ملاحق – جريدة الصباح الجديد http://newsabah.com يومية | سياسية | مستقلة Thu, 09 Jul 2020 03:40:24 +0000 ar hourly 1 124085406 لويس بونويل.. رائد السينما السوريالية http://newsabah.com/newspaper/241675 Thu, 09 Jul 2020 03:40:23 +0000 http://newsabah.com/?p=241675 صورتان يقع بينهما الزمن الفكري والفني الهائل الذي جسد فيه المخرج الاسباني (لويس بونويل) رحلته السيريالية الفكرية والسينمائية احدى هاتين الصورتين بدأت مسيرته الفنية السينمائية، فيما كانت الثانية بمثابة الاعلان الاخير لنهاية هذه المسيرة. الاولى كانت لمشهد تشريح فظيع في بداية فيلمه الشهير (كلب اندلسي) عام ( 1929 ) حيث تمتد يد تحمل شفرة حلاقة وتقطع عينا بشرية، اما الصورة الثانية فكانت في نهاية فيلمه ( هذا الغرض الغماض للغربة ) عام ( 1977) وهو اخر افلامه وكانت يد امرأة تعالج بعناية تمزقا في قطعة قماش حريرية ملطخة بالدماء، وهي اخر لقطة صورها (بونويل) في حياته وبين جرح العين البشرية الفضيع والجرح المغلق تكمن تلك المرحلة الفنية والفكرية التي امتدت لخمسين عاما.
وصلت خلالها شهرة (بونويل) الفنية اوساط النقد الاوروبية بوصفه من كبار المخرجين، وكانوا يضعونه في مصاف كل من (ايزنشتاين) و (ستابلف) و (فلليني) ويصفونه بغزارة الانتاج، حيث اخرج اثنين وعشرين فيلما في الخمسين عاما التي قضاها في العمل السينمائي. ويعده الناقدان ( بولين كايل و بنيولب هيليان ) هتشكوك السيريالية.
لقد رأى (بونويل) في السريالية حركة ثورية وشعرية واخلاقية ويقول: (كنا جمعيا نساند مفهوما معينا للثورة، وبرغم ان السرياليين لا يعدون انفسهم ارهابيين الا انهم كانوا يحاربون باصرار مجتمعا يحتقرونه. لم تكن البنادق هي السلاح الرئيسي بالطبع دائما كانت التعرية، والتعرية عاملا قويا في عملية الاكتشاف فهي تستطيع ان تفضح الجرائم الاجتماعية مثل استغلال الانسان لاخيه الانسان والامبريالية والاستعمار وكل الدعائم السرية والكريهة للنظام الذي ينبغي تدميره) ويضيف: ( ان الغاية من السريالية لم تكن خلق حركة ادبية او فنية او حتى فلسفية، وانما كانت غايتها تفجير النظام الاجتماعي ككل وتغيير الحياة ذاتها) لذلك لم يكن اتجاه (بونويل) الى الحركة السريالية ناتجا عن اسباب ثورية او نفسية حسب، وانما جذبته الجوانب الاخلاقية للحركة، ولقد سعى (بونويل) الى نقل هذا الاتجاه الى العمل الفني السينمائي في فيلم (كلب اندلسي) الذي لا يوجد فيه لا كلب ولا اندلسي والذي سعىفيه كل من (بونويل ) و ( سلفادور دالي ) الى صدمة المجتمع وتعريته، فهو هجوم على النقاد وهجوم على البرجوازية على الرغمن من ان والدة بونويل البرجوزية هي التي مولت الفيلم.
كان الفيلم يهدف الى ان ينقل للمشاهد بعضا من المعتقدات الاساسية من الحركة السريالية، ومنها القوة الهائلة للرغبة. يقول (بونويل) ( التزمنا انا ودالي بقاعدة ثابتة في اثناء الانتاج وهي اننا لن نقبل اية افكار او صور يمكنها ان تثير تفسيرا عقلانيا والا نقدم تلك الصورة التي فاجأتنا دون ان نحاول تقديم الاسباب ) ولم يستخدم (بونويل) الاساليب التقنية مثل العدسات التي تشوه الصورة وتعديل البؤرة والصورة المكبرة لكي يعطي انطباعا بالحلم، بل كان يستخدم الصدمة التي تسببها غرابة الصورة ذاتها للوصول الى الشعور بالالم والهلوسة.
كانت الطريقة السريالية تعتمد على التناقض الموجود داخل الصورة الواقعية نفسها ومع ذلك كانت افلامه لمن يلاحظها تحليليا دائما قصيرة تقوم على بنية درامية عامة، كما لو كانت المصادفة قد اسهمت في تنظيم العمل البنائي فيها. كانت فكرة فيلم (كلب اندلسي) قد تولدت لدى (دالي) بعد حلم رآه عن النمل ليخرجه (بونويل) في فترة قصيرة ومعجزة في هذا الفيلم فقال (بونويل) كل ما سيقوله بعد ذلك طوال حياته السينمائية حتى ساد رأي، بعد ان اطلق بونويل هذه الدفعة البركانية الممتلئة بالثورة والجنون انه سيجد نفسه مجبرا على ان يلتزم الصمت لكنه استمر في العمل السينمائي السريالي بالاشتراك دائما مع (سلفادور دالي). لكن بعد ذلك قل تعاونه مع (دالي) عندما اتجه الاخير الى الرسم فقرر (بونويل) العودة الى اسبانيا لينخرط مع الثوار في الحرب الاهلية الاسبانية. ولكن هذه لم تكن النهاية، ففي عام (1950) يظهر فجأة في مهرجان « كان « ليلقى هناك قنبلة تفجرت بعنف وضجة تشبه الضجة التي اثارها قبل اثنتي عشر عاما فيلمه الشيق « كلب اندلسي» هذه القنبلة هي فيلم مكسيكي اسمه « لوس اولفيداروس» او « رحمة بهم « ليعود به الى السريالية الاولى ذاتها، التي وصلت اليها افلامه السابقة وليعلن للجميع ان النبتة السحرية الصغيرة قد اضحت شجرة سامقة وليستمر في ابداعه الفني ليملأ عالم السينما افلاما رائعة وليحصد العديد من الجوائز السينمائية فقد حصل على جائزة افضل اخراج عن فيلمه « المنيسيون « كان 1951 وجائزة النقاد كافضل فيلم طليعي مهرجان كان 1952 عن فيلمه صعودا للسماء وجائزة مهرجان كان الكبرى 1959 عن فيلمه « نازاريين « وجائزة جماعة كتاب السينما (مهرجان كان 1962) والاسد الفضي عن فيلمه (سهبان المعمودي) مهرجان فينيسيا 1967 والذي اثار ضجة واسعة في الاوساط الفنية لجرأة الطرح ليعود ويحصل على اوسكار افضل فيلم اجنبي عن فيمله « سحر البرجوازية الخفي « 1972، ولينهي حياته السينمائية بلقطة اخيرة ليد امرأة تروف بعناية قطعة قماش ملطخة بالدماء معلنا انهاء حياته الاخراجية السينمائية في فيلم « هذا الشيء الغامض للرغبة» ليبقى حيا في ذاكرة السينما العالمية وذاكرة السريالية الفكرية والفنية.
ولد بونيول في قرية كلندا في مقاطعة تيرويل سنة 1900, امضى فترة من شبابه بين 1917-1925 في مدريد حيث كانت الحركة الادبية والثقافية والسياسية ناشئة فاجتذبه الجو وحدد له خيارات حياته، وهناك تفتح على المذاهب السياسية وعايش عن قرب الصراع بين الحكم الديكتاتوري والحركة العمالية والنقابية والفوضوية الآخذة بالنمو، مع ولادة الحزب الشيوعي الأسباني وهناك أيضاً تعرف على جيل الكتاب العظام امثال انطونيو ماتشادو وخوان رامون خيمينيث.
كان من بين صداقات بونويل في المدينة الجامعية ثلاثة اشخاص أصبح لديهم تأثير واسع في الإبداع العالمي وهم رفائيل ألبيرتي, غارثيا لوركا وسلفادور دالي، حيث توطدت صداقتهم وطبع كل منهم الآخر بميسمه. هذه التناقضات اللانهائية التي نسجت شخصية بونويل وصنعت حياته، هي بالتحديد ما يفسر اليوم الموقع المميز الذي يشغله في الثقافة الإسبانية. فإذا كانت الظاهرة الأكثر أهمية على الإطلاق في مجمل تاريخ الفن الإسباني، بلا شك هي لقاء «لوركا» و»بونويل» و»دالي» و»البرتي» في «مدينة الطلبة» – وما أكثر الأعمال والمقالات التي تظهر كل عام لدراسة وتحليل هذا اللقاء التاريخي. في 1921، وهي سنة معركة أنوال، تعرف في المدينة الجامعية على أخو عبد الكريم الخطابي، مقاوم الاستعمار الفرنسي الإسباني للمغرب. بعدها جاءت رحلته الأهم، ففي عام 1925 شد بونويل رحاله إلى باريس التي كان لها أكبر تأثير عليه، حيث تمكن من العمل مع المخرج الشهير جان ايبشتاين.

