصورة القزمية المفتعلة» لعدد من الممثلين لأغراض غير منطقية في مشاهد المسلسل، تشي بان الافتعال يستدرج الكوميديا لأغراض السخرية من المتلقي نفسه، وبالتالي يفشل المشهد الذي يغرّد خارج سرب الموضوعية الدرامية إن صح التعبير.
فمنذ الحلقة الثالثة من المسلسل، تأخذ الاحداث منحى ساذجا وكان المؤلف يخاطب العقل العراقي بصورته المستهلكة وغير العميقة. وكأنه مجتمع غير معني بهموم وتطلعات اجتماعية ذات جدل واسع، تبدأ من اشكالات الهوية، ولا تنتهي عند تخوم الارهاب الوحشي المقيت الذي عانى منه العراقيون وذاقوا ويلاته. تأخذ هذه الاحداث منحى يشعرك بان – المُخاطَب تلاميذ رياض الاطفال-وليس الجمهور الواسع العريض الذي ينتظر من الدراما ماهو اكبر من تطلعات قاسم الملاك ذي التاريخ الفني الجميل العالق في ذهنية المتلقي العراقي، ولن نتساءل هنا عن دور الرقابة الفنية والفكرية لان المسلسل – مسلسل العرضحالجي -من انتاج قناة غير حكومية لا تخضع لمحددات وضوابط الانتاج الدرامي الرسمي. على الرغم من هذا، كان على مثل هذه القنوات، ان تعمل على نوع من الضوابط يكبح جماح التأليف السيء والرؤيا الاخراجية غير الناضجة، بغياب واضح للنقد المنهجي والموضوعي اللاذع لنكوص الدراما التي ظهرت بهذه الصورة غير المحببة !! ولم تشفع لها المقدمة، او – التتر-الممزوج بصوت حاتم العراقي بأداء مميز وجميل.
ان واحدة من مبررات الغرابة التي ظهر عليها هذا المسلسل، هي عدم الرؤيا بالمقارنة مع الاعمال العربية والخليجية، بل وحتى الاعمال العراقية الدرامية الناضجة. ومثال على ذلك «تحت موسى الحلاق» او مسلسل «النسر وعيون المدينة»، وصولا الى مسلسل «غرباء» الذي عرض في تسعينيات القرن الماضي، هذه الاعمال، لابد لها ان تكون نموذجا دراميا يحتذى به، لا ان تنحدر الدراما الى الصورة النمطية البسيطة وغير المجدية والتي تؤسس لخطاب درامي غير مسؤول وغير منضبط وغير نافع بالمحصلة النهائية.
فهل يعقل ان نختزل الدراما العراقية بـ (تنطيط اقزام) وملابس مشوهة وحوارات تعمل على تتفيه فكرة الدراما وجدواها ونساء تبرز مفاتنها وغناء وطرب بلا معنى؟؟. مستحضرين في ذلك تشويه كلمات ارث الاغنية العراقية بأداء مشوه وغير جميل من قبل الشخصيات التي ادى ادوارها باسم البغدادي واحسان دعدوش بطريقة نشاز تثير صورة البلاهة أكثر من اثارتها لصورة الابداع الفني الاصيل. الاغنية العراقية التي لفت تطورها انظار المتلقي العربي لعقود طويلة، وقد نتج عنها فضاء فني عميق الجذور على مستوى الكلمات والالحان والاداء. لقد فشل المسلسل في ان يقترب من المعالجة الفنية لأغنيات التراث مثلما عمل عليه في أحد الافلام المصرية الفنان المصري محمد سعد من خلال فيلمه المعروف «اللمبي» وهو يحور واحدة من اغنيات السيدة ام كلثوم «حب ايه»، بمعالجة فنية تثير الاعجاب وتشير الى نوع من مزج الفن الاصيل بالدعابة واستثمار الشائع من موسيقى الطرب الى مشهد من مشاهد الضرورات الفنية التي تحتاجها الدراما في ذلك الفلم. فمالذي فعله احسان دعدوش وباسم البغدادي حيال الارث الموسيقي والغنائي العراقي الرفيع، غير التهديم بمعاول غير واعية لقيمة هذا التراث وقيمة الحفاظ عليه والارتقاء به؟؟
إذ يطرأ سؤال هنا عن مدى امكانيات استثمار الاموال في مثل هذه المسلسلات، مقارنة بما تصرفه القنوات الفضائية الاخرى – المصرية والخليجية – على الرغم من شحة انتاج الدراما العراقية وعزوف الدولة عن تعزيز واقعها بأعمال كبرى او مشاريع درامية مدروسة وناضجة ومفيدة. وبتقديري الشخصي البسيط ان هذا الامر لا يمكن ان يكون سببا رئيسا في السعي لتشويه الدراما التلفزيونية التي تنتظرها العائلة العراقية بفارغ صبر في كل عام.
ومن الجدير بالذكر، ان متابعة ميدانية قمنا بها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وموقع – يوتيوب-تفيد بان أكثر من 90% من المشاهدين ترى في هذا المسلسل تراجعا ونكوصا في الدراما الوطنية -الدراما العراقية ذات التاريخ المتوهج واللامع-، والغريب في هذا الموضوع، ان مؤلف – العرضحالجي-يفيد بعد عرض المسلسل لأكثر من برنامج تلفزيوني، ان الدافع لإنتاج مثل هذا المسلسل او من محرضات انتاجه، هو اعجابه الشخصي بأعمال عربية كان لها الاثر في تكوينه وتحريضه على الانتاج والكتابة والتمثيل للدراما التلفزيونية. الرؤية الفنية لمسلسلات راسخة ومهمة – عربية على وجه التحديد-مثل مسلسلات وافلام: الملك فاروق، وظهور الاسلام وغيرها من الاعمال. فهل يعقل ان التاثر ينتج مثل هذا التراجع الدرامي؟؟
هل يعقل ان يكون هدف الدراما العراقية خارج هموم وتطلعات المتلقي العراقي الذي يرزح تحت وطأة الارهاب والفوضى السياسية والفكرية في بلد يمتد تاريخه لآلاف السنين، ويمتلك موروثا لا يضاهيه سوى بعض قليل من حضارات كان متفوقا عليها لحقب تاريخية طويلة؟؟
لا علاقة للكوميديا بما حدث في مسلسل العرضحالجي، ولا علاقة لفنون التلفزيون بالحشو الذي جرى زجه في هذه الخلطة التي تنتظم تحت عنوان المسلسل التلفزيوني. انها ثقافة الاستهلاك غير المنضبط في ثقافتنا وفنوننا، وهي بحاجة ماسة الى فحصها وتسليط الضوء على ظواهرها السلبية والايجابية على حد سواء.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187192/feed 0 187192
لن تزرع الارض مثلك يوما ما http://newsabah.com/newspaper/187189 http://newsabah.com/newspaper/187189#respond Mon, 17 Jun 2019 17:57:37 +0000 http://newsabah.com/?p=187189 أنمار مردان
إلى / أخــي عـادل

