ثقافة – جريدة الصباح الجديد http://newsabah.com يومية | سياسية | مستقلة Wed, 15 Aug 2018 19:54:22 +0000 ar hourly 1 124085406 (جلالة الوقت).. والتعبير عن كوامن الوجد http://newsabah.com/newspaper/162705 http://newsabah.com/newspaper/162705#respond Wed, 15 Aug 2018 18:46:30 +0000 http://newsabah.com/?p=162705 علوان السلمان

ان تأطيرا تاريخيا لتطور اشكال النص الشعري ابتداء من عموده وانتهاء بقصيدة النثر المقطعية(كخاصية جمالية لا كمية) المنتجة لنص حداثوي مكتنز بـ(فضاء من الاخيلة والصور والانتقالات وتداعياتها) على حد تعبير ادونيس ..كونها الامتداد الطبيعي للتجربة الانسانية في ابعادها المرجعية والتكوينية المعززة لكونية النص الشعري الذي شهد عبر الامتداد التاريخي تغيرات على المستوى الفني والاسلوبي للتعبير عن روح العصر بلغة حسية تنطلق من الوعي..لذا فهي تفترض ارادة واعية للانتظام بوحدة عضوية وتركيب مضيء يمنحها القدرة على اثارة الصدمة الشعرية الخفية..كون الفن هو(الارادة في الاعراب عن الذات بطرق منتجة) كما يقول (ماكس جالوب) في معرض حديثه عن قصيدة النثر التي عرفها(اي. جالو) بأنها(قطعة نثر موجزة من غير اخلال..موحدة ومضغوطة كقطعة من بلور..)وسبب ميلها الى الايجاز كي لا تكون حدثا في الزمان وانما تبدو بريقا ذي اثر في متلقيها..هذا يعني ان الايجاز والكثافة الجملية صفتان اساسيتان في تشكيلها البنائي..
والمجموعة الشعرية(جلالة الوقت)بنصوصها التي توزعت بين النص والنص القصير والتي سجلت لحظاتها ذهنية شاعرها خضر حسن خلف وهي تدور في رحى الزمن ابتداء من العنوان الايقونة المثيرة لهاجس التأويل والمفتاح الاجرائي للتعامل مع النصوص في ابعادها الدلالية والرمزية التي تستدعي متلقيها الى المشهور من القول(الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك) تاكيدا على اهميته.. واسهم اتحاد الادباء والكتاب في البصرة في نشرها وانتشارها/2017..كونها تشتغل وفق تصميم دقيق ينم عن عمق نصي متجاوز للقوالب الجاهزة وخالق لعالمه المقطعي المؤطر بوحدة موضوعية مع انفتاحه على فضاءات ابداعية رفدته بطاقات دلالية وشعورية وفكرية جعلته متحركا نحو آفاق ورؤى حداثية..
لا تخشي شحوبي
فما زلت أميز مكاني من الطيف
ولم تنفرط بعد حبات ذاكرتي
تمرين امام حاضنة خشوعي/وتشكين تاريخ خشوعي
وسوى اصابعك الرقيقة/لن تفلح العقاقير
سأشيع وحدتي/ولنتمحور معا تأملا وضوء
كيف لا تمهد الروح لعزلتها تحت الجلد
كيف لا تصغي لحيرتها خلف سطوة الوقت
وانا محض حلم متعثر/سأبدأ من فوضى القصائد
في الطرق الموحلة وانتِ معي
ولا أثر للضجيج سوى كلماتي/وغنجك المثير
نستشعر حشد القلق الخفي/في كل الاشياء /ص6
فالنص يعكس الاضطراب النفسي باتكائه على اساليب تصويرية ولغة تعبيرية بعيدة عن التقعر والتعقيد..فضلا عن ان الشاعر يوظف هواجسه عبر مشاهده التأملية التي تتسم والتجربة بالكشف عن المضامين الموحية عبر خيال محسوس كمحفز في عملية الخلق الشعري..الوسيلة التعبيرية والدلالة الاجتماعية التي يحققها المنتج(الشاعر) المتفرد بقدرته على الخلق ضمن اطار الوعي لتسجيل موقف ازاء حركة الكون..اذ انه يحاول ان(ينشيء من العالم المفروض عليه عالمه الذي يحلم به..)على حد تعبير بول ايلوار..من خلال الاشتغال على التقاط الجزئي والمحسوس بعمق معرفي يوظف الواقع الممزوج بالخيال جماليا ودلاليا فيخلق مشاهده المشحونة بقلق الذات والعزف على لحظات حركية الحواس وتناغماتها المنسابة مع ايحاء اللحظة الشعرية..وخلق دلالات ومناخات نفسية تسهم في توسيع القدرة التخييلية بالاتكاء على السرد الشعري في تشكيل مكوناته النصية عبر الاستغراق في الجزئيات..
لان يدي
أقصر من ان تصل الى الوردة
خلف سياج الحديقة
تمليت عنفوانها الملون
وكتبت تاريخ تواشج روحينا
بحروف من تألق
على جذع صفصافة خلفي
متذكرا السنوات التي ظللتنا
بالابيض والاسود
والحضور والغياب
والضحك والبكاء /ص39
فالشاعر يتخذ من الطبيعة ملاذا لخلق صوره الشعرية التي قامت على تقنيات فنية واسلوبية كالتكرار الذي اسبغ على النص نوعا من الايقاع المعبر عن صدى الذات المنتجة..والرمز الاستعاري الذي فيه تسمو التجربة وتتحول الصورة الى رؤيا تستمد نبضها من الذاكرة الذاتية والموضوعية بتوليفة تجمع ما بين الواقعي والتخييلي باسلوب جمالي قوامه اللحظة الفكرية التي تكشف عن حالة نفسية تتأمل وجودها القائم على المتضادات وتشكيلاتها في بناء عوالمه المشهدية بلغة تشكل وسيلة تبليغ وغاية في حد ذاتها والتي يعمل المنتج(الشاعر) على تفجير قدرتها التعبيرية فيقدم خطابا نصيا تتداخل فيه السردية ببنية درامية متنامية عبر حوار ذاتي والواقع..مع اعتماد الوحدة والكثافة والغنائية التي تتخذ من ضمير المتكلم وسيلة لها..مع تغيير زوايا الرؤية لاحتواء جوهر الاشياء..فضلا عن اتخاذه تقانة التذكر وقدرة الانشطار الذاتية لتحقيق الوظيفة الاستقرائية وتخطي المسافة الزمنية..
حبذا
لو تبخترت مثلي
عسكريا عنيدا
لا يطاله الانحناء
نسيت الذي
سيقوله:(البط للسمكة)
مثلما علمتني/فتعثرت ببعضي
قبل خطوات من العتبة
في اول يوم
أرى فيه صغارا تنشدون/للعلم /ص56
فالنص يتماهى والحس الانساني عبر صوره المشهدية التي تترجم عمق المشاعر والتركيز على المفارقة المتناغمة وبنائه المعبر عن لحظة التوهج التي تجنح الى الايجاز والتركيز وهي تتكىء على محمولات لفظية تكشف عن صور حسية(بصرية) تنطلق من الاطار الذاتي وتبلغ ذروتها معانقة التجربة الانسانية باعتماد الشاعر خطاب الصورة المستفزة للذاكرة بمخاطبتها الوجدان وفق معيار حداثي له التزاماته الموضوعية مع تركيز على الخصائص الحسية لابراز التكوين الجمالي..فضلا عن التعبير بالصورة بوصفها مشهدا بصريا مرئيا لتحقيق المتعة الجمالية المنبعثة من بين ثنايا النص الذي يستذكر الطفولة من خلال انشودة(يابط يابط/اسبح بالشط/قل للسمكة/اتت الشبكة/….) والجندية في شبابه..
وبذلك قدم الشاعر نصوصا قابضة على اللحظة المتوهجة باشتغال لغوي تتساوق في مشاهده العناصر المعبرة عن الجمال وكوامن الوجد المستمدة من بنائها المتماسك وتكثيف عباراتها ومجازاتها والذاكرة التاريخية والبنية الدرامية المنبعثة من الرؤيا المحققة للصورة المقترنة بالتجربة..