]]>
241675
الفلم القصير والنقد السينمائي http://newsabah.com/newspaper/241672 Thu, 09 Jul 2020 03:39:51 +0000 http://newsabah.com/?p=241672 تخصص المهرجانات السينمائية التي تقام في معظم انحاء العالم وعلى مدار السنة، قسما خاصا لعروض الأفلام السينمائية القصيرة، بنوعيها الروائي والوثائقي، معظم الأفلام التي تعرض هي أفلام مهمة، تحمل أفكارا وطروحات قد لا تتوفر عليها الكثير من الأفلام الطويلة، ويأتي ذلك في خلال وقت قصير قد لا يتجاوز الخمسة عشر دقيقة، حرص صانعوها على تكثيف الفعل الدرامي وضغطه كي يصل الى المتلقي، وهذا التكثيف يعني التعامل مع عناصر اللغة السينمائية بطريقة تبدو لي صعبة للغاية وليست بالمهمة السهلة.
من خلال حضوري لمهرجانات سينمائية مختلفة، وحرصي على مشاهدة هذا النوع المهم من الأفلام، لاحظت عدم اهتمام واضح بها من قبل البعض، فغالبا ما يكون الحضور قليلا مقارنة بعروض الأفلام الطويلة، وفي الغالب تجد ان معظم الحضور هم صناع الأفلام وبعض طلبة معاهد وكليات السينما، ولا يحضر من المدعوين للمهرجان نقادا أو اختصاصات أخرى الا القليل، لدى سؤالي للبعض عن سبب ذلك، كان التبرير انها تعرض في فترة الظهيرة وهو وقت غير ملائم لهم ، أما البعض الاخر وخصوصا النقاد ، فأجاب ان الأفلام الروائية الطويلة التي تجلبها المهرجانات وغالبا ما تكون أفلاما مهمة ، والبعض منها عرض أول، فمن غير المعقول ان اذهب لمشاهدة مجموعة من الأفلام القصيرة وأفوت فرصة مشاهدة فلما مهما لمخرج مهم، قد لا تتاح لي الفرصة لمشاهدته ثانية.
ورغم الأهمية الكبيرة والواضحة للفلم القصير باعتباره جنسا فلميا له اشتراطات وقواعد عمل خاصة به ، الا انه لا يحظى باهتمام نقدي كبير، فلا نجد الكثير من الكتابات النقدية التي تتناول أفلاما قصيرة ، روائية كانت أم وثائقية، وكأن النقد السينمائي يكتب للأفلام الطويلة فقط ، فاذا كان النقد يكتب للمتلقي كصلة وصل بينه وبين الفلم ، فللفلم القصير جمهور الذي ينتظر كتابات نقدية عن أفلام شاهدها، وهذا الانتظار نابع من محاولة الجمهور معرفة ما حمله الفلم من رموز ودلالات قد تكون عصية او غير مفهومة عند البعض منهم ،ِ فهل ان البعض يترفع عن الكتابة النقدية على هذا النوع من الأفلام ، وهو يعرف ان العديد منها قد حصل على جوائز الاوسكار والسعفة الذهبية وغيرها من جوائز المهرجانات المهمة، وان كبار المخرجين السينمائيين قد بدؤا حياتهم المهنية بهذا النوع من الأفلام ، بل ان مخرجا كبرا مثل يوسف شاهين وبعد عديد النجاحات التي حققها يعود في العام 1998لعمل فلم قصير بعنوان « كلها خطوة « ، كذلك يقوم المخرج الجزائري الياس سالم صاحب فلم « الوهراني» الذي يتحدث عن ما حصل بعد الثورة الجزائرية، بإخراج فلم قصير بعنوان « لم ير ولم يعلم».
واتسأل هل فات البعض من النقاد مشاهدة الفلم القصير للمخرج أنس خلف « ماريه نستروم «الذي يتحدث عن المهاجرين السوريين، أو فلم «الببغاء « للمخرجين دارين سلام وأمجد الرشيد، الذي يتحدث عن هجرة اليهود العرب الى فلسطين، وكلى الفلمين يستحقان الكتابة النقدية عنهما، وكذلك العديد من الأفلام العربية والعالمية الأخرى.
أعتقد ان من الانصاف ان يكون هناك اهتمام نقدي واضح بالأفلام القصيرة، من باب تشجيع صانعيها ومعظمهم من الشباب أولا، ومن باب تشجيع الجمهور على متابعتها ثانيا، وبالتأكيد لقرأتها قراءة نقدية تفكك ما تطرحه في زمن فلمي قصير جدا.
ما ذكرت لا يعني التعميم، فهناك العديد من النقاد الذي يتابع هذه الأفلام ويكتب عنها برؤى نقدية ثاقبة، لكني أطمح الى إيلاء اهتمام أكبر بها نقديا وجماهيريا

كاظم مرشد السلوم

]]>
241672
إدانة الحروب من خلال ثلاث نساء يحملن ذات الأسم http://newsabah.com/newspaper/241669 Thu, 09 Jul 2020 03:39:24 +0000 http://newsabah.com/?p=241669 مريم

كاظم مرشد السلوم

باسل الخطيب يتحدى الحرب ويخرج فيلما سينمائيا مهما، اعاد السينما السورية الى واجهة النتاج العربي السينمائي، في زمن قل فيه النتاج السينمائي الجاد، فالظروف التي تمر بها البلدان الربيع العربي، قد اثرت كثيرا على واقع السينما فيها، سوريا هي الاخرى تعاني من مشاكل وحروب داخلية شرسة اثرت وبشكل واضح على كافة مفاصل الحياة الثقافية ومنها السينما.
مريم ليس بالفيلم العادي الذي يمكن ان يمر على المشاهد مرور الكرام، فهو فيلم جاد ومعمول بحرفية عالية، من مخرج ربما يكون قد تخصص في اخراج المسلسلات اكثر من تخصصه في الاخراج السينمائي، لكنه اثبت انه بارع في الاثنين.
حكاية الفيلم عن ثلاثة نسوة يحملن نفس الاسم، وهو الرابط الثاني بينهن بعد الرابط الاول وهو الوطن الام سوريا.
العام 1918 وبداية انتهاء الاحتلال العثماني لسوريا، الشابة مريم ذات الصوت الشجي « جسدت شخصيتها الفنانة لمى الحكيم «، تحاول مع حبيبها حسن ان تمنع الجنود العثمانيون من اخذ فرس حبيبها، لكن الفرس تقع في مستنقع وحل لا يمكن الخلاص منه.
تعود للبيت لتجد امها بانتظارها للذهاب الى بيت احد الاقطاعيين الذي يحب صوت مريم الشجي ، ويدعو لذلك العديد من الضيوف، في طريق ذهابهما الى بيت الاقطاعي ثمة جامع يحترق .
العام 1967 حرب حزيران واحتلال القنيطرة ودخول الجيش الاسرائيلي فيها، السيدة مريم « جسدت شخصيتها الفنانة سلاف فواخرجي «تحاول الخلاص من الجنود مع ابنتها بعد قصف الكنسية التي كانوا يصلون فيها، يحاول احد الجنود ” عابد الفهد « انقاذهن كنه يفشل فتقع الام بقبضة الجنود وتموت في المعتقل، وتبقى البنت مع الجندي السوري الذي يوصلها الى قريته لتعيش في كنف امرأة مسلمة، ويعود لكي ينقذ الام لكنه يقتل هناك / ثمة كنيسة تحترق.