أقرأ
هكذا أنت أبيضُ
تلتصقُ كلُ العصافير على جرفيّكَ
تثقبُ النهر َ لتشوه شهوة َ الغرق ِ
تَزرعُ أحاديثَ المارة ِعلى مرفأ شاحب ٍ
وتعود ُ مغامراً
تقفُ نِداً للقبر ِ
ولا تعرف ما لون النوم في عيون الموتى؟ ..
كنتُ واثقا ً وأنت تَلمع ُ
إن الصلاة َ على جسدكَ آلة عود
وأقصوصة
كنتَ محارباً حين سحبت الليل من بدعته ِ
وبصقته ُمثل خبر ٍ حزين …
لماذا لم تقل لي
إن جثمانك حياة ٌ قادمة ٌ
ولعب أطفال ٍ لا يقرأون طعم المرايا
كنتُ حينها رسمت ُ وجعَكَ منارة ً
وروجت لبضاعة الله في خلقه ِ …
أعرفُك َ حين غادرتنا
استوطنتْ فضاء فكرك زيجات السماء
وحين تركتَ قبرك يستحم ُ تحت مظلةٍ
لم تروِ لنا
كيف نقلتَ موسيقى النجوم وسيلة دعاء؟
حتى شرايين الصيف ِ أنت وحدك
استنشقتها لتحجز تذكرة ً للرصيف المنحي بآخر بسمة بزغتها
وأنت تصطحب ُ أوردة الملائكة رفيقا …
وأعرفك
تركتني محنطاً بالهذيان
أشم ُ إرثك الغائب مقتبساً ظلي
كأني دون وجه
أمتلىء حين تلسعني الأرض بالرغبات
رغم أني فارع ُ الهواء ِ
وأنت تقدَّ المشنقة
على فرحة أبي
وتشعل ُ قبابَ الهلعِ
على وجع أمي العتيق …
وأعرفك
أنك صياغةٌ أخرى
ومحنة ٌ لا تدير وجهها الى الخلف
التراتيل ُ مخاضك الأخير
أنك لحظة ُ تجمع الشفق في علب السماء
أنك فارس ُ أحلام أي فتاة ٍ تحلم بالشرف رئة ثوب
أنك وقت ُ فراغ من لا وقت له
وأعرفك
حين نفختَ أيامك في حفرة ٍ
ارتعشتَ بكارةً لغربة ِ اللقاء ,
ارتديتَ القمر فترة غموض
حاربتَ النوم بباقة نعاس ٍ بارد
ومُتَ وأنت على قيد الحياة …
يـــــــــــــــــــــــــــــــــا أخي
المساسُ برؤوس ِ الموتى تابوتٌ مخضر ُ
لم يصل اليباس ُ إلى غبارِهِ
ولم يتعهد بالفوضى كحريق
والصدق ُ في حضرتِهِ
كاهن ٌ خرف ٌ
ومقصلة ٌ
وعناء ٌ رقيق
ومعركة ٌ مخصبة ٌ
وخيطٌ ضفيرة ٍ يزاول العهر في لوحة ٍ لا تشترى
ولا توضع على الطرقات سبيلا …
يــــــــــــــــــــــــــــا أخي
المطاولة ُ في خداع ِ الغيم ِ
مطرٌ باهت ٌ
وزفير ُ خطوة ٍ من يشهقها
لا أضمن له العودة إلى هذا التوتر ِ الرجيم
وعبارة ٌ مكتوبة ٌ بخطٍ أحمر
المــــــــوت ُ نـــــــطق مفقـــــود
وصـــــورة ُ استفهـــام غامـــضة …
إلى هنا …. قل لي
كم أمنية ٍ عمرك الآن؟
كم سنبلة ٍ تدور في نبض ِ حصادك؟
كم ضحكة ٍ في صدرِك إلى الآن لا تعرف طريق النجاة؟
قل لي كيف عطرك الآن؟
وأنت ذاهب ٌ إلى الله حالما ….

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187189/feed 0 187189
الكواز ورحلة التيه رواية جديدة للكاتب عبد الرضا صالح محمد http://newsabah.com/newspaper/187186 http://newsabah.com/newspaper/187186#respond Mon, 17 Jun 2019 17:56:52 +0000 http://newsabah.com/?p=187186 عن دار الدرويش للنشر والترجمة، بلوفديف ـــ بلغاريا، صدرت للكاتب عبد الرضا صالح محمد رواية (الكواز ورحلة التيه) ، يقول في غلاف الرواية الخلفي :» ما نحن الا كائنات تدور في افلاك هذا الكون اللامتناهي المبهم وما نحن الا اسارى في مساراته ودوراته وازمانه، وكما هو معروف ان جميع الموجودات مصيرها آيل الى الفناء، الا الذاكرة فإنها تبقى تعوم في اثيرها الازلي وتصارع بين الازمان : زمن مضى بحلوه ومره، وآخر نعيشه حاضرا وغيره ات مستقبلا، وفيها نكون قد قطعنا دهرا بلمحة بصر كالنسمة العابرة، ووفرنا كما هائلا من مخرون الفكر والاحداث، وقد حضي الزمن الماضي بالنصيب الاوفى، وما للحاضر من وليد الحدث غير لحظات ويبقى المستقبل مجهولا لا نتبنأ عنه شيئا».
الكاتب روائي وفنان تشكيلي، عضو اتحاد ادباء وكتاب العراق، عضو جمعية التشكيليين العراقيين، رئيس نادي السرد في اتحاد ادباء ميسان، من اصداراته (الفخار والخزف .. كتاب فني/ عناصر الفن الاسلامي .. كتاب فني/ كرة الصوف .. مجموعة قصصية/ سقوط الاجنحة .. مجموعة قصصية/ وفي حقل الروايات .. اضغاث مدينة، بعد رحيل الصمت .. ثلاثية اللوحة الفارغة .. سبايا دولة الخرافة خازن المقبرة .. مخطوط، حصل على عدد من الجوائز الادبية والفنية.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187186/feed 0 187186
أربع روايات قصيرة من حوض الفرات http://newsabah.com/newspaper/187183 http://newsabah.com/newspaper/187183#respond Mon, 17 Jun 2019 17:56:00 +0000 http://newsabah.com/?p=187183 صدر عن مطبعة (حوض الفرات) في النجف رباعية روايات قصيرة جدا للأديب حميد الحريزي، تضمن أربع روايات هي: -رواية ارض الزعفران، القداحة الحمراء، المقايضة، المجهول)) مع دراسات نقدية حولها للناقد والمترجم احمد فاضل والناقد سلمان العلوان والناقد جمعه عبد الله من السويد، والناقدة عزة الخزرجي من تونس.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187183/feed 0 187183
ثنائية الحيوان و الإنسان في هل فعلها؟ لستيفان زفايغ http://newsabah.com/newspaper/187180 http://newsabah.com/newspaper/187180#respond Mon, 17 Jun 2019 17:55:08 +0000 http://newsabah.com/?p=187180 ليلى عبدالله