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162705/feed 0 162705
جعفر مراد من الهندسة الالكترونية الى السينما http://newsabah.com/newspaper/162701 http://newsabah.com/newspaper/162701#respond Wed, 15 Aug 2018 18:38:04 +0000 http://newsabah.com/?p=162701 لندن ـ ابتسام يوسف الطاهر:

المخرج السينمائي العراقي جعفرمراد كان ضيف أمسية المقهى الثقافي العراقي في لندن. عرض لجمهور المقهى مساهماته في المهرجانات السينمائية العربية والدولية والجوائز التي حصل عليها وكذلك لقطات من المقابلات التلفزيونية التي تمت معه في الدول العربية.
كان سعيدا بلقاءه جمهور الجالية العراقية من مثقفين وادباء وسينمائيين.. إضافة الى حضور السيد سفير العراق في المملكة المتحدة بدعوة من المخرج جعفر مراد نفسه، الذي قدم له في نهاية الأمسية شهادة تقديرية لجهوده الفنية وتمنى له النجاح.
إستمع جمهور المقهى في بداية الأمسية الى البيان الذي قرأه الفنان والإعلامي فلاح هاشم موقعا من قبل مجموعة من المثقفين والذي يندد بالأساليب البوليسية والقمع والقتل ضد المتظاهرين العراقيين وكذلك الإعتقالات التي طالت المحتجين على نظام المحاصصة والطائفية والفساد العام الذي تمارسه الحكومة بكل طوائفها. وكانت قراءة البيان بمثابة رسالة ليسمعها السفير لعلها تصل لمن بيده الامر!
المخرج جعفر مراد يقيم في أوروبا منذ زمن حيث أكمل دراسته الجامعية في الهندسة الالكترونية وحصل على الباكالوريوس من جامعة اوترخت في هولندا، ولكن حبه وشغفه لعالم السينما والفن جعله يترك الالكترونيك ويتجه الى السينما وبالخصوص الى بريطانيا لدراسة السينما هناك. وفعلاً حصل على الماجستير هناك في الإخراج السينمائي وكتابة السيناريو والتصوير والمونتاج.
وفي بريطانيا اخرج وانتج العديد من الافلام القصيرة قدم فيها وجوه لاعلاقة لها بالتمثيل، لكنه دربهم ليشاركوا في ادوار قصيرة، اضافة الى تعاون بعض الفنانين المعروفين المقيمين في بريطانيا مثل المسرحي فلاح هاشم. في حديثه القصير شكر كل من شارك في افلامه «وتحملني فأنا صعب كمخرج، لست عصبيا او متطلبا، لكني اصر على ان العمل لابد من انجازه على اكمل وجه»
وبما ان الامسية كانت مكرسة لتقديم بعض من افلامه فقد تم عرض افلام قصيرة منها: العودة الى فكتوريا، لاحاجة للحبر -No Ink Required – وفيلم بايسكل وفيلم خلف المرآة، وغيرها ..مايميز تلك الافلام هو تلك الصور المكثفة التي اختصرت في مشاهد قصيرة ومعبرة، مستخدما الصور والضوء والحوار الداخلي للبطل لمتابعة الاحداث بوقت قصير. فيها معالجة نفسية متقنة وبعضها حاول طرح مشكلة الارهاب والاسلام في اوربا.. ويؤكد انه يفضل ان يكتب سيناريو الافلام التي يخرجها فهو يعرف خيال القصة ودواخلها ليخرجها على طريقته. فكانت افلامه اشبه بالقصة القصيرة الشاعرية المكثفة.
من تلك الافلام «خلف المرآه» الذي قال عنه مراد، انه من الافلام المحببة لديه. جرئ حيث يناقش عذرية المرأة بطريقة جديدة، وشارك الفيلم في خمسة وثلاثون مهرجان عالمي في أمريكا الشمالية والجنوبية وفي أوربا. ثلاثة مهرجانات في هوليود وعشرة في باقي الولايات الامريكية.وشارك في أوروجواي وباروجواي، وكولومبيا والأرجنتين وبيرو والمكسيك وكوبا. وحصل على جائزة أفضل فيلم مهرجان IFFC في الهند. وكضيف شرف على مهرجان كام السينمائي السابع في القاهرة حصل على تكريم من المهرجان، ولاقى اكبر مشاهدة واكثر نقاش لما يحمله من رسالة وجرأة لمناقشة موضوع حساس مثل هذا. وفي بريطانيا ايضا حصل على شهادات تقدير في اكثر من مهرجان.
وعن بداياته في حوار على موقع الحقيقة «بدأت الفن منذ الصغر، كنت اشارك في نشاطات المدرسة من تمثيل مسرحيات الى غناء. ثم احترفت العزف على الاورغ واصبحت مهنتي العزف في الفنادق الدرجة الاولى في بغداد. في اوربا درست الهندسة الالكترونية وحصلت على البكالوريوس في هندسة الكومبيوتر والاتصالات من جامعة اوترخت الهولندية. لكن كنت اشعر بأن حياتي غير مكتملة لأنني لم استثمر الموهبة التي رزقني بها رب العالمين. في واحدة من سفراتي السياحية الى اميركا، دخلت يونيفيرسل ستوديو، وتلك كانت اللحظة التي غيرت حياتي حيث انتابني شعور بانني كنت راكن موهبتي على الرف. عند عودتي الى بريطانيا قررت ان اسلك طريق الفن، فبدأت كممثل في افلام بريطانية الى ان سنحت لي الفرصة لدراسة الماجستير بالاخراج. حيث درست على ايدي مخرجين بريطانيين».
وفي نهاية الأمسية القى الفنان فلاح هاشم كلمة، حول ما يجري في العراق مشدداً على رفض المثقفين والعلماء والأكاديميين الذين وقعوا البيان للممارسات الوحشية التي ترتكبها عصابات الأحزاب الحاكمة ومليشياتها بحق المجتمع العراقي وبحق من يطالب بالإصلاح والتغيير. واكد على مواصلة الكفاح حتى يتم تغيير هذه الحكومة الفاسدة.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162701/feed 0 162701
الإلياذة والأوديسا: كلمات منسية في أعماق طبقة أركيولوجية http://newsabah.com/newspaper/162698 http://newsabah.com/newspaper/162698#respond Wed, 15 Aug 2018 18:29:28 +0000 http://newsabah.com/?p=162698 ترجمة محمود عبد الغني

أجرى «ملحق الكتب» بجريدة لوموند الفرنسية (عدد الجمعة 29 يونيو/ حزيران 2018، حواراً مع الكاتب «سيلفين تيسّون» حول كتابه الصادر مؤخراً «صيف مع هوميروس» سنة 2018. وهو كاتب فرنسي من مواليد سنة 1972. عُرف بأسفاره الكثيرة وتسلّقه للقمم، إذ تسلّق سنة 1997 قمة جبال الهملايا مشياً على الأقدام. ولعل روايته عن هوميروس هي كناية عن تسلّق أدبي مثير. هنا حوار معه.
ظل «سيلفان تيسّون» طيلة شهر يوليو 2017، مرة في الأسبوع، يقترح على مستمعي إذاعة «فرانس انتير» الفرنسية الغوص في العوالم المختلفة ل»الإلياذة» و»الأوديسا». وقد سجّلت السنة نفسها ظهور أعمال أدبية مستوحاة من هذا العمل الهوميري، نذكر منها: «من الأوديسا» لدانييل مندلسوم (فلماريون، 2017)، «في سيرسي» لمدلين ميلر، مروراً ب»كاليبسو» لآن ليثو، 2018. لكن «صيف مع هوميروس» سجّل نجاحاً كبيراً، بالنظر إلى إقبال القراء عليه.