العام 2012 مريم الفنانة الشابة « جسدت دورها الفنانة ديمة قندلفت « تعترض على ارسال جدتها الى دار العجزة، الجدة هي البنت « زينة « ابنة مريم التي انقذها الجندي، التي مرت عليها كل هذه المصاعب، وبقيت قوية وانشأت عائلة لكنها تتلقى عقوق الابن الذي ربت فتحكي لحفيدتها كل الذي مر بها.
مريم الاولى تستعد للغناء امام ضيوف الاقطاعي، لكن سقوط الشمعدان يحرق ثوبها ويحرقها ربما تكون هي التي اسقطته عمدا، حبيبها مازال يسحب الفرس التي تتخلص من الوحل بحركة طيران، وكان قوة خفية قد دفعتها للخروج، مريم تموت وحسن يخبرها ان فرسه قد خرجت من الوحل.
الانتقال بين الفترات الزمنية الثلاثة بين الحين والاخر كان يتم بشكل انيق، ورسم المشاهد بدا وكأن فنان تشكيلي هو من رسم هذه المشاهد بدقة متناهية، باسل الخطيب ادار العمل بحرفية الكبار، فلا تجد اسفاف او مشاهد زائدة عن الحاجة، بل هي مشاهد مع الحبكة الدرامية للفيلم، وامسك بخيوط الحكايات الثلاث بشكل اخاذ، فما ان تنغمس في الحكاية الثانية او الثالثة حتى يعديك الى الاولى من خلال مشهد ربط منطقي لا تشعر معه ان ثمة قفزة قد اربكت التسلسل الدرامي للفيلم.

تأويل النص المرئي
باسل الخطيب الذي كتب قصة الفيلم بالاشتراك مع شقيقه تليد، وظف النص بدلالات كثيرة ، لعل اهمها هو ان سوريا الارض، سوريا الوطن ، لم تسلم من العدوان الخارجي، العثماني بفترته الطويلة وقسوته وبطشه ، والاستعمار الفرنسي بكل تناقضاته واختلافه عن المحتل الاخر والابرز « بريطانيا العظمى « التي احتلت الجوار ، وتقسيم سايكس بيكو الشهي، ثم العدوان الاسرائيلي والاحتلال لأجزاء من الاراضي السورية لحد الان، لكنه اي الخطيب لم يرد ان يقول ذلك عن سوريا الان بشكل مباشر، بل قالها من خلال دلالة واضحة ، وهي جحود الابن لأمه، الام هي سوريا والابناء غير الأبهيين بمصير امهم .
مريم الاسم، عنون الفيلم، لم يختره الخطيب اعتباطا، بل استخدمه لدلالته المقدسة، كذلك كونه اسم مشترك يسمي به الناس بناتهم رغم اختلاف الاديان والمذاهب، اذن هو الاسم الجامع للفرقاء.
دلالة استخدام المؤثرات، واضحة في فيلم الخطيب، بعضها نكأ الجراح، جراح الحرب ، المستمرة، جراح الجحود، جراح الماضي التي لم تلتئم لحد الان، فالموسيقى تخرج من بين اغصان الشجر ومن جدران البيوت، صوت المطر وتساقطه المستمر يبعث الشجن، كأنك تشعر صوت السياب يردد « أتعلمين اي حزن يبعث المطر ، وكيف تنشج المزاريب اذا انهمر « .
الفرس التي لا تقبل ان تبقى اقدامها مغروسة في الوحل، سوريا لن تبقى في المأزق الى ما لا نهاية، كل هذه الدلالات التي ارسلها النص المرئي، دلالات نستطيع من خلالها تأويل نص الخطيب المرئي.

الحكايات الثلاث
باسل الخطيب وظف البيئة والطبيعة السورية بشكل رائع فرغم قسوة الحكايات، الا انك تستمتع بالمشاهد الجميلة للطبيعة السورية، وهو فعل مقصود حيث يذهب بك الى ان تقارن بين جمال المكان وقبح الحروب وقسوة الناس.
التقنيات الحديثة التي وظفت في الفيلم ساهمت والى حد كبير في صنع مشاهد مؤثرة، خصوصا تلك المشاهد التي تمهد للانتقال عبر الفترات الزمنية الثلاثة .
نجوم الفيلم « اسعد فضة، نادين، سلافة فواخرجي، ديمة قندلفت، لمى الحكيم « هم انفسهم نجوم الدراما السورية بمسلسلاتها الشهيرة، وهم يفهمون تماما ما يريده باسل الخطيب، كذلك هو الاخر يعرف امكانية كل منهم، لذا لم يجد الخطيب صعوبة في توجيههم وتحريكهم ضمن عديد مشاهد الفيلم .
يقول الخطيب عن فيلمه مريم « أن هذا الفيلم يحمل مضمون جديد يتوافق مع الشكل الجديد فهو عبارة عن رواية لمجريات أحداث أفلام ثلاث ضمن فيلم واحد، وتابع بأن هذا الفلم ما هو إلا اسقاطٌ للتاريخ وتكريس فكرة أن التاريخ يعيد نفسه فما حدث بسوريا عام 1918 عاد اليوم من جديد.
اخيرا ما يحسب للفيلم كذلك انه انتج في هذه الفترة العصيبة التي تعيشها سوريا، كون انتاج فيلم سينمائي ليس بالأمر الهين في ظل ظروف عادية، فكيف الحال مع ظرف سوريا العصيب، انه التحدي الذي قبله باسل الخطيب وكادر عمله، كذلك هو التحدي الذي قبلته المؤسسة العامة للسينما السورية.

]]>
241669
التضامن في ظل الوباء http://newsabah.com/newspaper/241535 Mon, 06 Jul 2020 05:23:54 +0000 http://newsabah.com/?p=241535 كنعان مكية

في حديث لي مع الصديق ناصر الرباط، لفت نظري إلى كتاب عبد اللطيف البغدادي الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهَدة والحوادث المعايَنة بأرض مصر، والذي احتوى مشاهداته في أثناء الطاعون الذي ضرب مصر في السنين الأخيرة من القرن السادس الهجري.  

دوّن البغدادي ما شاهده عن شيوع أكل لحوم البشر أثناء المجاعة المصاحبة للوباء، وقد جذبت انتباهي الطريقة الغريبة التي تعامل بها البغدادي مع تل من عظام البشر المتراكمة “يكاد يكون ترابه أقل من الموتى به. نحدس ما يظهر منهم للعيان بعشرين ألفاً فصاعداً، وهم على طبقات في قرب العهد وبعده.  

فشاهدنا من شكل العظام ومفاصلها وكيفية اتصالها وتناسبها وأوضاعها ما أفادنا علماً لا نستفيده من الكتب. أما أنها سكتت عنها… أو يكون ما شاهدناه مخالفاً لما قيل فيها، والحسّ أقوى في الدلالة من السمع”.  

عبارة ما “لا نستفيده من الكتب” تشير إلى الباحث الشهير في علوم الطب جالينوس؛ الإغريقي الذي عاصر الإمبراطورية الرومانية، والذي كان أول من وصف تركيب العظام في جمجمة الإنسان. ما يقصده البغدادي هو أن جالينوس أخطأ في وصفه لعظم الفك الأسفل عند الإنسان، الذي قال عنه جالينوس إنه “عظمان بمفصل وثيق عند الحنك”.  

الخطأ يكمن في أن “الذي شاهدناه”، حسب البغدادي “أنه عظم واحد ليس فيه مفصل ولا درز أصلاً، واعتبرناه ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات، فلم نجده إلا عظماً واحداً من كل وجه”.  