من المتداول ان يعبر عنوان الرواية او القصة بشكل من الاشكال عن مضمونها وذلك عبر ادراج المكان الذي تدور فيه احداث القصة أو عن طريق ذكر بطل الحكاية، مثالا عن ذلك عنوان بعض قصص ستيفان زفايغ كلاعب الشطرنج أو مانديل بائع الكتب القديمة، هنا يدرج الكاتب بطله منذ التواصل الاول بينه و بين القارئ. أما في قصته اربع و عشرون ساعة من حياة امرأة فقد اشار الى عنصرين مهمين و هما ان البطل في القصة ستكون امرأة و ان اربع و عشرين ساعة هو الزمن الذي ستدور فيه احداث الرواية.
أما أن يأتي العنوان في شكل سؤال فهذا بعيد كل البعد عن المتداول و المتعارف عليه, فالصيغة الإنشائية التي يفتتح بها الكاتب روايته يكون وقعها مختلفا عن العناوين الاخبارية. بهذه الصيغة أراد ستيفان زفايغ أن يعنون قصته فاختار لها سؤالا يحيل به القارئ منذ البداية إلى المزيد من طرح الاسلة على غرار من الذي فعلها؟ و ماذا فعل؟ و كيف فعل؟, كل هذه الأسلة من شأنها ان تدفع القارئ نحو القصة التي لا تتعدى 46 صفحة حتى يبحث عن إجابة «هل فعلها؟» و عن الأسئلة التي توالدت في ذهنه.
لم يشكل العنوان فقط السبب الرئيسي للاستغراب لدى القارئ, فالصورة التي كانت على الغلاف عززت الاندهاش فمن النادر ان تجد صورة حيوان على غلاف رواية أو قصة, اما في هذا العمل تصدر وجه الكلب الغلاف.
تنطلق احداث القصة بشكل روتيني , يتمطط أحيانا أمام دقة الوصف التي يغدقنا بها ستيفان زفايغ, تدور احداث القصة في الريف الانجليزي اين قرر عجوزان قضاء ما تبقى لهما من السنين في مكان ناء بعيدا عن ضوضاء المدينة. لم تدم عزلة الزوجين كثيرا فخلال فترة ليست بالطويلة انتقل للعيش بجوارهما زوجان شابان. كانت الاحداث في الجزء الاول من القصة تسير بشكل طبيعي , لا شيء يمكنه ان يساعد القارئ على ايجاد اجابات للأسئلة التى خالجته عند قراءة عنوان القصة , لكن حدثا ما سيغير مجرى القصة عندما يقرر الجيران و الزوجة مساعدة الزوج الشاب و لفت اهتمامه بجلب حيوان اليف يرعاه و يهتم به.
قلُب دخول بونتو الكلب الصغير سير احداث القصة فبات هو المهيمن ,البارز و محور اهتمام الزوج فالدلال المفرط الذي اغدقه عليه جعله مع مرور الأشهر كلبا عنيدا , متغطرسا و لا مبال يستبيح كل ما يصادفه متأكدا أنه لن يتم عقابه.لكن أمرا ما حدث جعل صاحبه يتغير من ناحيته فتم تهميشه بل و إلغاؤه بشكل مفاجئ ساعتها انقلبت تلك الغطرسة و الكبرياء الى حيرة اولا و استعطافا طلبا لتفسير ما يحدث « أرجوكِ أخبريني ما سبب تغير سيدي و الآخرين تجاهي؟» ثم طغيان و استبداد عندما عجز عن فهم السبب.
ركز ستيفان زفايغ عند وصفه للكلب بونتو على الجانب العاطفي و التغيير الذي انتابه بمجرد ان احس ان خطرا يهدد وجوده و مكانته في البيت فأصبحت المشاعر هي التي تتحكم في ردة فعله , مشاعر تنسب عادة للإنسان لكن زفايغ تمكن من نسبها لحيوان حيث جعلنا نتعاطف معه احيانا و نكرهه عندما نقترب من ايجاد اجابة لعنوان القصة. فمشاعر الغضب و الدهشة المغلفة بالغيرة المؤدية في الاخير الى التخطيط و الانتقام عبر ارتكاب جريمة ذهبت ضحيتها تلك الطفلة التي سقطت في النهر بشكل غامض.
البس زفايغ ذلك الحيوان ثوبا انسانيا عندما نسب له هذه المشاعر و هذا السلوك فأبدع في ايصال ما يجول في ذهنه من افكار و مشاعر من خلال نظراته و حركة جسمه فقط. انطلاقا من هذه القصة كشف لنا الكاتب عن الرابط الذي يمكن ان يجمع الحيواني بالإنساني و كيف يمكن لحيوان ان يكتسب صفات انسانية بحتة.
تلت هذه القصة قصة ثانية قصيرة جاءت تحت عنوان ليبوريلا لم تتعد 38 صفحة تدور احداثها حول خادمة في العقد الرابع من عمرها انتقلت من احد ارياف النمسا الى بيت في المدينة لتعمل كطاهية هناك. كانت شديدة القبح ذات تقاسيم قاسية تفتقر لأي ملامح انثوية لم تتلق في حياتها اي اهتمام من اي شخص كان , الى ان انقلبت حياتها عندما عشقت سيدها فلم تعد خادمته فحسب بل اصبحت تسعى على راحته و خدمته مثل ما يخدم الكلب الوفي سيده فتخلت تدريجيا عن انسانيتها تاركة المكان للحيوان الذي يسكنها ليطفوا على السطح.
عنصران جمعا هاتين القصتين أولهما عملية القتل غير المعلنة عنها و التي تفهم غالبا من خلال سياق الأحداث , ففي كلتا القصتين لا يصرح زفايغ بشكل علني عن مرتكب الجريمة بل يترك المجال لأحدى الشخصيات لتقوم بعملية التحليل و الاستنتاج.
ثانيهما الرابط الجامع بين ماهو أنساني و حيواني في كلا العملين, رغم أنهما عكس بعضهما البعض ففي الاولى علاقة الكلب الذي اكتسب صفات انسانية بسيده الذي يسعى لإرضائه بشتى الطرق و الثانية علاقة المرأة التي ترضخ لسيدها و كأنها كلب تريد رضاه , هذه العلاقة ماهي إلا مواجهة بين الإنسان و حقيقته الباطنة.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187180/feed 0 187180
(عودة البلشون) شعرية باذخة، صورة مبهجة، عمق المضمون وقفلة مدهشة للقاص عبد الكريم الساعدي http://newsabah.com/newspaper/187064 http://newsabah.com/newspaper/187064#respond Sun, 16 Jun 2019 18:15:27 +0000 http://newsabah.com/?p=187064 حميد الحريزي