هل من جديد تحت الشمس؟ أنت تُجيب: هوميروس. وعدد الروايات الصادرة مؤخراً شاهدٌ على ذلك؟
تشكّل «ملحة جلجامش» و»الإلياذة والأوديسا» جزءاً من القصائد الأولى التي أبدعتها الإنسانية، التي نُقلت إليها. هذه القصائد تصوّر سلسلة من الأحداث في مرحلة معينة، على جزء من الكرة الأرضية، إضافة إلى وصف العوالم الكبرى داخل الإنسان. لهذين السببين، فهذه الأشعار تؤسس للأدب باعتباره تصويراً وكشفاً عن لغز الإنسان. إن من من بين أهم توظيف اللغة هو التناظر، الذي يقتضي ربط وضعيات منفصلة مع بعضها لكن اللغة تستطيع تقديمها باعتبارها متشابهة. وقد استعمل هوميروس ذلك في أحيان كثيرة، مستمدّاً المقارنات من مملكتي الحيوان والنبات. إن تسمية الأشياء الغائبة وما هو غير مرئي هي وظيفة أخرى قام بها أدب هوميروس.

هل هوميروس بقي حيّاً لأنه وصف كل الثوابت في روح الإنسان؟
عوليس رجل متناقض ومركّب، لكن هناك شخصيات أكثر أحادية، بين الإنسان والآلهة، وكل واحد يرمز لتوجّه أو علّة. لقد رسم هوميروس كل اللوحة: البلاهة، الجنون، العُصاب، الرغبة في البقاء على قيد الحياة، في تناسلنا، إشباع الذات، ذكريات عن الأشياء التي أحببنا، محاولة العودة إلى العمر الذهبي…إن الإلياذة والأوديسا تنقل كل الدوافع الإنسانية. من هنا جاءت جملة هنري ميلر (1891-1980): «نظرية التحليل النفسي ليست سوى تطبيق للأساطير الإغريقية على الأجزاء التناسلية». منذ هوميروس لا أجد أن الإنسان تجدّد، أو جدّد نفسه. لهذا السبب ف»الإلياذة» و»الأوديسا» أدخلتاني إلى عالم السعادة والحزن في الآن نفسه.

«الإلياذة» و»الأوديسا» هما أغنيتان عن التفوق والشجاعة، كلمة «منسية في أعماق طبقة أركيولوجية»، هذا ما كتبته. لكننا نرى، في الأزمنة الأخيرة، كم بقيت هذه الحاجة حيّة؟
إن شهية البطل، والفرادة التي تطبعه، جعلتا منه وجهاً مشهوراً. إن نُدرة وخطورة فعل البطل ميزتان خالدتان. غير أن تحديد البطل، بمعنى الإنسان الذي يتميّز عن الحشود ويشكل مثالاً لها، مفهوم تطوّر منذ هوميروس. البطل يحمل على عاتقه مهمّة تجسيد المسالك، القيم التي تحملها ثقافة شهيرة في لحظة معيّنة. اليوم، الضارة الأوروبية تعزّز مقولة نهاية الظلم الاجتماعي. إنها تطمح إلى محو الانقباض الوطني، وبدأت تغذّي نوعاً من الحس من أجل المساواة، بهدف النصر بحيث كل مواطن يمكن أن يحقّق ذاته داخل مجاله الفردي.

قلت في كتابك إن العالم الميثولوجي ليس عالماً أخلاقياً، وإننا نمتلك مستويات عادية في الحكم. أليس ذلك هو أحد إغراءات شعر هوميروس؟
يوجد في إحدى القراءات الوثنية، ما أطلق عليه ألبير كامي في «أعراس» (1950) «قبول العالم»، هذه الفكرة الجميلة التي نلصقها بالعالم. إن الدّرع الواقي الذي صنعه «هيفيستوس» ل»أشيل» يجسّد هذا الأمر، حين يمثّل وصفاً شاملا للواقع، حيث الغابة، البحر، القرية، المدينة. كل شيء هنا ويجب أن نحبّه لأنه موجود هنا، ينبغي القبول به، والاحتفال بما سمّاه الإغريق «لمعان العالم»، بدون ملابس ال»أرلوكان».
إن التوحيد فكرة عظيمة، لكنها مأساة كبيرة بالنسبية لقبول الأشياء. لأن الطاقة الخلّاقة تصبح خارجية حين خلقها، فتتخّذ مسافة، لكنها في الفكر الوثني، يوجد الاثنان في عالم الإنسان، الحيوان والنبات.
والمفارقة القديمة هي انتفاء تأليه الاثنين. إنهم أناس بسلطات خارقة. يحكمون نفس البيت في الأولامب أو على الأرض. من هنا جاء سؤال المؤرخ «بول فيين»: «هل كان الإغريق يؤمنون بأساطيرهم؟»، الجواب المحتمل هو: لا.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162698/feed 0 162698
دهشة الثيمة والأسلوب في مجموعة (الحب في زمن الطنطل) http://newsabah.com/newspaper/162554 http://newsabah.com/newspaper/162554#respond Tue, 14 Aug 2018 17:50:46 +0000 http://newsabah.com/?p=162554 للقاص ضاري الغضبان
انمار رحمة الله