البغدادي عالِم بكل معنى هذه الكلمة؛ ينظر إلى أكوام من الجثث على هيئة هياكل تم تبييضها بحرارة الشمس، ثم يحدق ويقلب جماجم البشر بعقلانية مقلقة بالنسبة لمن هو ليس بعالِم واختصاصه الإنسانيات في القرن الحادي والعشرين. يقوم البغدادي بذلك وهو يتذكّر وصفاً لجمجمة كتبه عالم آخر قبله بألف عام، وفي باله تصحيح الأخطاء في ذلك الوصف العتيق.  

بالمقارنة، معظم ما يُكتب عن الأوبئة خارج عالم المتخصصين بعلوم البيولوجيا والجينات والطب، يأخذ شكل الموعظة أو الحكاية الرمزية، ابتداءً من الكتب السماوية التي وصفت الطاعون كعقاب الله ضد عدوه اللدود، فرعون.  

عبر التاريخ استخدمت الأوبئة كاستعارات للتعبير عن أخطاء أو خطايا أو أزمات سياسية واجتماعية. في العصور الوسطى، على سبيل المثال، نُعت الطاعون بمفاهيم التلوث الأخلاقي، وكان الناس يبحثون،بتحريض من اللاهوتيين والمبشرين، عن كبش فداء في كل مكان (الأجانب، الفقراء، المومسات، الغجر، اليهود، المسلمين).  

في العصر الحديث، حل السرطان مكان الطاعون في السجال الثقافي العام. سُميٌ ما فعله الرئيس الأميركي نيكسون في سبعينيات القرن الماضي بـ “سرطان” أصاب النظام الأميركي، ونحن العرب نتكلم عن إسرائيل كـ “سرطان” في جسد الأمة العربية، بمعنى أن اقتلاعها (وكأنها عملية جراحية) لا بد منه كي يستمر ذلك الجسد بالعيش السليم.  

منذ ألفي عام، عُدّت مقارنة الجسد “المثالي” الموجود في الخيال الإنساني، بالجسد “المريض” من أقدم الاستعارات المستخدمة في الفكر السياسي. إذا كان من الممكن مقارنة النظم السياسية بجسم الإنسان، ونسبه الذي يفترض أنه متوازن بالطبيعة (أفلاطون، أرسطو، هوبز، الى آخره)، عندها يصبح من السهولة أن ننسب أي اضطراب في المجتمع إلى مرض فتاك ما، ويحقّ لنا تصحيح اختلال ذلك التوازن “الطبيعي” بالقوة لو تطلب الأمر.  

بالمنطق نفسه، يضفي العنف الثوري غالباً شرعية على نفسه باتهامه المجتمع الذي يريد الثوريون إصلاحه بأنه “مريض”، بمعنى أنه مصاب بكائن خارجي غريب عن طبيعته الصافية والنقية، وهذا المفهوم غالباً ما يكتسب بعداً عقابياً أو يستخدم كدلالة على ما هو “شر” وبذلك يجب اقتلاعه بالقوة؛ المرض هنا هو حالة عدم التوازن نفسها، التي لا بد من أن تنتهي بالموت.  

في القرن العشرين، تُعد رواية الكاتب الفرنسي ألبير كامو الطاعون، أذكى وأعمق ما كُتب عن الأوبئة خارج مجال العلم. تجري أحداث هذه الرواية في مدينة جزائرية – فرنسية خلال الحرب العالمية الثانية.  

بطل الرواية الدكتور ريو، حاله حال باقي سكان المدينة، لا يأخذ في اعتباره الإشارات الأولى في المدينة لتفشي وباء الطاعون. يشاهد مثلاً، فئراناً فاقدة للتوازن وهي تتعثر على عتبة بابه والدم يتدفق من أفواهها، ثم تدور حول نفسها مرة أو مرتين قبل أن تسقط ميتة أمامه. ماذا يفعل ريو في البداية؟ يدير ظهره ويدخل البيت وينسى الموضوع. الحقيقة لا أحد في المدينة يولي اهتماماً للفئران وهي تموت بالجملة في كل مكان حتى فوات الأوان؛ لا أحد يفعل شيئاً حتى يبدأ موت الناس إلى الدرجة التي تضطر السلطات أن تضع المدينة تحت الحجر الإجباري.  

وحتى عندما يدرك الدكتور ريو قبل غيره ما يحل بمدينته، يجد نفسه دائماً متأخراً بالمقارنة مع تقدم الطاعون، ولذلك يغدو كل ما يفعله، وما تفعله سلطات المدينة لصد تطور الوباء، قليل جداً، كما هي الحال في دول العالم اليوم؛ تجد نفسها دائماً وهي تلاحق ذلك الفيروس المتفوق عليها عند كل منعطف. الطاعون في رواية كامو هو استعارة للنازية، على الرغم من حقيقة أن الكاتب لا يذكر التجربة الألمانية بكلمة واحدة؛ هذا الاستنتاج يأتي في الخيال فقط عند تفاعل القارئ مع القصة.  

النازية نتاج حركة جماهيرية تنتشر في أولها ببطء في المجتمعات كالطاعون؛ قصد الكاتب مجازي. “الطاعون هو نحن”، في نهاية المطاف، كما تكتب أستاذة التاريخ في جامعة هارفارد جيل لابور (نيويوركر، ٣٠ مارس ٢٠٢٠). يتفشى الوباء بأفعالنا، بوساطة نفس البشر الذين هم ضحاياه؛ أليس هذا الفيروس نتيجة طبيعية للتغيرات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، كما كتب الصحفي خالد سليمان مؤخراً في مقالة على موقع درج الالكتروني؟ نحن متورطون في اختلاق وانتشار فيروس كورونالو لم نتبع تعليمات خبراء الصحة العامة، التي جاءت متأخرة أصلاً. الطاعون في رواية كامو هو ذلك المكان الذي يتخلى فيه كل إنسان عن أخيه الإنسان.  

العدو، إذ يبدأ مع الفئران المريضة التي يمحوها الوباء عن الوجود، ينتهي بالانتشار بين سكان المدينة تحت الحجر؛ حتى لمسهم، أنفاسهم، سعالهم، ووجودهم في نفس الغرفة، يتحول إلى ذلك الخطر الكبير الذي يخشاه الجميع. النهاية الحتمية هي طغيان الخوف على حساب كل أنواع التضامن. في جميع هذه الأشكال الفكرية للتعاطي مع مشاكل عالمية وإنسانية النطاق مثل الوباء، والتي نستعملها كلنا بين الحين والآخر (ولا أستثني نفسي في بعض كتاباتي السابقة)، يبدو لي أن التعاطي مع فكرة “المرض” يكون على أساس أنه لا يملك الحيادية أو البراءة الضرورية كي تتم معالجته بعقلانية وروح علمية.  

وغني عن القول إن تشبيه المرض بالشر، وهو أقدم الحيل الفكرية في قاموس الفكر، لا يساعد المرضى أنفسهم، وهم يعانون حالة فيزيولوجية متخصصة جداً وبحاجة إلى علاج علمي، لو كان هناك علاج. والملحوظ في تاريخ الفكر أن المخاوف التي تأخذ شكل هذا التشبيه بالشر، تتفاقم مع ارتفاع قدرة المرض على نقل العدوى للآخرين؛ هنا أيضاً يكون المستهدف هو واقع حاجتنا للتضامن ككتلة بشرية واحدة على سطح هذه الكرة الأرضية.  

أعداد الأوبئة تقارب أعداد الحروب في التاريخ، ولكن نادراً ما توجد علاقة بين حدث تاريخي خاص، أو مشكلة سياسية عميقة، وأمراض مثل الطاعون أو السرطان أو فيروس كورونا حديث النشأة.  

قد تهيئ ظروف الحرب أو انهيار الدول، الظروف لتفشي الوباء كما حدث في أوروبا القرنين السادس والسابع عشر، ولكن الواحد لا يسبب الآخر. ثم إن الأوبئة العتيقة التي قُضِي عليها علمياً في العصر الحديث، والتي كانت فتاكة بدرجات أكبر بكثير من وباء كورونا الحالي (الطاعون، الجدري، الملاريا، الكوليرا، إيبولا، سارس، إلى آخره)، لم توقف عدد الحروب في العالم. ليس هناك أساس للمقارنة أصلاً.  