القصة هي عملية تظهير حدث أو ظاهرة أو حالة الإنسان أو حيوان أو نبات وحتى الجماد عبر اللغة بصيغتها الإبداعية الجذابة وليس بصيغة الحكي العادي البسيط، بمعنى هي ليست صورة فوتغرافية للحال والسلوك الظاهرة وإنما هي بالإضافة للتوصيف هي عملية استبطان وداخل الفاعل والمنفعل، انفعالاته، تهيؤاته، تساؤلاته، تحولاته، وقد استنطق الأدباء حتى الجماد وأنسنة لتوصيف مشاعره وانفعالاته في حدث ومكان معين.
ممكن أن يروي أكثر من شخص هذا الحدث أو هذه الظاهرة، يمكن أن يحكيها لك أحدهم دون أن يترك لديك كمستمع أو كقارئ أي صورة عن انفعالات وتبدلات من حيث الشكل والسلوك للفاعل وكذلك الشخصيات الثانوية المشاركة، فتكون ردة فعلك باردة غير منفعلة وغير متفاعلة، وتترك في مخيلتك أية صورة عن الحالة.
في حين يرويها آخر يمتلك خيالاً وخزينًا لغويًا ومعرفيًا ثريًا وقدرة على التوصيف والاستبطان والتصوير ويمتلك إحساسًا جماليا رفيع المستوى، فيجعلك تتفاعل مع الحدث ومنشدًا للحكاية سواء كان الحدث بهيجًا سارًا، أو حزينًا، الفهم والتساؤل، القناعة أو الشك القبول الفرح أو الرفض الغاضب. القاص يستغفلك كقارئ فيأخذك إلى تصور وتوقع لفعل أو نهاية تشاكس سياق السرد فتكون نهاية صادمة او مفاجئة لك كقارئ ومتلقي، فتضيف للقص مزيدًا من المتعة عبر استغفال محبب للنفس، إشراقة وومضة إبداعية وإعجاب في ذكاء وقدرة القاص على الايهام، وتمكنه من التلاعب الجميل بتصورتنا وانفعالاتنا، كمن يغمض عينيك ليضع بين يديك هدية غير متوقعة.
القص فن جميل ممتع وسهل ممتنع لغير أهله، يتطلب من القاص أن يكون نابهًا حساسًا دقيق الملاحظة، واسع الخيال يميل للتكثيف والاختزال بعيدًا عن الثرثرة رشيقًا لا يحب الترهل والإسفاف. وأن يمتلك حسًّا وإحساسًا جماليًا شعريًا في اختيار مفرداته اللغوية، ليشعر المفردة بالرضا إن لم يكن شعورها بالبهجة والفرح والامتلاء التام بمعناها وهي في سياق الجملة المصاغة من قبل القاص، يزفها للقارئ راضية مرضية فتنقله إلى فضاء الجمال والخيال المشبع بالمعنى والدلالة الخصبة.
القاص عبد الكريم الساعدي يسعدنا وهو يطلق أمام عيوننا (بلشونه) الجميل، وكل ريشة من ريشاته تشع جمالاً ودوال وبهجة، مغمسة بماء الورد وعطر السعد ونقاء وصفاء الحضور الطائر في فضاء المحبة والخيال الخصب.
الساعدي يدهشنا حقا في قدرته الابداعية كصائغ ماهر في صياغة وصناعة الجملة، يجملها بشذرات بالغة الجمال من جواهر الكلم المنعش للروح والعقل.
(امرأة تضيء مفاتنها ظلمة الفراغ، ممهورة بالغنج)، (عشب جسدها المتوهج بالإغواء)، (تستقي من وجه الصباح دثارًا لخطواتها). (يرتدون البرد جلبابًا، فيرتسم الدمع سلامًا على خديها، تبتلع رضاب الترقب يلفحها سموم الجواب)، (كان ينزف وردًا أحمر)، (يطارده صدى النهيق، يلغم خطواته بدمع وجعه)، (الشارع يمشي تحت أقدام الحفاة )، (الرصيف ينحني خجلاً)، (فارشًا موائده في ظل مواكب الصمت)، (خطواتها مهد من دمع)، (أتوضأ بحروف قراءتي الخلدونية)، (الأراجيح وحدها ظلت باكية، تهرق دمعها، تنشد ألواح حتى مطلع القيامة).
الله الله ما أروع هذا العزف باذخ الجمال من حيث الصورة والدلالة، هنا نلمس ونحس وندهش والكاتب يؤنسن الحروف يجعلك كمتلقي تعيد قراءة الجملة أكثر من مرة لتمتع عينيك بصورة ولا أريد أن أعيد عرض هذه الجملة التي أشعرتنا بعطر أنفاسها كثبان من النساء، ترتل جمالاً، عطر يشكو، أتوضأ بحروف، مهد من دمع… الخ سلسلة من نور يسر الناظرين.
أمام هذا الجمال الباذخ ليس لقلمي إلا أن يرفع قبعته إجلالاً واحترامًا وإعجابًا بهذه القدرة الكبيرة على التعبير والتصوير، فالساعدي يموسق ويؤنسن المفردة شعور، المفردة إحساس، المفردة روح، المفردة ضوء.
أما الجانب الثاني في مجموعة عودة البلشون هو مضمون قصص المجموعة التي سنعرض باختزال شديد لمضامين بعضها ولا نقول أهمها بما يناسب المقال وفسحة المجال، نتمنى عليكم قراءة المجموعة والتمتع بجمال قصصها: –
ايقونة الدفء ص9-12
، أنسنة المعطف توصيف (لمشاعره) وهو يرقب من يشتريه وهو في محل بيع الألبسة، هو الأنيق الجميل باهظ الثمن، كيف يعرض مفاتنه ومواصفاته المغرية على المشتري، يتنقل من على اكتاف الزوج الخائن، تشوهه الخادمة بالمكوي فيتعرض للحرق، يكون من نصيب أول فقير يطرق الباب، ومن ثم يعرض للبيع في (اللنكات) يكون من حصة سكير حيث يعاني من الإهمال ومزيدًا من الوساخة والعفن، يمزقه الانفجار إلى قطع متناثرة، ترمى في براميل القمامة لتكون غذاءً للقوارض.
إشارة إلى التحولات والتغييرات التي يتعرض لها كل شيء في الحياة وينتقل من الرفعة إلى الابتذال والإهمال حد التلاشي، وربما يحدث العكس هذه هي الحياة، القصة تعرض لنا التراتبية الاجتماعية أهل ثراء كبير رغم أنهم مبتذلين أخلاقيًا، وفقراء يفتك بهم البرد والجوع، وآخرين يعيشون على الهامش كما هو حال السكير الذي لا يسلم من جنون العنف والإرهاب فتمزقه شظايا الإرهاب دون أن يحفل به أحد.
توهم ص 13-15
حنين وشوق لحبيبة غائبة، بعد اللحاق بها صدفة / يصدم أنها امرأة ثانية هنا المفاجأة والصدمة.
دمع الأراجيح ص17.

  • أيهم أنت يا ولدي؟ من يدلني عليك؟
    أم تفقد ولدها نتيجة العنف المجنون، لا يمكن أن يستدل عليه أحد بين عديد القتلى والمقطع أجسادهم والمشوهة رؤوسهم والمحروقة معالمهم، مثل هؤلاء لا يمكن أن تستدل عليهم إلا أمهاتهم من رائحة أجسادهم فهم قطعة من جسد الأم
    (الأراجيح وحدها ظلت باكية، تهرق دمعها تنشد النواح حتى مطلع القيامة.)
    توصيف ولا أرع ولا أوجع منه لحالة القتل المجاني للأطفال للحياة.
    أحدهم يتوهم انه صار طيرًا (كان الهور يمنح ضمد سحر الطلاسم والأساطير، يبشر بغيابه، بينما هو يلوذ بالصبر مذ أتى مملكة الوجع، يحلم أن يكون طيرًا فحسب بيد انه لا يدري أسكن جنوب الوجع، أم سكن الوجع حنوبه؟؟)
    للخلاص من فقره وبؤسه ومعاناته بالمقارنة مع طيور الماء الحرة الفرحة السابحة في الهور والقادرة على الطيران والهجرة من قارة الى اخرى حينما لم تعد الحياة تطاق في المكان، وحينما يأتي موسم الطيور في الشتاء (عند امتزاج خضرة الطائر البراقة باللون الأخضر للقصب والبردي ينزلق في حلم تتكحل السماء باللازورد، عيناه تجوبان الفضاء المديد كطائر مهاجر، تعانقان نجم سهيل، يمد زمانه نحو سرب الطيور، يخلع ثوبه، يرتدي جبة حلمه، يزحف على بطنه، يتكور، ينبت له ريش ملون جميل، يستطيل أنفه، يصبح منقارا، أصابعه تتقلص، تلتصق بطيات جلدية، يصفق في الهواء بجناحيه…) يستمر القاص بوصفه الساحر لتصوير أحلام هذا القروي الحالم بالحرية والتمتع بالجمال والسلام، يفاجئه صوت إنسان ينتفض من قبره، يهرب ضمد فزعًا وخوفًا(وبلمح البصر يختفي بين اكمات القصب والبردي بلا عودة، لا يدري، أصار طائرًا أم أصبح طائر الخضيري ضمدا؟
    ينص مشبع بالخيال، بين الحلم والواقع، بين العجائبية والواقعية المسحورة.