يأخذنا القاص والسيناريست ضاري الغضبان، في مجموعته القصصية( الحب في زمن الطنطل) الصادرة في النجف الأشرف_ 2018، في رحلة عبر عوالم تنوعت بين الواقعية والواقعية السحرية والغرائبية. مع إضافة اللمسة الخاصة بكوميديا سوداء، جعلت من قراءة النص القصصي عند الغضبان، أشبه بالتوغل في أرض مليئة بالفخاخ المفاجآتية.
تمتاز أغلب نصوص المجموعة بمزيتين مؤثرتين في إنجاح القص لديه، المزية الأولى اختياره لمواضيع مركبة، متشابكة في مدلولاتها، ولكنها متحدة في أثرها الرؤيوي. والمزية الثانية هو أسلوب القاص الذي ينتمي إلى مساحة كبيرة من شخصيته الخاصة ، وهذا ما وشت به إحدى قصصه عبر نسق مضمر يكشف عن ماهية أسلوب القاص الشخصاني( أنا بطبعي أكره الانتظار- ص58)، والقصة القصيرة الجيدة بالطبع تلك التي تكره الانتظار، بل تصيب الهدف كطلقة( على حد تعبير يوسف إدريس).
أسلوبه في اللغة والوصف البياني الاستدراجي، يكشف عن مهارة كاتب تمرّس على صناعة المشهدية في النص القصصي، علماً أن القاص قد أشتغل على السيناريو من قبل، مما يسمح له بإتقان صناعة الحدث، بعيداً عن الترهل والحشو، مقترباً من الاختزال والوحدة والتكثيف، ولعمري هي من أكثر خصائص القصة القصيرة تأثيراً في صناعتها الفنية. لم يرتفع القاص بلغته عالياً، كان تحليقه ضمن الوصف البياني كما أسلفت، مبتعداً عن الوصف البلاغي والشعرنة التي قد تفسد روعة تلقّي الحدث في قصصه، هو أختار اللغة التي تخدم بشكل كبير مواضيع واحداث قصصه، على اعتبار أن الموضوع في السرد هو ما يحدد لغة النص لاحقاً (على حد تعبير إمبرتو إيكو).
اشتغل الغضبان على أربع خصائص مهمة في تشكل النص الإبداعي، العاطفة – الخيال -الفكرة – اللغة، والقارئ حين يقرأ نصوص المجموعة قد يُشكل في عدم انطباق خصيصة مهمة تأتي في مقدمة خصائص القص( الوحدة)، وذلك متأت من كثرة أحداث القصة، وتفرعاتها واحتدام شخصياتها، واستجلاب بعض الأحداث الجانبية التي تقوي جانب الحدث الرئيسي، ولكن إضافتها بهذا الشكل يعطي روعة أخرى، لأن الشكل الظاهر للقصة عند الغضبان، كالمرآة المتشظية، قد تختلف في شكلها من حيث التركيب، ولكنها تتحد مع الموضوع من حيث الأثر. فكل جملة في قصص الغضبان هي قصة قصيرة جداً، تشكل مع الجملة اللاحقة والجملة السابقة نصاً لامعاً.. في قصة (علامة تعجب – ص7) التي تصدرت قصص المجموعة، يؤنسن القاص علامة تعجب، ويجعل منها عدسة باحثة عن مجاميع المدمنين في المدينة الذين اختفوا فجأة. في عملية بحث هذه العلامة التي تتراءى للقارئ محلقة، أول شيء يصادفها الجامع الكبر في المدينة، وشخصية إمام الجامع والصراع الحادث بينه وبين (الباحث الاجتماعي) حول كيفية محاربة الإدمان. مما جعل الإمام يشتم العلمانية ولابسي الأربطة وحالقي اللحى( وهي ذاتها مواصفات الباحث)، ليكشف لنا القاص ماهية العلائق الرابطة بين ما يمثله التيار الديني، والتيار العلمي الموضوعي، وذلك الصراع الدائر حول أحقية من في تسيير المجتمع ووضع الأنساق الفكرية. ثم يتفجر صراع آخر في المقهى بين الباحث وبين زبون كهل، فينصحه الأخير بترك الكلام عن السياسة والاقتصاد، والتفرغ لطروحاته في الاجتماع.
وتظل علامة التعجب مثل الكاميرا التي تلتقط صوراً لمشاهد في واقع المدينة، بحثاً عن المدمنين مع خيط يربط أحداث القصة الرئيسة( إمام الجامع والباحث)، اللذان اقترباً في النهاية في عملية مصاهرة، وبالتالي تكتشف العلامة أن المدمنين محتجزون في بستان كبير لإحدى السياسيين، وقد وزع عليهم لفافات الأفيون، وهو يجهزهم للإدلاء بأصواتهم نصرة له في التصويت القادم. بالطبع هي إشارة إيحائية جاءت بسياق درامي لم يخفت توهجه، للدلالة على ما يحدث الآن في واقعنا الحقيقي، فالأصوات التي تذهب للسياسي كريم العين في القصة( والعور هنا إشارة إلى النظرة الأحادية)، ماهي إلا نتيجة لإدمان ايدلوجي وفكري واجتماعي محدد، قد أنتفع به ذلك السياسي الفاسد.. في قصة (دَين – ص35) يطرح القاص محنة أخرى من المحن التي يعاني منها الأنسان، الدين في رؤية القاص هنا هو القيد الذي أمسك برقبة العائلة، حتى أصبحت منبوذة من قبل المجتمع، ولم يعد أحد راغباً في المواصلة عيشاً معها.
ثم ينتهي الأمر بسكن شخصية القصة(ابن الرجل كثير الدين) في سيارة أبيه المهجورة خارج المدينة، بعد أن رفض دار المسنين سكنه مع امه لصغر سنه. ولكن في السيارة العاطلة استقبل الابن ضيفاً( الكلبة التي كانت تبحث عن مأوى)، وبالتالي صار صاحب فضل على هذه الكلبة لإيوائها. في الحقيقة الموضوع يقترب فنياً من صناعة القصة. فالقصة منذ نشأتها لم تكن ملحمة لأبطال، بل كانت ومازالت تتحدث عن المغمورين والمأزومين، «والحق أن القصة القصيرة لم يحدث أن كان لها بطل قط، وإنما بدلاً من ذلك مجموعة من الناس المغمورين»( فرانك أوكنور – الصوت المنفرد ص13). شخصيات ضاري الغضبان هي شخصيات تعاني من أزمة، وحالة من التجهيل والاحتيال والكآبة المزمنة. ولكن هذا لا يعني أنها غير واعية، فالقاص يطرح لنا شخصية أخرى غير بطولية، ولكنها حالمة ومكتفية بعالمها و براءتها، شخصية المعلم المتقاعد في قصة (فقدان قمر- ص37). القصة ذات منحى غرائبي – إدهاشي ، عن فقدان القمر مع ضجيج لسكان المدينة بحثاً عنه. ومباشرة اعادت لي القصة فكرة قصيدة للشاعر المصري الراحل ( أمل دنقل)، عن فقدان القمر في المدينة، ولكن حين سألوا عنه وجدوه في الريف بكامل أناقته ولونه الفضي. أعادت لي القصة صورة تلك القصيدة، ولكن ما ميز قصة فقدان قمر، هو الخاتمة.
لقد كانت القصة ذات خاتمة شعرية من نوع قصيدة النثر. وبهذا يعطي القاص في بنائه وأسلوبه صعقة مركبة، من الدهشة والاشتغال الفني، وتجاور لنصين من جنسين مختلفين، في خاتمة ذات طابع شعري عاطفي رقيق.. في قصة (الحب في زمن الطنطل – ص53) وهي القصة التي عنون القاص مجموعتها باسمها. نجد مثالاً واضحاً للواقعية السحرية، أسلوباً ولغة وثيمة.
لقد نقل صور لنا القاص مشهداً من مشاهد الحب وبقائه عبر الزمن، مستذكراً في قراءتي خوفينال أربينيو وفارمينا داثا) بطليّ الحب في زمن الكوليرا. قصة تحكي لنا عن تطلعات الرجل الرومانسية، والرغبة في بقائه عند منطقة محددة وجميلة في حياته ( حبيبته الأولى). بصورتها وهيئتها النفسية والفكرية والروحية القديمة، وهذا ما وجده بطل القصة في بنت حبيبته التي كانت تشبه أمها، وترك أمها الحقيقية مع زوجته تثرثران عن أمور بعيدة عن رغبة الرجل العاشق ذي العمر الخمسيني.. وهناك قصص أخرى لم يتسن لي التطرق لها، بعضها واقعية – اجتماعية كـ (مقطع عرضي للريف – ص17)، وبعضها رمزية -انتقادية كـ (ديموقراطية الغابة ص103)، سيجد القارئ في قصص الغضبان لذة المتابعة، والحدث المشوق، مع وضوح في وجهة النظر، ودراما حيّة متحركة صوب نهايات مختلفة غير مخيبة لفرصة كسر أفق التوقع، مع اشتغال لا بأس به من ناحية الأسلوب وصناعة الحدث والتبئير.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162554/feed 0 162554
تصوير النماذج الحيّة: بين بيكاسو وماتيس http://newsabah.com/newspaper/162549 http://newsabah.com/newspaper/162549#respond Tue, 14 Aug 2018 17:48:46 +0000 http://newsabah.com/?p=162549 أسعد عرابي