وباء الطاعون قتل ٣٠–٦٠ ٪ من المصابين به ومحا نحو ثلث سكان القارة الأوروبية في القرن الرابع عشر، فيما نسبة الموتى من جراء فيروس كورونا تتراوح بين ١–٢ ٪. هل بقي ميراث هذا الثمن الإنساني الباهظ مدفوناً في نفوسنا وأدياننا وثقافتنا إلى الدرجة التي يستمر بسببها إغراء اختراع الأوهام حول الأوبئة ووسائل معالجتها؟ لماذا يصعب على كثير من الناس تحديد فكرة الأمراض المعدية بعالم الطبيعة والعلوم الحديثة وتجنب توسيعها إلى استعارات ذات دلالات عقابية نابعة من مفاهيم الخطيئة والشر؟ تأمل التباين بين مثل هذه الاستخدامات لفكرة الأمراض المعدية وما فعله عبد اللطيف البغدادي في القرن السادس الهجري وهو يدرس جماجم بشرية ميتة بسبب المرض والمجاعة.  

الملفت في كتابه أن السياسة والاستعارات الأخلاقية غائبة تماماً في سرده.  

هذا لا يعني طبعاً أنها اختفت من الوجود. وراء الكواليس تبقى دائماً الأسئلة الحياتية الكبرى:  

كيف ستمارس حكوماتنا السلطات الكبيرة التي منحناها إياها، في محاربة الوباء؟ أين مركز ثقل اهتماماتها والناس يموتون بالجملة في البيوت والمستشفيات؟ وكيف سنستجيب نحن إلى ما تفعله أو لا تفعله في ظل الوباء؟ هذه الأسئلة مهمة، ويجب أن تُسأل، ولكن ليس لها علاقة بفهم ماهية هذا الوباء وكيفية مكافحته. يشكل فيروس كورونا مصدر خوف لكل إنسان بطبيعة الحال، وعندما يتعلق الأمر بالخوف من الموت، فإننا “نحن البشر نعيش في مدينة غير محصنة”، كما قال ذات مرة أبكيروس؛ الفيلسوف الإغريقي من القرن الرابع قبل الميلاد.  

مثل هذا الخوف طبيعي، ولكن علينا أيضاً، وفي الوقت نفسه، أن نخاف خوفنا هذا أكثر مما نخاف الفيروس؛ لأن هذا الخوف هو مصدر كل الأساطير والأكاذيب والتهرب من المسؤولية وابتكار أكباش الفداء التي ينتجها مثل هذا الوباء. ما هو وباء فيروس كورونا في نهاية المطاف؟ إنه طفرة في نفس الجينات التي صُنعنا منها جميعاً.  

هو ليس “فيروساً صينياً” كما يقول الأبله ترامب، بل هو فيروسنا أجمعين، وسنسيطر عليها كما سيطرنا في الماضي على كثير من الأوبئة. العبرة في رواية كامو هي أن مشكلة الخوف حقيقية، ولكن الخوف الأكبر يكمن فينا أكثر من الفيروس.  

فيما تتخندق معظم الدول خلف حدودها، وتوجّه اللوم هنا وهناك، قد يتسارع ويتفاقم انزلاقنا كبشر نحو كراهية الآخر والاستبداد كنظام حكم، وقد تتفاقم المخاوف بفعل الأكاذيب والأساطير. من هذا كله يجب أن نخاف. أما الفيروس، فسيتم احتواؤه والسيطرة عليه خلال سنة أو سنتين، وذلك لأن هناك أبطال آخرون حقيقيون خارج عوالم السياسة والدين؛ إنهم يبحثون عن الحقائق البيولوجية للفيروس والعلاجات الممكنة واللقاحات المختلفة، ويقومون بذلك كله بنفس الروح التي بحث فيها البغدادي عن تركيب الفك الأسفل لجمجمة الإنسان.  

عشرات الآلاف من العلماء والأطباء والممرضات ومساعديهم في المستشفيات والمختبرات من شتى أنحاء العالم، هم اليوم على الخطوط الأمامية في الحرب على الفيروس ومعالجة وفهم أشكال وسلوك الفيروس والتحولات الجينية التي تحدث فيه، وهم في عملهم لا يعرفون الحدود المصطنعة بين الأقوام والأجناس وكل باقي أصناف ومصادر التخويف المصطنعة. تُعلِّمنا الأوبئة ولاسيما فيروس كورونا، أن كل ما هو محلي ومحدود وقصير النظر، هو مؤقت وغير مهم في نهاية المطاف، فيما كل شيء قابل للحركة لا بد من أن يتحرّك ويتغيّر عابراً كل الحدود، وقافزاً فوق كل الحواجز، تماماً كما أن كل مشكلة حياتية بالغة الأهمية، لا بد من أن تكون في جوهرها عالمية النطاق. مصيرنا ومصير الآخر المختلف عنا واحد. وحدتنا كبشر لا كأقوام وقبائل وطوائف تأتي بالصدارة قبل أي شيء آخر.  

وفي هذه الحقيقة الفيزيولوجية والإنسانية في الوقت نفسه، نوع من الجمال يريح النفس ويخفّف حدة الخوف الذي لا بد من أن يدبّ في كل إنسان وهو يرى جميع المدارس والحدائق والشوارع العامة في مدينته فارغة وقد أقفلت أبوابها أمام الناس، فيما هو يجلس في غرفة وحده كالسجين، يشاهد في التلفزيون مئات ملايين الناس يفعلون الشيء نفسه، وكلهم يقومون بذلك في كل بقعة من هذه الكرة الأرضية التي تعجّ بالحياة على الرغم من ذلك كله.  

أمامنا منفى مخيف وطويل الأمد. هل نحن في هذه الظروف قادرون أم غير قادرين على المشاركة في معاناة الآخرين الذين لا نعرفهم ولا نستطيع رؤيتهم؟ أزمتنا هي لحظة قرار؛ إنها ذلك المكان الذي تلتقي فيه معاناة الفرد مع معاناة الجنس البشري برمّته.  

لا أعرف وصفاً لهذا اللقاء أفضل مما قاله ناظم حكمت العام ١٩٤٨؛ الشاعر والسجين السياسي التركي الذي كتب “أشياء لم أكن أعرف أنني أحبها”، وهو وحيد في زنزانة سجن قضى فيه ثلاثة عشر عاماً: الحياةُ ليست مجرد مزحة: لذا يجب أن تعيشَ بجديّة كبيرة مثل سنجاب مثلاً، أعني من غير البحث عمّا يتجاوزُ حدودَ حياتك، أعني أن العيشَ يجبُ أن يكون حِرفَتك الوحيدة هذي الأرض ستغدو باردة نجمةً بين النجوم واحدةً من أصغرها كذرّةِ ذهبٍ على مخملٍ أزرق أعني هذي الأرض؛ أرضنا العظيمة.  

هذي الأرض ستصيرُ باردةً ذات يوم لا مثلَ كتلةِ جليد أو حتى سحابة ميتة بل كما جوزة فارغة تتدحرجُ في فضاءٍ فاحم. يجب أن تحزنَ على هذا الآن يجب أن تشعرَ بالأسى الآن على العالم الذي أحببتَهُ بهذا القدر كي تقول “لقد عِشْت حياتي”…  

*  مؤلف “جمهورية الخوف” و”القسوة والصمت” ورواية “الفتنة”. يصدر له قريباً كتاب “في القسوة”. 