غزوة الحرمان ص 25
(امرأة تضيء مفاتنها ظلمة الفراغ، ممهورة بالغنج)
حلم الحرمان للتماهي مع صورة جدارية معلقة على جدران الامل، يهب بعيدًا في حلمه، يسكر في فضاء الخيال والمتعة وما يعود إلى وعيه والحب المكبوت، محاولة تعويض الحرمان بالإمعان بالخيال وتفريغ الرغبة بارتعاشة وهمية.

عذراء شنكال ص29
(تستقي من وجه الصباح دثارًا لأخواتها)، توصيف دقيق مشبع بالألم، لمعاناة الأسيرات من المسيحيات والأيزيديات من قبل (داعش) الإجرامي قتل الأحبة الازواج الاباء الاخوان، وساقوا الفتيات سبايا من قبل وحوش دولة الخرافة كما اسماه الروائي عبد الرضا محمد صالح.
(لقد نحروا سعيدا عند منعطف جنوني، كان ينزف وردا احمر… ساقونا جواري لأسيادهم في ظل غرائزهم الوحشية)، تغتصب تنتهك عذرية وبكارة الفتيات الأسيرات (تتعثر بانطفاء بكارتها)، ولكنها تظل تحلم بالعفة والطهارة رغم دنس الوحوش.

سرد مبهر ومفاجأة مدهشة.
وهكذا تستمر قصص المجموعة تنثر على القارئ زهور المتعة، وصور الحكمة والإدهاش، وعمق المعنى في (صمت)، (انتظار)، (ثقب المرآة)، (خريف المهرج)، (عطب)، (عودة البلشون)، (رجل سيء الحظ)، (عندما يرقص زوربا) ، (الرفيق ديون يسوس)، (عزلة)، حنين النوارس)، (ندم)، (طقس عبثي)، (آسف حدث سهوا)، وهو عنوان لأخر قصة تتحدث عن بعض الهفوات الخطيرة التي يقع فيها بعض أحبتنا الأطباء، حيث تختلط عليهم اوراق فيكون الشخص السليم مريضًا، والمريض سليمًا فبعد ثلاثة أشهر وهي الفترة الباقية من حياة الرجل الستيني حسب ما اخبره الطبيب (يستيقظ على صراخ مخيف، يصدر من بيت جاره، يعلن موت نبيل) ونبيل هو الشخص الذي اخبره الطبيب بأنه سليم معافى، وحينما يستعلم من الطبيب حول الأمر يخبره (آسف جدا، حدث سهوا) فـ (يزم شفتيه بعصبية، يبصق في ورقة التحليل، يزيح كابوسًا مرعبًا بابتسامة هازئة بما تبقى من سنين) ص91.
نعم هكذا هو القص حيث المفردة الجميلة، الصورة المعبرة، الحبكة الرصينة، الدلالة الغنية بالمعنى، القفلة المدهشة، يبدو لي الساعدي يسبح بأريحية في بحر لغوي وثقافي زاخر بجواهر الكلم، جمل قصيرة، متلاحقة متحركة، رشيقة، للفعل الهيمنة في السرد، فعل المضارع سيد الافعال.
إن موقد قلبه نار إبداع لا تخبو، نار إبداع هو يمتلك حطبها ويمتلك عيدان الثقاب اللازمة لإشعالها ولا يستعيرها من أحد وكما يقول رسول حمزاتوف ((يمكن للإنسان أن يطلب اعواد ثقاب من جاره كي يضرم النار في موقده، لكنه لا يمكن للانسان أن يطلب من اصدقائه أعوادا تضرم النار في القلب)) رسول حمزاتوف رواية بلدي-الفارابي ط3 2006 ص 83. تعريب عبد المعين الملوحي، يوسف حلاق.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187064/feed 0 187064
صاحبةُ الجَلالة http://newsabah.com/newspaper/187061 http://newsabah.com/newspaper/187061#respond Sun, 16 Jun 2019 18:10:43 +0000 http://newsabah.com/?p=187061 نامق عبد ذيب

الإلهة الغائبةُ
لا تظهرُ إلا كلَّ ألفِ عام
تحجبها الخضرةُ فيظهرُ سندسُها هناكَ
حيثُ سماؤُها لازوَرْد ونجومُها فيروز
وملائكتُها عشاق يكتبون غرامَهم على الألواح
يمنحون حبيباتِهم المجرّات
ويصبغونَ كفوفهنَّ بالشفق
ويعوِّذونهنَّ بالبهجةِ
لم يرَها أحدٌ غير إنهم كلَّ يومٍ حين يستيقظون
يجدون شموسَهم مبللةً بالأحلام
صاحبةُ الجلالةِ الغائبةُ عن الفراتِ
أودعتْهُ السماءَ فباح بزرقتها
وأسرّتْ له بالنجوى فثرثر بالشجر
وأقام مئذنتينِ
واحدةً للصدى
وأخرى للطيورِ المهاجرة
تعرفها الجَلالاتُ فتنحني لها
وتمطرُ على القداساتِ طُهرَها
تقولُها السّوَرُ فتشهقُ بالآياتِ
صاحبةُ الجلالةِ المختفيةُ خلفَ الشغاف
القلبُ ينبضُها فتبتلُّ العروق
وتجري السواقي بما رزق الله من فضةٍ ذائبة
وما قسمَ الجمالُ من شجرٍ
وما أخذ المدى من بصر
عيناها جنتان مُدهامّتان
ويداها منارتان
مُعلِّمةُ الوردِ كيف يتورّد
ودليلةُ الموجة كيف تموج
مهندسة الأنهار
وناثرة القرى
تستيقظ من النوم كحلمٍ تائه
ولكنها حين تدعو الآلهةَ للينابيع البعيدة يسجدون
ترمِّمُ الحياة
وتُقيلُ الفراتَ من عثرته
وتقيمُ المُدن
.
.
صاحبة الجلالة

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187061/feed 0 187061
(جماعة القمر.. الفرشاة تصنع الحياة والجمال) http://newsabah.com/newspaper/187058 http://newsabah.com/newspaper/187058#respond Sun, 16 Jun 2019 18:09:55 +0000 http://newsabah.com/?p=187058 نصير الشيخ