معرض مقارن جديد آخر يُضاف إلى سلسلة العروض المتقابلة، التي شاعت خلال الموسمين (السنتين) الأخيرين، وصحّح بذلك منهج علم الجمال المقارن الذي ابتدعه منذ نهاية القرن التاسع عشر الفرنسي إتين سوريو، وطبقه تلامذته من كبار الباحثين والمسؤولين عن متاحف الفن المعاصر والإشراف على عروضها تحت صفة المفوض (أو الكوميسير).
وبعض الأسماء النّجومية منها فاقت شهرة رواد الفن أمثال فرانك بوبير وبيير ريستاني وجيرار إغسيروغرا وجان مارتان وغيرهم. وأعتز بمعرفتهم والعمل ضمن منهجهم ميدانيًا وعن قرب، سواء بالمشاركة في تنظيم المعارض والندوات أو التحكيم، أو بالمشاركة بالكتابة في مجلات نقدية مختصّة، أو تحرير مقدمات كاتالوغات مثل هذه الحشود من المعارض المقارنة.
لكن المقارنة هذه المرة تجري بين منتخبات من ميراث عملاقي التصوير الفرنسي المعاصر: هنري ماتيس وبابلو بيكاسو، وبالتحديد في متحف ماتيس الشهير في مدينة نيس عروس الساحل المتوسطي اللازوردي الذي يجمع مرافئ «الكوت دازير» التي كان يسعى فيها نشاط الاثنين، مثل موجان وفالوريز وفانس. هو المعرض الذي يندرج ضمن احتفالية شمولية عالمية أكبر بعنوان «بيكاسو والمتوسطية»، إذ من المعروف أنه من مواليد مالقة الأندلسية القطلانية عام ١٨٨١م حيث تعانق أكبر متاحف أعماله اليوم، لكنه استقر في هذه المدن المتوسطية القريبة من فرنسا لأنه كان معارضًا لفرانكو، وكان ممنوعًا من العودة إلى بلد الأصل إسبانيا، حتى توفي عام ١٩٧٣ في موجان. أما غريمه وصديقه هنري ماتيس فمولود عام ١٨٦٩م ومتوفى عام ١٩٥٤م في فرنسا.
إذا تأملنا هذه الأرقام نلاحظ أن ماتيس توفي قبل بيكاسو بما يقرب من عشرين عامًا. ومن الشائع أن ماتيس كان يتهم دائما رفيق عمره بيكاسو باختلاس أفكاره، بل وسرقة بعض أشكاله المختزلة، بخاصة في مرحلة القص بالمقص للمساحات الملونة مباشرة. وذكرت سابقًا أن أمثال هذه المعارض ومنهجها المقارن صحّحت أكداسًا من الأفكار النقدية المسبقة. لو تأملنا المعرض اليوم (الذي يعانق أعمالًا فنية من التصوير والنحت: خمسون من الأول ومثلها من الثاني)، سنجد مئة عمل فني تؤكد موضوع المقاربة في «تيمة» العنوان: «ماتيس – بيكاسو وكوميدية الموديل»؛ والعبارة مستخرجة من رواية أراغون المستلهمة من سيرة ماتيس وعلاقته الحميمة بنماذجه الأنثوية المصورة والموثقة مرارًا معه. أما بيكاسو فقد أنجز مجموعة من أشهر رسومه بالحبر الصيني مستلهمة من تكبير صور الأختام الرافدية (أكاد وآشور وسومر وبابل وماري الخ). تمثل «الرسام والموديل الأنثى»، لكن المعرض حفل بلوحات معروفة أكثر عن موديلاته بالألوان الزيتية.
تبتدئ المقارنة من حميمية «الأوتوبورتريه» بأقلام الفحم الهشة (فوزان أغصان الكرمة المفحمة) يصوّر فيها كل من الاثنين صورته الشخصية في المرآة. فالموديل في هذه الحالة هو الفنان نفسه. وتتزامن مع المعرض قراءات أدبية نسمعها دون أن نرى قارئها، تلامس هذه الحميمية، كان كتبها الشاعر مالارميه لهنري ماتيس.
من المعروف أن بيكاسو كان يحفظ احترامًا وتقديرًا خاصًا لشخص وفن ماتيس. تأمل موروثه الأخير يوم وفاته، فامتص مباشرة رحيق التعريقات نصف التجريدية المقصوصة من الأوراق الملونة، بادر بعدها مباشرة لتناولها من جديد ثم تطويرها. لامه بعض النقاد على استباحته لفن ماتيس بعد وفاته فأجابهم بأنه لا بد من الاستمرار في هذا البحث لأهمية اكتشافه، وبأنها طريقة خاصة لتكريم رفيق عمره.
تقع أهمية المعرض في تصحيح صفة التناقض الأسلوبي والفكري المطلق، وذلك بالبحث عن وحدة الموضوعات، ومحاولة تأويل الموديل الحي بحدسية لا تقبل سبق التصوّر، من اليقينيات الشائعة والثابتة بمطلقها خطأ تتمثل في الصبغة الروحية الصوفية لماتيس واقتصاره في التعبير على تنزيه المسطحات اللونية واتصالها بموسيقى المقام الأفقية استغراقًا منه في موروث الفن الإسلامي، وأن بيكاسو كان عكسه ماركسيًا ستالينيًّا (وجدنا في جيبه صورة ستالين عند وفاته ناهيك عن تصميمه لشعار الحزب الشيوعي الفرنسي حمامة السلام)، ناهيك بتوحّده مع سحرية الأقنعة الأفريقية وعقائدها الوثنية. يناقض المعرض هذه المبالغة بتأكيد سلام العلاقة والاحترام المتبادل رغم حذر ماتيس، فالتباعد بين الاثنين يرجع إلى استقلال قوة شخصية كل منهما، مع فارق العمر، فماتيس أسس تيار «الوحشية» (إلى جانب ديران وسواه) عام ١٩٠٥م، في حين أسس بيكاسو التكعيبية مع جورج براك عام ١٩٢٠م. والفرق بينهما جذري، فمقامات الألوان الروحية الرهيفة التي تميّز بها ماتيس، بتأثير تقاليد المنمنمات (رسوم المخطوطات العربية) وسواها، تقع في الخط المعاكس للجدلية المادية السيزانية التي قادت إلى تحويل المرئيات إلى قوالب هندسية عقليّة رياضيّة. النتيجة تناقض هذه المحفوظات، فلوحات الاثنين نتيجة حدسية قلبية شطحية تقع في نفس مساحة التعبيرية: تارة الخطية الشكلية، وتارة اللونية. اختيرت اللوحات وفق نواظم هذا المنحى الرهيف والمجدّد.
يدعو المعرض المشاهد للبحث في أعمال الطرفين عما هو تصحيح ومناقض للأطروحة النقدية التبسيطية (حتى لا نقول المتعسّفة) في تخيل الطلاق المطلق بين المعلمين. فأعمال ماتيس لا تخلو من بنائية مكملة لعاطفية ألوانه، نجدها في الخطوط المتعامدة ما بين النافذة والجدران والمرايا والطاولة (مثله مثل نظيره بونار) بل إن تمثاله المعروض أقرب إلى التكعيبية منه إلى الوحشية، كذلك الأمر لدى بيكاسو إذا راجعنا أعماله المختصّة بموضوعات المهرجين والسيرك والأرلوكان وجدناها بالغة العضوية في منحنياتها، مثله مثل ماتيس يتجنّب الأسلبة الباروكية وذلك بالعمل في عكس تياره النظري، وبيكاسو في تلك المرحلة يصّور بهلوانيًا الراقصة الأنثى تعربد على كرة حرة قلقة بعكسها الرجل الذكر الراسخ على مكعّب على الأرض.
أما اختيار عنوان أو موضوع المعرض «كوميدية الموديل» فهو بالغ الدقة، لأنه يشير إلى شراكتهما في التعامل مع الواقع بتأويل لا يخلو من السخرية والعبث، كل منهما على طريقته.
يحتاج إذًا منهج علم الجمال المقارن المطبق في اختيار المعروضات إلى التحليل العمودي البعيد من سكونية الأحكام المسبقة، كما تشرح مفوضية المعرض، الكوميسير كلودين غرامو، مديرة المتحف الأصيل والمشهور باختيار موضوعات نخبوية لمعارضه، وذلك منذ تأسيسه في فترة الرئيس شارل ديغول، حيث جمع وزير ثقافته أندريه مالرو عن طريق الاقتناء المباشر من أصحاب المجموعات المتباعدين ليحفظ في المتحف ثروة لا تقدّر بثمن من أشهر لوحات موروث ماتيس الفني، الذي افتتح بعد فترة عام ١٩٦٣م.
يقع المعرض بين الشهر السادس والتاسع من العام الراهن ٢٠١٨م، أي بين الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو ونهاية أيلول/ سبتمبر منه.
*موقع ضفة ثالثة