]]>
241535
فلم من السينما الفلبينية التي لا نشاهد الكثير من أفلامها http://newsabah.com/newspaper/241286 Wed, 01 Jul 2020 08:28:14 +0000 http://newsabah.com/?p=241286 «حكايات الحلاق»

كاظم مرشد السلوم

ابرز ما توفره المشاركة وحضور المهرجانات السينمائية، هو فرصة مشاهدة افلام سينمائية من دول مختلفة، دول ربما لم نشاهد لها افلام سابقا، كونها بعيدة نوعا ما عن الانتاج التجاري الذي تتميز به السينما في هوليوود وغيرها من السينمات العالمية الاخرى، التي تعمل تحت شعار « السينما صناعة وفن « وهو شعار اسهم وبشكل فاعل في تطور النتاج السينمائي العالمي.
لكن ماذا لو لم تتوفر للسينمائيين في بعض الدول فرصة لعمل افلام وفق هذا الشعار، شعار السينما صناعة وفن، تخضع لحسابات السوق ودلالة شباك التذاكر؟
المخرج الفلبيني جون روبلاز لانا يجيب عن هذا التساؤل من خلال فيلمه الجميل « حكاية الحلاق « الذي شاهدنا عرضه الأول في الشرق الاوسط ضمن فعاليان مهرجان ابو ظبي السينمائي السابع .
البساطة في كل شيء هي ما يميز الفيلم، بساطة الانتاج، بساطة الاداء وعفوية الممثلين « استعان بعدد كبير من الممثلين غير المحترفين «، حيث المكان احدى مقاطعات الفلبين الجميلة، ببنايتها المعمولة من الخشب وسعف النخيل.
تيمة الفيلم الرئيسة هي التحول الذي يحصل في الشخصية الانسانية تبعا للظرف المكاني والزماني، اذ لاوجود لشخص شجاع او جبان بالفطرة، لكن الظروف هي من تجعل من هذا الشخص شجاعا او جبانا، مقداما او مترددا، صادقا او كاذبا، امينا او لصا.
ماريلو سيدة تابعة ومقموعة،» ادت دورها براعة فائقة الممثلة يويجن دونيغو، « لا تعرف غير بعض الاصدقاء الخلص، وزوجها « الحلاق «الذي صادر شخصيتها، حتى انها تقول ان « جوزيه يفكر بالنيابة عني « هذا النكوص والقمع الذي استسلمت له، كان فقدان طفلها الوحيد قبل سنين عديدة احد اسبابه، وربما تكون الحياة الساكنة والبائسة في بلدتها الريفية ونمط الحياة الرتيب، قد ساهمت بذلك كذلك .
ماريلو كانت خادمة لخوزيه اكثر من كونها زوجة وشريكة حياة لسنين طوال.
في لحظة ما يطلب منها زوجها ان تتعلم الحلاقة لأنه غلابا ما يتأخر عن فتح محله بسبب سهراته اليومية الماجنة، والتي لا تعترض عليها ابدا، وفعلا يبدأ بتدريبها.
المخرج جون روبلاز يطلعنا على عمق الاستبداد المتسلط على ماريلو، من قبل زوجها، وكذلك عمق الاستبداد والتسلط الذي يعاني منه الجميع بسبب نظام فرديناند ماركوس، والذي سيكون سببا فيما بعد لتمرد ماريلو وانتصارها على ضعفها.
بسبب كمية الشراب والمخدر يتوفى الزوج خوسيه في ماخور البلدة، لتجد ماريلو نفسها وحيدة، بدون الزوج الذي كان يفكر مكانها حتى، ماذا ستفعل، كيف ستتدبر امرها، هل يمكن للرجال ان يقبلوا بامرأة حلاقة بدلا من خوسيه حلاق القرية الوحيد.
هنا يظهر لنا المخرج جون روبلاز التكاتف المجتمعي للناس البسطاء الذين يشتركون في المعاناة ك، فالكل يقف مع ماريلو في محنتها خصوصا اصدقائها المقربين، وتبدأ بفتح محل الحلاقة ثانية. وتستطيع الحصول على ثقة الزبائن .
البلدة الساكنة والحياة الرتيبة للناس لا يحركها سوى دخول قوات الدكتاتور ماركوس بين الحين والاخر بحثا عن الثوار، وهو امر لا تفهمه ماريلو البعيدة عن المشاكل، الهادئة التي لا تنفعل ابدا، بل تساهم كبيرا في ابداء النصح للعديد من اصدقائها وصديقاتها المقربين.
في لحظة ما يبدأ جون روبلاز، بالانتقال الى الحكاية التي ستعمل على رفع الايقاع الدرامي للفيلم، ليصل بنا الى الذروة فيما بعد، ذروة التحول الذي سيطرأ على حياة الحلاقة الرجالية، ماريلو، المرأة الطيبة، المسالمة والهادئة .
ابنها بالمعمودية والتي سبق لخالته ان ارسلته ليدرس في مانيلا ، يلجأ اليها هرابا من ملاحقة جنود ماركوس، يضعنا روبلاز هنـا امـام سـؤال مهـم، كيـف ستتعامـل امـرأة مثـل ماريلـو مـع مثـل هكـذا موضـوع خطـر، وهي المسالمة التي كان زوجها يفكر بدلا عنهـا فـي كـل تفاصيـل حياتهـا.
تتقبله وتحبئه، لكن الامر لم ينتهي عند هذا الحد، روبلاز يصنع للحكاية بعدا اخر، اذ يبعث حاكم البلدة على الحلاقة ماريلو لتحلق له شعره، بعد ان كان زوجها من يقوم بهذه المهمة، ويكرمها لإجادتها مهنتها، هناك تتعرف على زوجته الشابة الجميلة ، المستلبة ، والتي تتشابه حياتها مع حياة ماريلو السابقة .
هنا يشتغل روبلاز بطريقة المونتاج المتوازي ، العلاقـة بيـن ماريلـو وزوجة الحاكم ، وتردد ابنها بالمعمودية ورفاقه الى بيتها واتخاذه اياه وكرا لنشاطهـم.
السؤال هنا لماذا لم تخف ماريلو من هذه التطورات التي طرأت على حياتها، ومن خطورة تداعياتها ، هل هو شغف بمغامرة لم يسبق لها ان جربتها ، هل هو حنين وعاطفة الامومة التي فقدنها مبكرا لعد موت ابنها قبل سنين ، ام هو الانتصار لحشد الفقراء والمحرومين الذين تعيش وسطهم ، وتكتشف متأخرا ان هذا الحاكم التابع لحاكم مستبد اكبر هم سبب كل الحرمان الذي يعانون ؟
زيارات متكررة لزوج الحاكم، تبوح لماريلو فيها عن معاناتها، ومعرفتها بخيانة زوجها لها، والعنف الذي يسلطه عليها ، نزهة في احدى الغابات وعلى مرتفع صخري تجلس زوجة الحاكم امامها تبث لها حزناه ، وتعانقها وتقبلها بقوة ، بشكل مفاجىء تقف لتلقي بنفسها من اعلى المرتفع .
يتكتم الحاكم على الخبر ، ويجبر ماريلو على التكتم ايضا ، الجيش يداهم منزلها ، بحثا عن ابنها ورفاقه ، الابن يهرب الى ماخور القرية حيث اخت احد رفاقه تعمل هناك ، فتيات الماخور يقدمن المساعدة للثوار ، الاشارة هنا ان الجميع متحدين في تحدي الدكتاتور واحكامه العرفية .
الحاكم يطلب ماريلو ان تحلق شعره، الابن يلتحق بثوار الجبال، الجيش يفتش كل البيوت ويتعامل مع السكان بقسوة ، يد ماريلو على رقبة الحاكم تحمل شفرة الحلاقة الحادة . // قطع // .
بهكذا مونتاج يتدفق السرد الصوري ، ليدفعك ان تطالب بالمزيد، يد ماريلو المسالمة الهادئة ، المستلبة ، تمتد لتقطع شرايين رقبة الحاكم . وتنسحب بهدوء تاركته يسبح في بركة من الدم .
المشهد النهائي ، ماريلو مع الثوار في عالي الجبال تهتف للوطن والحرية وتغني للحياة .