ــ يبقى الفن غاية إنسانية تترسم ملامحها في الذات والوجدان، ومن ثم بلوغ رسالته السامية في بعث كل ما هو جمالي، عبر ما يتركه من أثرٍ وبما يؤسسه من تاريخ، وللمرأة حضورها المتجدد في رسم لوحة تنبع من واقعها وتحاكي فيما بعد مديات أرحب، منطلقة من غايات انسانية نبيلة، لجس مكامن الفرح والحزن والجمال على حد سواء.
وتحت تسمية لا تخلو من شاعرية ( جماعة القمر) أقامت لجنة المرأة في نقابة المعلمين فرع ميسان، معرضها الفني السنوي الأول، وهو نتاج وحصيلة الأعمال الفنية المنتجة من قبل (الورشة التشكيلية) التي أشرف عليها الفنان والأكاديمي (قصي نزار)، والتي انضوت فيها (أحدى عشرة معلمة فنانة) أنتجت أناملهن وافكارهن (تسعين لوحة ) رسماً بالزيت على قماشة الكانفاس، حيث والكلام يقودنا للمشرف على الورشة:(بعد الاطلاع على المعارض العشوائية وخاصة في المدارس المحلية، وجدنا من الضرورة تنمية الجانب المهاري والفني لدى العديد من المعلمات اللواتي يجيدين الرسم، من هنا كانت الورشة برنامجاً لتدريس مبادئ الرسم الأساس، في جانبه الأكاديمي على ان تكون الرغبة في تطوير قابلياتهن هي الأساس، لذا جاءت اللوحات المعروضة في هذا المعرض، تناغماً مبهرأ عبر التعبير عن البيئة والريف والمرأة والطفولة، كلها تنظوي تحت سقف المدرسة «الواقعية» التي هي في تقديري الأساس الأول والأس الصحيح للرسم وإبداعاته)).
على رواق قاعة فندق كورمك التركي في مدينة العمارة، أفتتح الكرنفال الفني الثقافي وسط حضور كبير لمتذوقي الفن وسحر اللون، وعن فكرة هذه الورشة ونتاجها للأعمال المعروضة، حدثنا الفنان التشكيلي «شهاب أحمد»:(الورشة التشكيلية هي أعادة تأهيل المواهب من الزميلات المعلمات، لغرض الخروج من محدودية الرسم المدرسي البسيط، الى فضاء الفن وعالم اللوحة، ولمسنا في اللوحات المعروضة بريق اللون وحركة الفرشاة لرسم الشخوص والتكنيك العالي وصولاً الى اخراج العمل الفني).
لوحات تشكيلية شكلت فضاءً للعرض الفني هذا، يضع بين طياته أسئلة عن جدوى أن يكون الفن فاعلاً ومؤثراً في البنية المجتمعية، ان يخلق ذائقة جديدة وافكاراً تتناغم مع معطيات الواقع والارتقاء به، وعن مشاركتها في هذا المعرض حدثتنا الفنانة «بنين عماد» قائلة: (شاركت بأربع لوحات زيتية جسدت من خلالها الطبيعة في اهوار ميسان، وعالم الطفولة كذلك…وهذه اللوحات هي نتاج الورشة التشكيلية التي عملنا فيها وعليها منذ عام).
وللذائقة الفنية ودرسها الأكاديمي حضور في هذا المعرض عبر رأي الفنان النحات «محمد الرسام»:(المعرض هو حصيلة نتاج الورشة التشكيلية عبر تطوير أدوات المعلمات الفنانات الموهوبات وزجهن في الدرس الأكاديمي للرسم وأفاقهِ، بالاتفاق على القاعدة الأساس، الا وهو اعتماد المدرسة «الواقعية» في تنفيذ هذه الأعمال، كل فنانة من زاويتها).ولأن الفن مساحة كبيرة للتعبير عما تمور به النفس، وتنفيذ آسر للأفكار والمتخيل لدى الفن ان، هكذا كانت زاوية نظر الفنانة» أفراح هتلر» المشاركة في هذا المعرض (شاركت بسبع لوحات زيتية، اعتمدت المدرسة الواقعية في تنفيذها، وهذا ما أتفقنا عليه نحن المشاركات تحت تسمية «جماعة القمر» وعلى وفق ما تعلمناه في الورشة التشكيلية بأشراف الفنان والأستاذ» قصي نزار»، حيث تناولت موضوعات الطبيعة في الريف الميساني، وأجواء الأهوار، والتقاطات للأطفال في مرحهم وحزنهم، ولا اخفي لحظتها خوفي ساعة العمل بمادة الزيت على قماشة الكانفاس، ولكن ما أراه الآن من عملي عوالم جميلة).
وترى الفنانة المشاركة «أيمان نجدي»: (لاشك ان الفن رافق الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض، لذا كان لفن الرسم أثره عبر التذوق والاهتمام به، وكانت مشاركتي في هذه الورشة التي تلقينا فيها دروساً مهمة في دراسة اللون والتكنيك وإخراج العمل الفني، وها أنا أشارك بثماني لوحات زيتية اعتمدت المدرسة الواقعية، متخذة من البيئة الريفية الميسانية، تجسيداً تعبيرياً عنها). ترافقها في الحضور المتميز الفنانة المشاركة «سيناء محمد» :(كانت مشاركة بالغة الأهمية في الورشة، مكنتني من انتاج ثلاث عشرة لوحة زيتية، اعتمدت المدرسة الواقعية واسلوبها في الخط واللون).
ولتثمين الجهد والتفكير والعمل والتنفيذ لهذا المعرض الكرنفال، كان لنا وقفة مع رئيسة لجنة المرأة في نقابة المعلمين في ميسان، التدريسية «تغريد علي حسين»:( لا يخفى أن الفن ضرورة إنسانية، وان الكثير من التجارب الفنية هي ماركة مسجلة للذكور، من هنا جاء بحثنا عن الطاقات الفنية لدى المعلمات في مدارس المحافظة، وإشراك الطاقات الموهوبة في تطوير ملكاتها عبر الورشة التشكيلية، حيث تلقين دروساً هامة في فن الرسم ومدارسه واساليبه وتكنيك العمل الفني، وهذا المعرض الان والكرنفال الفني والثقافي، هو تتويج لهذه الجهود المبذوله، وتتويج للأنامل التي أبدعت هذه اللوحات).

]]>
http://newsabah.com/newspaper/187058/feed 0 187058
الاستقراء ومعالجة الحدث في (قنزة ونزة) http://newsabah.com/newspaper/186956 http://newsabah.com/newspaper/186956#respond Sat, 15 Jun 2019 18:21:37 +0000 http://newsabah.com/?p=186956 علوان السلمان