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162549/feed 0 162549
الثمار الأرضية بأسمائها الفرنسية.. سيرة هجومية حادّة على الثقافة الأنكَلوساكسونية http://newsabah.com/newspaper/162542 http://newsabah.com/newspaper/162542#respond Tue, 14 Aug 2018 17:46:40 +0000 http://newsabah.com/?p=162542 صدر عن دار «لندن للطباعة والنشر» كتاب «الثِمار الأرضية بأسمائها الفرنسية» للشاعر فاضل عبّاس هادي، وهو الجزء الثاني من ثلاثية «الورّاق» التي نعتبرها سيرة ذاتية وثقافية ونقدية للمؤلف الذي توزعت اهتماماته بين الشِعر، والنقد الأدبي والفني، والتصوير الفوتوغرافي، والكتابة الحُرّة التي تجمع بين دفّتيها خليطًا من الأدب، والفن، والنقد، والسياسة، والاستذكارات المصهورة في «نص مفتوح» يمكن للمتلقي أن يقرأه من أي صفحة يشاء. غير أن هذا النص المهجّن ينطوي على خطوط ظاهرة للعيان أبرزها المراجعة النقدية لكل ما قرأ أو وقعت عليه عيناه منذ صباه وشبابه حتى الوقت الحاضر، وقدرته الواضحة في التحليل النفسي سواء للشخصيات الثقافية والإبداعية أو للمجتمعات التي يرصدها في متون دراساته وكتبه النقدية التي تعتمد على انطباعاته الذاتية التي يؤازرها «مُرافقهُ الخفيّ» الذي يغمره بالمفاجآت السعيدة والمُدهشة.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162542/feed 0 162542
عروس الشرق .. بغداد http://newsabah.com/newspaper/162545 http://newsabah.com/newspaper/162545#respond Tue, 14 Aug 2018 17:43:53 +0000 http://newsabah.com/?p=162545 نوميديا جرّوفي
صدر للأديب للعراقي المغترب الأب يوسف جزراوي كتاب عروس الشرق بغداد، الصادر عن دار تموز ديموزي عام ٢٠١٨
الكتاب من الحجم الوسط يقع في ٢١٢ صفحة من الحجم الوسط.
هي مكابدات ومناجاة ولواعج ونصوص نثرية وخلجات مغترب عن مدينة كانت مسقط راسه ومرابع كهنوته لم تزل ترسو في ميناء قلبه.
قدم الكتاب حمدان طاهر المالكي وسلام دواي وغيرهم.
نوميديا جرّوفي، شاعرة، كاتبة، مترجمة، باحثة وناقدة (الجزائر/عراق)، من مواليد 1982، تلمسان، الجزائر، حائزة على شهادة ماستر في قانون الأعمال، وشهادة في الصحافة المكتوبة، نشرت في العديد من الصحف والمجلات الورقية و الإلكترونية عبر العالم.
كتبت في الشعر: ديوان (محراب في كلّ روح)، دار ألف ليلة، مصر، 2016.، ديوان (في متاهة قلبي المسافر)، ديوان (هاتف على أوتار قلبي). وفي الأدب و النقد كتبت: قراءات نقدية لنخبة من الأدباء والشعراء (الجزء الأول)، دار نور للنشر، ألمانيا،2017، سماويون.. قراءات نقدية لنخبة من أدباء و شعراء السماوة (الجزء الثاني)، قراءات نقدية لنخبة من الأدباء الشعراء(الجزء الثالث)، مجموعة قصصية، قصص أطفال باللغتين العربية و الفرنسية.
وفي الدراسات: مولانا جلال الدين، وثورة الذات والأنا.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162545/feed 0 162545
تأويل المعنى في قصص (بائع الضحك) لإبراهيم سبتي http://newsabah.com/newspaper/162487 http://newsabah.com/newspaper/162487#respond Mon, 13 Aug 2018 18:31:28 +0000 http://newsabah.com/?p=162487 علي لفته سعيد

تعتمد المجموعة القصصية للقاص والروائي ابراهيم سبتي التي حملت عنوان ( بائع الضحك ) والتي وضع مصمم الغلاف وجها مكفهرًا كتب أسفله ( قصص قصيرة جدا) والصادرة عن دار ميزوبوتاميا، تعتمد على ما يمكن استحصاله من تأويل للمعنى في عملية السرد القصصي بضرباته التي تعتمد المخاتلة في نهاية القصة.. ولأنه وضع في مقدمة مجموعته التي تجاوزت الخمسين قصة مقالتين سبق أن نشرهما عن القصة القصيرة جدا النشأة والأهمية والمحنة وتقرير المصير كما اسماهما في عنواني المقالين فان ما يمكن ربطه في السياق العام لمدلول الموضوعة.. اذا ما اعتبرنا ان السرد حتى لو كان قصة قصيرة جدا لابد من وجود حكاية تمشي عليها عملية التدوين ولابد من وجود تدوين يولد الحكاية ويعطيها المعنى المراد سواء كان معنىً فلسفيا ام تحليليا أو تأويليًا أم قصديًا وهو ما يمكن ملاحظته في القصص الخمسين لهذه المجموعة التي اخذت ثلاث أنواع لمعمارية التدوين لتكون قصة قصيرة جدا وهي نوع القصة التي لا تتعدى بضعة اسطر والثانية التي لا تتعدى الصفحتين والثالثة التي تزيد على الصفحتين ، وهو ما يعني ان التدوين لدى سبتي لا يعتمد على التدوين كقصة قصيرة جدا وانها يجب ان تكون مجرد أسطر . بل تعتمد على نوع الروي في الحكاية لينتهج التدوين.. فهوي تنقل بين هذه الأنواع الثلاثة ليبرهن على انه واحد ممن كتبوا هذا النوع القصصي بمهارة العارف بما يريد ولهذا فان ما يمكن مناقشته على التدوين يرتبط بالحكاية التي تعطي دافعًا قويًا لهكذا نوعٍ من السرد فيكون حينها سبتي قد تمكن من الحفاظ على روح الحكاية داخل القصة مثلما حافظ على مهمة السرد في قوة التدوين .
في القصص القصيرة جدا لا ينفك العنوان يكون عتبة أولى مثلما يكون متنًا سرديًا داخلًا ليس في التأويل النهائي بل مع السياق الأولي الذي يمكن الأخذ به ابتداءً.. ولذا فان الكثير من العناوين في المجموعة كانت تحتفظ بغرضها وأغراضها في كل ما يتصل بتعريف العنوان كنصٍّ موازٍ او عتبة او مدلول وهذا هو سر صعوبة هكذا نوع من القصص.. وعلى الرغم ان هذا لا يأتي على كل قصص المجموعة التي احتاج بعضها الى ملامسة اللغة أكثر من ملامسة واقع الحكاية للأخذ بيد الترتيب الزمني للحكاية ، فان العنوان الرئيس يبقى هو المحرك الأساس لكل ما يجذب المتلقّي الى المعنى او انه يطل على التأويلات المختلفة كونه النافذة التي شرعت لكي يدخل الضوء او يطل عليه.. وبائع الضحك العنوان الذي أخذ حيزًا من الغلاف كعنوان إضاءة ، كان عنوانًا للقصة الأولى المنشورة في المجموعة والتي تمنينا الا تكون قصة لأن العنوان الان لم يعد مجرد عنوان لقصة بل هو جامع لعناوين القصص ولكنه أيضا يمكن أن يتحوّل الى منطقةٍ أو منصّةٍ تجعل من الوثوب الى النصوص الأخرى عمليةً مقبولةً أو إنها تحيط بما يأتي من قصصٍ وإن جعلها القصّة الأولى.. فربما أرادها عملية فتحٍ للنافذة ليدخل الضوء أو ليطلّ على الضوء الخارجي الذي يأتي برياح التلقّي ونسائمه.. حتى ان الكثير من العناوين لا تحتاج الى تأويلٍ خاصٍّ بقدر ما تحتاج الى تثبيت العلاقة ما بين المتن والعنوان ليكون كما أسلفنا داخل المتن مثل ( ( تيتو.. فتاة القيثارة.. سرير الأفعى.. صوت قريب جدا.. بقايا.. الطرائد.. خنجر مسموم.. حجارة البلاد.. كارمن..كلينت إيستورد.. ارض منزوعة الظلال .. موبي ديك.. بذخ التورد.. حاشي منسم.. نزهة الضغيب.. موت المؤلف.. خضرة الحرب.. تيمورلنك) وعددا آخر من العناوين الذي يحتاج الى توصيل الارتباط العام بالخاص والعكس صحيح.. فمثل هذه العناوين وان كانت واضحة المعالم والتفسير ، لكن التأويل والقصدية يبقى مخبوءا تحت عباءتّي الحكاية والسرد حيث ينسج خيوطهما التدوين المقدرعلى الأخذ بيده الى نهارات صافية او ضفاف بلا اشواك.. وتلك هي المسؤولية الاصعب في القصة القصيرة جدا حيث لا يمكن إلا ان يكون العنوان كذلك وإلا لانفرط عقد المهمة ولتحول النص الى اسم آخر لا يوجد فيها ( جدا) ولهذا فان المهمة الاساسية في بنية الكتابة لهذه المجموعة قد تمكنت الى حد كبير في نسج خيوطها فيما يتعلق بالكثير من عنوانات النصوص.. بمعنى آخر ان العناوين لا تكون جزءًا منفصلًا أو انها جزءٌ من متنٍ سردي.. بل هي في أغلبها منطقة تأويل أولى أو نقطة ارتكاز لتأويل قادم .
ينتهج القاص سبتي طريقة قد لا تكون منفردة في الاستهلالات التي تحتاجها قصصه ، لكنه على الأقل يحاول الأخذ من أسلوبية القصة القصيرة واسقاطها على القصة القصيرة جدا.. ولهذا فان البنية الكتابية في الاستهلال تأخذ منحى دمج المستوى الاخباري مع المستوى التصويري ومن ثم قيادة الفكرة بسرعة اللغة وتصاعدها الحدثي كحكاية وهو يمسك باليد الأخرى عملية التدوين وفق متوالية الصعود التراتبي لماهية الحكاية.. بمعنى ان المستويين الإخباري والتصويري يتحملان عبء الاخذ بالمتن السردي من اجل فك اشتباك المستوى القصدي مع المستوى التأويلي خاصة وان المستوى التحليلي في هكذا قصص لا يكون مهما او غير ظاهر للعيان ، لان مهمة هكذا نوع من القصص ليس تقديم تحليل لماهية الفكرة بقدر ما إعطاه المستوى التأويلي قامة كبيرة وإن تنافس المستويين القصدي والفلسفي ، وهي عصارة جهد المنتج في التدوين.. وهو ما يعني ان مهمة تأجيج الصراع هي المسؤولية التي تتحكم بقيادة المتن السردي وتبادل الأدوار بين فعل القص وفعل الشخصية لإعطاء الدفق الدرامي مفعوله وفق ما يمكن ان تمنحه مفارقة القصة القصيرة جدا.
ان هذه الاسلوبية في المحاكات بين عملية التدوين بين نوعي القصة القصيرة هي أهم ما يميز سبتي.. فهو لم يتخلص من ثوب القصة القصيرة جدا ولم يعتمد عليه في ترتيب الاناقة النهائية التي تخرج على اساس مهمتين رئيسيتين.. الأولى هي اللغة التي تقود التدوين وتوضيح الحكاية وهي مفردة سريعة مراقبة وداخلة ومصورة وقادرة على منح الصورة تفاصيلها الدقيقة بأكبر جهد ممكن وهي تمتلك القصدية لأنها غير مرتبكة وتسعى الى تشكيل القوام للحكاية من خلال تدوين السرد وانتاج متن سردي.. والثانية هي ما تفعله النهايات في توضيح بؤر النص القصصي وبالتالي تسمية النص على انه قصة قصيرة جدا.. لان هناك قصصا أكثر من صفحتين وقد أخذت من القصة القصيرة روحها وطريقة بنائها لكنه في النهاية انتقلت الى القصة القصيرة جدا و وبالتالي كانت الرؤية التي يتم اصطيادها هي احداث المفارقة في هكذا خاصية تدوينية..
وأمام هاتين المهمتين تبرز المهمة الثالثة وهي المهمة الاكثر قربا من المتلقي الذي يبحث عنها في عملية الامعان في النص سواء النص القصصي بأنواعه ام الروائي أو اي نص أخر حتى لو كان الشعر وهو الصراع.. حيث يبدأ في اغلب قصص المجموعة من الجملة الأولى حتى لكأنه يدمج ما بين الاستهلال وما بين تصاعد الحبكة القصصية.. لذا فان الاهتمام ينصب على كيفية إدامة الصراع للوصول الى الذروة.. وهذا الصراع لا يعتمد على تفاعل التضادات كما هو متعارف عليه في مثل هذه القصص بقدر ما يعتمد على ما تصوّره عين المنتج لما يصاحب حركة الشخصيات أو الأشياء التي تعطي دفقًا معنويًا لرسم معالم الصراع المتخيلة بما ينتجه من خاصية التفاعل ما بين صراع الفكرة وصراع التدوين.
أن الصراع ايضا يكون في اغلب القصص يعتمد على المستويين التصويري والاخباري ولكن المستوى القصدي هو الأكثر وفرًا من حالة دمج المستويين الآخرين.. فبالرغم من أن هكذا نوع من القص ، يعتمد على المفارقة وإزاحة التوقع واستخدام الغرائبية او اللحظة غير المتوقعة حتى لو كانت واقعية بهدف منح الدهشة قيمتها العليا في اللحظة التي يتم فيها القبض على لذة التلقي وهو ما يعني صيد وفير في انتاج النص .