]]>
241286
فيروس كوفيد 19 والسينما http://newsabah.com/newspaper/241283 Wed, 01 Jul 2020 08:27:45 +0000 http://newsabah.com/?p=241283 تنبأت السينما بالعديد من الاحداث المستقبلية بدأ من الصعود الى القمر وصولا الى الكوارث والامراض التي اجتاحت العالم على مدى الأعوام المنصرمة ، فمنذ اكتشافها أي السينما في العام 1895 على يد الاخوة لومير، والسينما تشتغل على خيال كاتب افلامها، هذا الخيال الذي غالبا ما يكون جانحا فينتج نصا لا تصدقه عقول البعض، فيما يعتقد البعض الأخر بإمكانية تحققه مستقبلا ، فالسينما تمنت او تخيلت ان الانسان سيقوم في يوم من الأيام بالصعود على سطح القمر، وذلك كان ما لا تصدقه العقول التي ترى في القمر كوكبا بعيدا جدا لا يمكن الوصول اليه ، واذا ما نجح احد ما في ذلك ، فتلك أذن هي نهاية العالم .
لكن وبعد سبعة أعوام على اكتشاف السينما وفي العام 1902ا يقدم المخرج جورج ميليس فلمه الشهير رحلة الى القمر من تأليف الكاتب جول فيرن وهربرت جورج ويلز، الذي يتحدث عن صعود النسان الى القمر، والذي عد حينها كواحد من اغرب افلان الخيال العلمي.
كذلك تنبأت السينما بحلول الكوارث والامراض التي يمكن ان تنهي الحياة البشرية ، او تعمل على تدمير الاقتصاد والحد من جبروت الانسان الذي يعيش على وجه الأرض، هذا التنبؤ لم يأتي اعتباطا، فالعديد من صناع السينما عاصروا الكوارث والامراض والأوبئة التي اجتاحت العالم ، مثل الطاعون والجدري والأنفلونزا الاسبانية التي اجتاحت العالم في عشرينات القرن المنصرم ، أي بعد ربع قرن على اكتشاف السينما، لذلك انتجت السينما العديد من الأفلام التي تتحدث عن إمكانية انتشار فايروسات يمكن ان تفتك بالبشرية جمعاء، بعضها يتحدث عن انتاج مثل هكذا الفايروسات ضمن مختبرات علمية للجيوش المتقدمة، لاستخدامها كسلاح فتاك، يمكن ان يتفوق على الأسلحة الذرية والنووية، طارحة في الوقت ذاته إمكانية ان لا تستطيع الجهات التي تنتج هذا الفايروس ضمان سلامة بلدانها ، فالفايروس ينتشر في الهواء ، ومع تطور الحياة ووسائل النقل ، فمن الممكن ان ينتقل الفايروس خلال أيام الى دول عدة ، وهذا ما حصل مع فايروس كورونا او كوفيد 19، الذي أنتشر كالنار في الهشيم في كل بلدان العالم.
السؤال هو هل ستطرح السينما بعد انتهاء أزمة هذا الوباء تتحدث عنه بطريقة يمكن ان تثير أسئلة عدة حول من صنع هذا الفايروس، منطلقة متخذة من نظرية المؤامرة منطلقا لذلك، وهل سنشاهد حربا سينمائية بين جهات الإنتاج التي تخضع لأيديولوجيا هذه الدولة او تلك، خصوصا ما تسمى بالدول العظمى منها، وهل ستتحدث السينما عن أمكانية نشوء حروب بين هذه الدول حول من هو المتسبب في انتشار هذا الوباء.
الان الوضع خطير والإنتاج السينمائي شبه متوقف بسبب الوباء، وننتظر انحساره لنشاهد جديد ما ستطرحه السينما حول الفايروس الأكثر رعبا على وجه الأرض.

كاظم مرشد السلوم

]]>
241283
التكوين وعناصر التشكيل الحركي “الميزانيسين” http://newsabah.com/newspaper/241280 Wed, 01 Jul 2020 08:27:18 +0000 http://newsabah.com/?p=241280 د. طارق الجبوري
ان الصورة في أبسط اشكالها لا تعدو ان تكون مجموعة من الخطوط وقد تكون هذه الخطوط بنائية تشكل الهيكل البنائي الرئيسي للصورة . وهذا ما يعتمده الميزانسين في تشكيله تماماً، معتمداً الخط والشكل والكتلة والحركة والفراغات والمساحات كعناصر للتكوين، وهذه العناصر لها لغتها العالمية ضمن تشفيرات
البعض منها معروف ومفهوم غالبا ما يفجر استجابات عاطفية متماثلة تقريبا لدى معظم المتلقين .
واذا ما توافر استخدامها مع تحقيق التكامل الدقيق فيما بينها بشكل فني وعلى قدر من الخيال والذكاء فإنها تؤلف لغة التكوين القادرة على ترجمة الجو و الأسلوب والحالة النفسية المطلوبة .
وبقدر ما تحدد الخطوط الهيكل العام للأشياء ، منها ما هو واقعي ومنها ما هو انطباعي يمكن ان تخلق علاقات مهمة ضمن (الرباعية) الشكل ، الكتلة ، الحركة ، الفضاء ، بشكل مترابط يخدم جانباً مهما من الميزانسين بقدر ما يؤدي الاسراف في استخدام الخطوط المستقيمة منها والمنحنية والمائلة الى الاضطراب في الرؤية وتداخل وتقاطع تعكس اثارة بالغة لا يمكن التحكم بها خصوصاً اذا ما عرفنا “ان الوقت المطروح لمشاهدة اللقطة لا يتسع لتفحص سطح الصورة على مهل فالنتيجة تكون تشويشاً صورياً ينجم عن وجود اكثر من ثمانية أو تسعة عناصر رئيسية في التكوين” ٣٠ . تضخ اشاراتها دفعة واحدة ، وهذا الجانب يفرض على المخرجين توخي البساطة في تنظيم الميزانسين لكي تستطيع العين مسح اللقطة بكل تفاصيلها و من ثم توحيد العناصر المختلفة داخل تشكيلة منظمة “قد تكون الخطوط من جهة اخرى ثانوية تقتصر على الوصل بين الخطوط البنائية وتقوية الروابط بينها أو تقوم بأداء الربط بين احد الخطوط البنائية وحدود اطار الصورة كي تثير الشعور بالاستمرار أو اللانهائية” ٣١ .
وهنا يأتي دور الاطار الخارجي ليلعب دورا مهما في تحقيق وحدة الشكل ذلك لكونه الوعاء لكافة الوحدات
البصرية التي تشكل منها اللقطة. وتتميز الصورة بالوحدة عندما تتكامل كل العناصر السمعمرئية التي يضمها المشهد. وهذا يحدث عند ترجمة الجو والمزاج النفسي المطلوب بالاستخدام المناسب للخط والشكل والكتلة والحركة والإضاءة اضافة لحركة الممثلين وحركة الكاميرا الى جانب استخدام اللون المناسب. وعلى كل العناصر النفسية والجمالية والتقنية للمشهد ان ترتبط في ما بينها برباط متينبغية ان تنقل الينا شعوراً عاطفاً موحداً ذلك ان الجمع بين خليط غير متكامل أو متجانس من عناصر السمع مرئية لا ينتج عنه سوى صدمة متضاربة الاتجاهات تؤدي الى اضعاف سرد القصة .
هنا يأتي دور الميزانسين في تنظيم هذه العملية وتنسيق هذه العناصر السنغرافية في تكوين يعد ترجمة واضحة لفحوى اللقطة والمشهد. هنا تتجلى مهام المخرج والمدير الفني في تشكيل ميزانسين خلاق عن طريق خلق التكوين على سطح مستوٍ متوازي الأضلاع بترتيب يتم عموما ضمن نوع من الموازنة أو المعادلة ذات الانسجام التوافقي ، ٣٢.
المقصود بالتركيب التقليدي والتكوين الاعتيادي المبني على اسس تكوينيه دارجة المقاييس القديمة أو التقليدية في الموازنة بينها . فأورسون ويلز وجون فورد وازنشتاين من النمط الأول بينما يشكل فيليني وبازوليني وكودار من النمط الثاني.
ان جميع العناصر السينغرافية التي في الكادر تعاني صراعاً فيما بينها وفقاً لبعض المدلولات ووفقاً للأحاسيس التي تثيرها هذه العناصر كل منها على حدة أو مجتمعة مع بعضها .
ولكي يتكامل الشكل وفقاً لأسس التنظيم الجمالي فمن الفروض ان تنتهي هذه الصراعات بين الوحدات البصرية بسيادة فريق من هذه العناصر.
هنا يلعب الميزانسين دوراً مهما في تنظيمه لعناصر السينغرافيا من اجل خلق التشكيل الحركي التكويني لتأطير موضوع معين مرسوم سلفاً في حدود اللقطة الواحدة. يجري كل ذلك عبر اشتغال واضح للمساحات والفراغات والكتل والوحدات البصرية الاخرى داخل مساحة محدودة هي حدود اطار الكادر . فأي تغير في وضع العناصر البصرية من المؤكد سيؤثر على احاسيسنا وسلوكنا وانطباعاتنا ويشترط ان تحل سمة التوازن التي تلعب دوراً هاماً في ترسيخ اللقطة والاحساس براحة نفسية حين النظر اليها .
مهمة المخرج تكمن في رسم التوازن وعدم وجود قوانين صارمة او معايير يمكن ان يقاس عليها. انالاحساس بالتوازن في الصورة السينمائية يبدو قريبا من القواعد الرياضية، ويكسب طابعا ماديا ملموسا ، الا انه في الواقع لا يعدو ان يكون مجرد احساس او شعور قد يحسه به المشاهد ولا يحس به الاخرون . ولكن بطبيعة الحال ان”النفس تميل لا شعورياً الى التوازن في التكوين حيث تلتئم العناصر المختلفة في
صورة مقبولة ” ، مع ذلك فان من المفروض عادة مراعاة قوانين التوازن في تقديم اللقطة هنا يأتي دور الميزانسين في ايجاد توازنات تقليدية أو غير تقليدية في فضاء الكادر ضمن اللقطة الواحدة .معتمداً الصوت كلاعب مهم.