الرواية..نص(ذو اصول شعبية) على حد تعبير باختين..كونها تسجل الانفعال السريع لحركة الواقع بشخوصه واحداثه المتسارعة ..وترصد تحركاته وتحولاته ومتناقضاته الممزوجة بخيالات تخلقها لغة موحية..مكتظة بصخب الحياة..لذا فهي تقدم حبكة درامية متشكلة من مشاهد متفاوتة لخارطة الوجود بكل علاقاته الاجتماعية فتكشف عن دواخل شخوصها من خلال انفعالاتها وتفاعلاتها في البيئة والحدث وتوتراته..
وباستحضار النص الروائي(قنزة ونزة) لناسج عوالمه ومهندس بنائه القاص و الروائي شوقي كريم من اجل استنطاقه والكشف عما خلف مشاهده وعوالمه التي تتميزبتنوع مضامينها الاجتماعية والنفسية والعاطفية..فضلا عن ايحاءاته التصويرية الحكائية وعمقه الدلالي الذي يكشف عن مكنون الذات ببوح وجداني منطلق من مرجعيات فكرية اسهمت في اتساع عوالمه ومشاهده المنصهرة في بوتقة تراكيبه الجملية في السياق والمواجهة الدلالية وفق دوافع نفسية تتفاعل عناصرها الفنية والتجربة الذاتية للتعبير عن الحالة الذهنية والاستقرار في الادراك الحسي لما يحمله من دلالات سيميائية عبر دوال متلاحقة.. مما خلق حالة من استفزاز الوعي الذاكراتي لما يحمله من عمق الفكرة ليشكل نصا(محملا بقدرة من الحساسية) كما يقول هربرت ريد.. فضلا عن اعتماده التقصي والاستقراء في معالجة احداث الواقع ضمن مراقبة مكثفة لحركة وتصرفات الشخوص..فيسجل المشاهد اليومية والعلاقات الاجتماعية وهمها وانسانيتها..اضافة الى تصويره العواطف وكشفه عن صورة المراة الفاعلة والمتفاعلة اجتماعيا..لتحقيق الاثر الكلي على حد تعبير ادجار الن بو..مع الاحتفاظ بوحدة موضوعية سردية لا تخلو من غرائبية تتناسب والوقف الفكري، الواقعي وانعكاساته الوجدانية.
(كثيرا ما رسمنا الطرقات التي نقطعها معا، طرقات موحشة تمتد الى عمق الاجداد الذين كانوا يحملون احمال البداوة فوق ظهور افكارهم دون بحث عن خلاص او مخلص، تقول بعد ان تعود طاشة خيبتها فوق جسدي الذي غدا مثل خرقة بالية.
ـ لا اعتقد ان لخلاصنا معنى كلما جئت طريقا وجدت مئات الاكف تلاحق تلك اللحظة المنقذة اصرخ محتجا اتدافع، اطشر الاحلام من حولي بمكر لبوة تعرف مقاصدها ارفس كل ما يمكن ان يعيق تقدمي ولكني ما البث ان اصطدم بجدار الرفض في محنة العبور ممنوع التفكير بغير العبور نفسه الوراء الذي يثقل خطواتنا يحاول دائما شدنا اليه الاحلام لا يمكن ان تتجاوز الوراء هذا ثمة أكف تلوح فارة من ضيم مقابرنا العتيقة التي غدت لا تكترث لهذا الكم اليومي من التوابيت جنوني دفعني لمراقبة تلك السيول وجنوني دفعني لمرقبة الوجوه الزاتة للموتى ليس غير علامات الاستغراب والحيرة في ربوة هزائمنا السؤال الذي يقتل الهدوء يبدأ:
ـ ليش؟ صدك ليش نموت، وشنو شفنه من عمرنه ليش نموت حتى يعيش الجنرال.
تتكرر الاسئلة بذات المعنى دونما انتظار فرصة للاجابة..) ص5
فالنص يقدم رؤية متشابكة بين المنتج(الراوي)والواقع بكل تمفصلاته باعتماد المشهد الذي ينتزع اللحظة ويسجلها بعناية متناهية في رسم صوره وبطريقة توزيع مناخاته وشخوصه التي تتحرك في عمق وضعها الانساني..لذا تظهر متوترة نفسيا وهي تمارس طقوسها التي تكشف عن عنصر الحركة الذي شكل احد معطيات المستوى الحسي للغة السارد التي وظفت الجزئيات للكشف عن دخيلة الشخصية وتطوير الحدث واعتماد الرمز المكثف القادر على الاشارة من خلال بنيتها وتركيبها..هذا يعني ان الكاتب يقدم نصا ينتمي الى الواقعية الاجتماعية وهو ينهج فيه مستويين متداخلين: اولهما الواقعي ببعديه التاريخي والاجتماعي، وثانيهما التخييلي الخالق لجمال فضاء زمكاني متداخل عضويا ومتناسق تعبيريا..لذا ففضاء النص يبرز المعنى الحدثي الذي يمنحه ديمومة تحرك المخيلة فتفجر مخزونات المستهلك(القاريء)لانتاج وتوليد المعاني والدلالات من المشاهد التي يؤسسها المنتج، والتي تقوم على الفنطازيا التي هي خيال رؤيوي على حد تعبير دانتي باعتماد الشخصية ذات الطبيعة الشائكة في عمقها النفسي المليئة بطموحات الذات الانسانية الحالمة التي يكشفها من خلال الحوار الذاتي الذي يتم الانتقال اليه بتلقائية ممزوجة بالسرد مختصرة المسافات الفاصلة بين الازمان..كون الشخصية تروي الحدث لحظة حدوثه..
ـ انت تضع نفسك دائما في حيرة ما الذي تريده بالضبط دنياك التي تحملها ما عادت تمنحك سوى نواح الاعماق وفوضى الفعل..لم جئت وانت تعرف ان روحك لا تتحمل الخسارات..؟
ـ خساراتي فادحة وخلاصي مستحيل.
ـ ها انت تعلن استسلامك وتبوح بغير ما ترغب..هذه الامكنة يا انت منحتنا ما لا يمكن للمدن التي جئنا منها منحها..كل شيء هناك عطلته الحروب والمجازر وصراخ الاحتجاج..تأمل ما الذي يبنون هناك..اذا ما قلت لك السودان لا تعني بالنسبة لي شيئا لانها ضاعت بين ان تكون في حضن الله أو في حضن الشيطان..البلدان التي لا تحسم امرها ستظل بلدانا دونما معنى..علمونا في المدارس الميتة الفكر ان الحياة محصورة بين بابين تدخل من هنا لتخرج من هناك..ما فائدة دخول وخروج اذا لم تترك اثرا..ومن يهتم بالاثر الذي تترك..هنا كل اثر له حساب وكل قول له معنى محدد وواضح..
ـ ولكن بلادي التي اغتسلت بطين الحروب وتحلت بعطر الدم عرفت طرق الانتماء ولا اعتقدها تستطيع مغادرة ما هي عليه..لايمكن ان اصدق ان الشيطان هو الذي طالبنا بان يكون حضورنا بين يديه بهذه القسوة والفضاعة..كيف تحسب عذابات الاشياء وانت ترى الام تزغرد ابتهاجا لانها منحت ابنها للموت..من اجل ماذا..ولماذا..والامر في المشهد عثمان انها تطالب بحقوق موته..ههههه ام الشهيد اتبرعت جابت ابنها الثاني..أتعرف هذا المعنى عثمان أية امومة هذه التي تحول ابن….فلذة كبد الى سيارة وقطعة ارض.. وطن لا يمنحك بيتا ان لم تعمد عرش سلطانه بدم..هذا ما جعلني اهجر جورية وميري وأجيء لائذا بأذيال كل هذا التيه الذي لا أجد له حدودا..) ص132ـ ص133..