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162487/feed 0 162487
من التراب إليها http://newsabah.com/newspaper/162484 http://newsabah.com/newspaper/162484#respond Mon, 13 Aug 2018 18:30:03 +0000 http://newsabah.com/?p=162484 ريم قمري

(رسالة إلى أمي من جندي شهيد)
أذكر جيدًا أنك كنت قد قلت لي إن أجمل يوم في حياتك كان حين ضمني صدرك واستنشقت رائحتي وتغلغلت في جسدك، ومن يومها لم نفترق، تسري رائحتك في مسامي، وتتوغلين بعيدا في دمي.
تجلسين في غيابي على (قلق كأن الريح تحتك)، تأخذني منك مصادفات الحياة بعيدا لكنني أعود دائما.
وحدك من تملكين كل تفاصيلي، وتعرفين موضع الألم في روحي وجسدي.
لم أكن دائما فتى صالحا، كذبت عليك أحيانا، وكنت صادقا فقط في حاجتي إليك كلما عدت مكسورا من هزائمي الصغيرة.
أذكر لا مبالاتك المصطنعة حين اكتشفت سجائري الأولى، التي كنت أدخنها خلسة فوق السطح وكيف كنت تغمزين بعينك فأرتبك وأصمت.
سأخبرك بسر، لم أكن أشعر أنا الولد الشقي بالخجل إلا منك أنت، خجلت أول مرة مارست فيها العادة السرية خلسة في الحمام، تخيلت وجهك وذبت.
أحسست أنك كنت تربتين على كتفي، وتبتسمين لفحولتي في كل مرة أنام فيها في حضن حبيبة عابرة.
خجلت أيضا وأنا أتسلل ليلا ثملا، بعد ليلة خمرية مع أصدقاء السوء، كما كنت تصفينهم، وأنا ألمح ظلك خلف النافذة.
لقد أحببتك دائما في صمت، أنا من كان قادرا دائما على إغواء أجمل النساء بعذب الكلام، لم أقل لك يوما كم أحبك، لم أرسل لك رسائل، لم أكتب قصائد غزل في عينيك، ولم تطلبي يوما مني ذلك.
لأجل عينيك فقط لم أفقد إيماني بالسماء، السماء التي كانت تقذفنا بالموت وكنت تواجهينها دائما بابتسامتك تشرق من خلف الدموع.
ولم أخنك أبدا، هم من اقتلعوني من حضنك بين إغفاءتين وبسمة، اخترقوا صمت الليل وشردونا، ما زال حلمي دافئا، ورائحتك تنساب مع دمي حارة.
أين أنا الآن؟ أشعر أنني خفيف جدا مثل ريشة يعبث بها الهواء كما يشاء، أنني أفقد توازني، لا أكاد أحس بثقل جسدي، بل أشعر أني فقدت جسدي تماما، أحاول أن أحرّك يدي وألمس رجلي، يا إلهي يدي ليست هنا أيضا، أين ذهبت؟؟ لا أشعر بها، رأسي خفيف جدا يتحرك دون أن أحركه، إذا كنت قد فقدت حواسي فلماذا أستمر بالشعور بما حولي؟؟
أرى أنوارًا كثيرة تتراقص أمام عيوني، صدقا لا أستطيع أن أجزم إن كانت تتراقص أمام عيوني أو أمام شيء آخر، المهم أحس بوجودها.
الصمت حولي رهيب، ترى أين أنا الآن؟ لا أعرف هذا المكان ولا أعتقد أنني زرته من قبل، يشبه البحر، لا، لا أعتقد، لا أشعر بالبلل.
أرهف السمع فتأتيني أصوات بعيدة، لا تشبه همس العشاق أو مناجاة النساك، فيها ألم وحشرجات، إنها صرخات استغاثة، أدور حول نفسي وتزداد حيرتي.
أين أنا؟ ومن أكون؟ حين قفز إلى ذهني السؤال الأخير اكتشفت أني لا أذكر شيئًا، لقد فقدت الذاكرة تماما، نعم فقدتها، لا اسم لي ولا تاريخ ميلاد، لا عنوان ولا أهل حتى ذكريات حبيبة لا أملك.
هل أنا نكرة لا تاريخ له، أو بقايا وجود بشري لفظته أحشاء الكون، من أكون وكيف أستمر بلا ذاكرة؟؟
بدأت الأصوات البعيدة تقترب أكثر مني، صارت أوضح، فجأة حصل دوي كبير أعقبه صوت انفجار كبير هز أرجاء الفضاء الذي كنت أسبح فيه، ثم بعد ثوان أطلت علي بعض الوجوه وتحلقت حولي، بدت لي أليفة ولكني لم أفلح في تذكر أي منها.
اقترب أحدهم مني كثيرا حتى كاد يلتصق بي، ودفع باتجاهي بورقة بيضاء يلطخ بياضها الأحمر، عرفت فيما بعد أنها دمائي، وأنني كنت أكتب رسالة لحبيبتي قبل أن يخترق رصاص الرشاش صدري، فسقطت الرسالة في دمي وبقيت ذاكرتي عائمة بين سطورها.
عادت لي ذاكرتي أخيرا، الموتى يحملون دائما ذكرياتهم معهم، لا حاجة لأهل الأرض بذكرياتنا، نحن ننتهي حين تجف آخر الدموع الأرضية، وننسى كما نسيتنا الحياة.
ألقيت نظرة أخيرة على أشلائي المبعثرة، عانقت آخر ذكرياتي ثم انسحبت من مجالكم الجوي وانطفأت.
حين حولوني إلى أشلاء لم أستطع أن أخبرهم أنك أعددت العشاء وأنه ما زال ساخنا وأنك في انتظاري، لم يمهلوني قليلا لأقول إني فقط احتاج قبلة أخيرة منك، حتى أنام بسلام.
لا تحرسي الصور في غيابي، اتركي الغبار يأكلها، لا أحب أن ينغلق قلبك على بقايا صور.
لا تعتني بثيابي وغرفتي، دعي عنك كل ما يذكرك بحضوري الجسدي، فقط اتركي الأغاني تسري في جسد الغياب عني وعنك.
*شاعرة وقاصة من تونس

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162484/feed 0 162484
البسالةُ نيِّئة، والهولُ في جيب قميصكَ http://newsabah.com/newspaper/162481 http://newsabah.com/newspaper/162481#respond Mon, 13 Aug 2018 18:27:11 +0000 http://newsabah.com/?p=162481 وليد هرمز

الحدائقُ فضيلة التراب وجذور الضوء.
جسدُها في ميزان الليلك.
بعد استحقاق الموت،
أو ما دسَّتْهُ النحْلةُ في ألمِ القرنفل.
هنا العذوبة الأولى
هنا الحديقةُ،
وهي تُلحُّ أن تَسقيها زفراتكَ ـ
زفراتكَ الطريَّةِ.
لا تهنَأ.
أنفاسُكَ هناك،
نائمة بنصف حَدَقةٍ،
وأنتَ تُحدِّقُ بضوءِ العُذوبةِ،
والتويجاتُ لم تبرح ضوء الحَدَقة.
للآنَ،
لِحاءُ المنفى ما زالَ يَرْتَجيكَ
قَشْطَ الأورام الرحيمة.
للآنَ
لم تمتلئ قارورة الرماد
بشَيْبِ الغريب.
الحديقةُ مقبرةً كانت: أُنزِلْت النعوشُ،
فارتخت رعشةُ الأكتافِ من ثُقلِ الآه.
صُفَّت في أرضٍ خلاءٍ،
تلك الجنازاتُ،
أُخْرِسَت مواكبها الصاخبة.
أسدلت المقبرةُ ستارةَ الحِداد.
المِسْحاةُ تكبو، سجَّاها
الحفارُ على الترابِ
كحُزنٍ مُمْتَدَحٍ،
وبقي وحيدًا كعادته.
ريحٌ صفراء
ريحُ صحراء
صوتٌ أدْرَد،
انْشقَّ عن حناجِر الهواء:
إششششش. إششششش.
هل الموتى صاحون؟
إشششششششششش.
طاعون
طاعون.
احْرُثْها في صباحٍ دافئ. رُشَّ السُّمْر التُّرابَ، سيتعفِّرُ غَنِجًا في نصف نُعاسه الفَجْريِّ.
اتْركهُ ـ ذاكَ التُرابَ الهَشيمَ، بلا بُرهانٍ، لشمسٍ نصف ربيعيةٍ، يَتَحمَّصُ ظاهرهُ الجهنَّميّ، كباطنهِ الذي تفضحهُ خصومة الأرواح. احفُنِ القليل، دائمًا في المؤسف من اللَّمْسِ الضائع، بين يديْكَ. سيوشوشُ الصَفْصافُ.
هو ذا دُوريٌّ يُفاجئكَ إذْ تسْتسْلِمُ أُنثاه.
يهتزُ غصنٌ صَفْصافٌ.
أتُطَمْئِنُهُ؟
أسَتَشُمُّهُ؟
للآنَ،
تطوي الكفَّيْنِ برفقٍ، كمَنْ يفحصُ تربةً طقطقَت فيها للتوِّ رحمةُ الأنفاسِ بفتورٍ هشٍ،
أو كما ثدي فسائلَ سُمْرٍ تلوبُ لشقاءِ الماء.
بِمَ يُذكِّرُكَ المشهدُ المُختلُّ؟
أَلَمْ تكُنْ ذاكرتك من ضباب؟
أَلَمْ تضرب التُرابَ بسنابِكَ من حرير؟
أتَرى؟:
المَكْمنُ عادلٌ، إذًا،
بين الطعْنَة الهوجاء وبينَ الفاجعة.
حين يكتملُ مهرجانُ الوافدينَ هرولةً إلى العالم السُفلي،
يصيحُ الربُّ:
اذْبَحوا النَسْلَ.
لَنْ أكتفي.
لمْ يكتملِ الخرابُ بَعْدُ،
يصرُخُ الربُّ.
هاتِ صحوَ البياضِ بلا سطورٍ.
في البالِ هدمٌ.
أعِدْ بناءَ النشيدِ المؤتمِنِ على خيالك الناقصَ كنشيدٍ ناقصٍ.
في البالِ تدوينٌ.
تحت أضلاعِكَ اجتهادٌ نزقٌ.
خبطٌ تُؤجِّجهُ نواقيسُ الخيبةِ الجميلة.
لكنك الوحيدُ الذي يهذِّبُ ذاكَ الرنين.
بقليلٍ من عَطَبٍ مُتاحٍ يَهْذي
النبضُ في أصابِعِك المُنْهكة.
تجيئُها كالمقتلةِ في نزوة الفجر،
أو في المغيبِ الذي يتَّكئ على
أنَّات تَعِبٍ يأخذُكَ، بعْدَ أعوامٍ، إلى حانةِ العنبِ.
البسالةُ نيِّئةٌ تهوي في
سلةِ قلبكَ،
والهولُ في جيب قميصكَ
الفضفاض.
عُذركَ ضيَّع يقينكَ،
ولهفتكَ ندمٌ فاجرٌ.
تنْفلقُ من تحتِ قدميها نبتةُ هشَّة:
الألفةُ الزهرُ،
نَزْرٌ من ثرثرةِ ورق اللوز يلتصقَ كنُدْبةٍ خضراء على خيالِ الساق.
تنفّسَ الغِيابُ. استطاَلَ. فارَت أسافِلُ الشَّبَحِ.
خُفْتَ.
ابْتعَدْتَ،
لكن الغياب غَدَا شجرة.
يرتفعُ ارتباككَ، رقيقًا، بأناةٍ،
كمن يشقى للثمة نهدٍ.
لا يهدأ العبثُ الفاضحُ.
لا يأنسُ لحكاية الغريبِ.
ضلعٌ منكَ يهبّ بخبلٍ.
هو الوحيدُ فيكَ جامِعُ ألمِكَ.
ربما الأثلامُ تتوحَّدُ بلُحْمةِ مَرارةِ
بزرِ الباذنجان.

]]>
http://newsabah.com/newspaper/162481/feed 0 162481