فالنص يتمحور في مضمونه حول الهم الانساني والمجتمعي باعتمادالحكائية في ترتيب الاحداث وتفاعلها وتناميها بخطابها السردي الذي يتسم بواقعية تسجيلية تتميز بالحركة مع اتساع مساحات المكان ورصد الموقف الاجتماعي.. اضافة الى استخدام السخرية للتخفيف من حدة المأساة والاغتراب الذاتي..(امشي بخت..وحجي بخت..مكرود يلمالك بخت..تركض وتتعب علولف تاليهه تكعد عالتخت..حتى التخت راح ما بقه شي يستحق ان ينعاش من اجله..البهجة هجرت الشوارع واحنه هجرنة البهجة..انساك دكلام انساك ياسلام..) ص10 ـ ص11.. فالسرد يعد اشتغالا سايكولوجيا انطلاقا من معطيات الشخصية وسلوكها النفسي وتحولاتها..مع نمو الفعل السردي بشكل لم يتجاوز الرتابة والوصفية والاستطراد مما اضطر الراوي السارد للانسحاب من الروي وحضور الراوي العليم..مما كشف عن وضوح الرؤية وعمق الفكرة المعبرة عن حال الشخصية نفسيا..فضلا عن اتصافها بالتعابير السردية(حدث/شخصية(فضاء زماني/فضاء مكاني بشقيه(المغلق والمفتوح)/حوار داخلي(ذاتي) وخارجي(موضوعي)..مع تماهي النص والحس الانساني عبر مشاهده التي تترجم المشاعر منطلقا من تصوير الجزئيات والتركيز على المفارقة المتناغمة والبناء الدرامي من خلال فاعلية التتابع الصوري النابع من معطيات واقعية لتقدم اضاءة جمالية تسهم في نبش الخزانة الفكرية للمستهلك..فضلا عن استخدام المنتج عددا من التقنيات الفنية من اجل احداث تراكم نفسي لتفاعل الشخصية مع الحدث وتقديم رؤية راصدة وواعية للواقع تحدث نوعا من التواصل مع المتلقي(المستهلك) تاركة له تفاعله والنص فوظف السارد(المنتج) تقانتي الاستباق والاسترجاع وتقانة المونولوج الداخلي(الحوار الذاتي) وتقنية الحوار الموضوعي الذي فيه ينعدم دور الراوي العليم وتلعب الشخصيات دوره… فتكشف عما في دواخلها .. اضافة الى تعدد الاصوات وتوزعها ما بين ضمير الغائب فيكون الراوي العليم فاعلا وعارفا بكل شيء عن الاحداث وتطورها وضمير المتكلم والمخاطب ويكون حينها السارد من النوع المشترك الذي لا يرف عن الاحداث اكثر مما يرفه القارئ(المستهلك)…
وبذلك قدم الكاتب نصا سرديا ينتمي الى الواقعية الاجتماعية وهو ينهج مستويين متداخلين: اولهما واقعي ببعديه التاريخي والاجتماعي وثانيهما التخييلي الخالق للجمالي بفضاء زمكاني متداخل عضويا ومتسما بالتناسق..فضلا عن تميزه بتعدد الاصوات التي وسمته بسمة السرد البوليفوني الحواري..مع اعتماد التداعيات التي وظفها المنتج بقصدية واضحة لتعطي بعض التفسيرات المتسلطة على ذهنه المتفرد بحسه الوجداني من خلال تعاملها مع الواقع بوعي يكشف عن اضمومة تتشكل من رؤيتين: الرؤية الاجتماعية والرؤية الإنسانية من خلال مساجلتها مع الحياة بموجوداتها بأسلوبية تمازج الواقع بالخيال اضافة الى توظيف الاساليب البلاغية(مجاز/ استعارة/كناية..) من اجل استدعاء الذاكرة المستهلكة للكشف عما خلف الالفاظ لتحقيق المتعة الجمالية والمنفعة الفكرية.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/186956/feed 0 186956
ثورة في الثورة! http://newsabah.com/newspaper/186954 http://newsabah.com/newspaper/186954#respond Sat, 15 Jun 2019 18:20:20 +0000 http://newsabah.com/?p=186954 ربما يعجب البعض من حال المعارضين الذين ينتقلون إلى السلطة، بعد طول نصب، وتشريد، ونفي، وحرمان. فينقلبون على الواقع، ويقطعون الصلة بالماضي، ويبدأون في جني ثمار معاناتهم المرة، لحظة انتصار الثورة.
مثل هذه الانعطافة ليست جديدة، فقد تكررت منذ فجر التأريخ حتى يومنا هذا. بل إن بعضها قاد إلى امبراطوريات جائرة مثل الثورة الفرنسية، واستحال بعضها الآخر إلى ديكتاتوريات تقليدية مثل الاتحاد السوفييتي والمنظومة الشرقية!
في كل هذه البقاع شعر الناس بالإحباط لأن من كانوا يتوسمون فيهم النزاهة والإحساس العالي بالمسؤولية باتوا ميالين للدعة، متقلبين في الترف. ولم يعد أداؤهم مرضياً، فهم في المعارضة شئ، وفي الحكم شئ آخر.
في عام 1966 نشر شاب فرنسي اسمه روجيه دوبريه كتاباً أسماه «ثورة في الثورة» تحدث فيه عن مستقبل الحركات الثورية في العالم، وكيف انتهت إلى أنظمة تقليدية، تحمل ذات العلل والأمراض التي حملها أسلافهم من قبل.
دوبريه هذا كان يسارياً من طراز خاص. غادر بلاده قاصداً كوبا، ثم التحق بالثائر الأرجنتيني أرنستو شي جيفارا في جبال بوليفيا. ولما هزمت الثورة هناك ألقي القبض عليه وأودع السجن أربعة أعوام كاملة. فهو إذن ثائر أممي، عمل على إذكاء الروح النضالية في أكثر من مكان في العالم. وامتلك الخبرة التي أهلته للحكم على الأمور.
على أن هناك من يفرق بين الثورة والنظام. فالأولى تقوم على أكتاف أناس يتقدون حماسة، ويتعالون على الجراح. أما الثاني فيبنى بسواعد من يجنحون للتأني والحنكة والمناورة. وبناءً على ذلك تتوقف الثورة، وتخمد جذوتها، ولا تلبث أن تتخلى عن أهدافها. فالمعارضة من أجل المعارضة لا تتفق مع عقل، ولا تستقيم مع منطق.
بل إن كثيراً من الثوريين الكبار الذين ربحوا المعركة، وانتقلوا إلى موقع السلطة، لم يحالفهم التوفيق في مهمتهم الجديدة. فالمعارضة رغم تضحياتها الجسيمة أسهل بكثير من إدارة السلطة. لأن الأخيرة تتطلب قدرات عالية، وقرارات حاسمة، وخبرات هائلة.
ثمة من يعتقد أن هناك ثورة واحدة غير قابلة للتحول إلى سلطة راكدة، أو نظام تقليدي. أي أنها تكبر وتتطور كلما طال عليها الزمن. وهي ثورة العلوم التي تنتج تقنيات جديدة في كل مرة. هذه الثورة لا تجمد في زاوية ما، بل تقود إلى ثورات أخرى، بسبب التراكم المعرفي، والمران الطويل.
مثل هذه الثورة هي الحدث الأهم الذي يستحق أن يطلق عليه هذا الاسم، أما ما سواها فهي حركات سياسية ذات طابع أيديولوجي، تخوض فيما بينها صراعاً على النفوذ، أو نزاعاً على المبادئ، لكنها سرعان ما تجعل السلطة هدفها الأول، والاستئثار بالمنصب غايتها الكبرى! وليس في هذا الأمر ما يثير الاستغراب، فهذه هي طبيعة الناس، في كل مكان وزمان. وليس العرب أو العراقيون وحدهم، المتفردين في هذا المجال.

محمد زكي ابراهيم

]]>
http://newsabah.com/newspaper/186954/feed 0 186954