]]>
241280
مهرجان الجونة السينمائي يؤجل دورته الرابعة الى أكتوبر المقبل http://newsabah.com/newspaper/241279 Wed, 01 Jul 2020 08:26:42 +0000 http://newsabah.com/?p=241279 تحسبا للظروف الصعبة التي تواجهها المهرجانات السينمائية العالمية

مركز الجونة للمؤتمرات والثقافة يحتضن فعاليات المهرجان في الدورة المقبلة 2020
تحسبا للظروف الصعبة التي تواجهها المهرجانات السينمائية العالمية، ولغرض إقامة دورة آمنة وناجحة من أجل ضيوفنا وجماهيرنا الأعزاء، قرر مهرجان الجونة السينمائي أن يعدل مواعيد إقامة دورته الرابعة، لتصبح في الفترة ما بين 23 – 31 أكتوبر| تشرين الأول 2020 في مدينة الجونة، أي بمثابة شهر زائد عن المواعيد المُعلن عنها سابقًا. سيتم الإعلان عن برنامج الدورة الرابعة للمهرجان في نهاية سبتمبر/أيلول 2020.
«تأثرت العديد من المهرجانات السينمائية بالأوضاع المتعلقة بالجائحة، وعودتها إلى المشهد ستبعث برسالة إيجابية إلى العالم بعودة الأمور إلى طبيعتها. نحن نختار أن نحيا في ظل هذا الأمل، في جو من الإيجابية، وأن نستكمل التزامنا الذي بدأناه من أجل المساهمة في تطوير السينما دوليا وإقليميا، وأن نضمن في الوقت ذاته تجربة آمنة وممتعة لكل المشاركين» هكذا علق انتشال التميمي مدير المهرجان.
يُفتتح في الدورة الرابعة لمهرجان الجونة السينمائي، مركز الجونة للمؤتمرات والثقافة (GCCC)، الذي يتميز بتصميمه المعماري الفذ الممتد على مساحة 8000 متر مربع من الفضاءات المفتوحة الواسعة، ويُعد هذا الافتتاح واحدًا من أهم الأحداث المنتظرة في تلك الدورة، حيث سيوفر أجواء فريدة لتجربة ثقافية وسينمائية جديدة.
مع مراعاة اللوائح الحكومية، يستكشف المهرجان في الوقت ذاته الإمكانيات المتاحة لإقامة الفعاليات سواء كانت في أماكن مغلقة أو مفتوحة أو حتى في الفضاء الإليكتروني (أونلاين)، خاصة تلك الفعاليات المتعلقة بـمنصة الجونة السينمائية، من أجل توفير تجربة مهرجانية فعالة. لكن تتمثل الأولوية الحرجة للمهرجان في المحافظة على سلامة الجماهير والضيوف المشاركين، ووضع ذلك في المقام الأول، عن طريق توفير كل المعايير اللازمة التي تحددها الهيئات الطبية.
يعمل فريق البرمجة بأقصى جهده منذ بداية العام، من أجل متابعة وتصنيف واختيار الأفلام للدورة المقبلة من المهرجان. تقدم حتى هذه اللحظة، للمشاركة في الدورة الرابعة، أكثر من 800 فيلم ومشروع في مرحلة التطوير وفيلم في مرحلة ما بعد الإنتاج.
صرحت بشرى رزة رئيس عمليات المهرجان، قائلة: «نحن حاليًا في حوار مستمر مع العديد من الأسماء الهامة في صناعة السينما والمهرجانات السينمائية، من أجل دراسة كيف يمكن للمهرجانات أن تتكيف مع الظروف الحالية وتواصل دورها في تطوير الصناعة إقليميا ودوليا. يشارك فريقنا في سوق مهرجان كان الافتراضي، من أجل مقابلة المنتجين والموزعين والحصول على الأفلام، إضافة إلى دراسة التجربة الإلكترونية لسوق الأفلام. كما سيتواجد فريقنا في مهرجانات الخريف من أجل الحصول على أحدث الأفلام الممتازة من كل أنحاء العالم.»

]]>
241279
فيلم «ديكور» ـ سيدة حالمة بين حياتين واقعية ومشتهاة http://newsabah.com/newspaper/241049 Wed, 24 Jun 2020 13:55:00 +0000 http://newsabah.com/?p=241049 شيء من أدب اللامعقول والعبث في اطار سيكودراما

خالد ربيع السيد

وأنت تشاهد فيلم «ديكور» إنتاج عام 2014م، من اخراج أحمد عبدالله السيد وتأليف شيرين ومحمد دياب ستعيش مع “مها” (حورية فرغلي) وحيرتها التي أدت بها الى صراع نفسي وانفصام حاد، وبالتالي ستؤدي بك الى نفس الحيرة، وأنت تشاهده لا تبحث عن قصة مترابطة ومنطق متسلسل وحبكة تقليدية، فأنت أمام عمل نهل من أدب اللامعقول والعبث Literature irrational and tampering في اطار دراما نفسية، بل أنه عمل يمارس عليك لعبة التخييل النفسي Psychological imagination.

“مها” التي تعمل مهندسة ديكور، وتسعى لبناء مستقبلها المهني وتحقيق ذاتها بكل جدية، ولتُشكل مع زميلها أو زوجها (فرضياً) “شريف” (خالد أبو النجا) الخلفية لإنتاج فيلم يتفاعل مع الحب. تسعى مها إلى الكمال في عملها، إلا أن ضغط الوقت لا يدع لها فرصة للاستمتاع بالعمل والحياة معاً، وإنما يتسبب فقط في الإحساس بالضغط والارهاق.

إننا أمام دراما نفسية Psychodrama مربكة تدور حول ثنائيات الماضي والحاضر والمتاح والمأمول والحقيقة والوهم والمرغوب والممنوع. وسؤالين: هل العالم الحقيقي الذي نعيشه هو بعيد عن العالم المتخيل أم ممتزج معه؟ وهل الاختيارات التي نختارها في حياتنا تكون متاحة وممكنة أم تحكمنا بعض العوامل الأخرى؟ هل نحن أحرار في ذواتنا؟ وكيف تؤثر الحرية على خياراتنا؟ هذا ما ينبغي أن نفكر فيه بعد مشاهدة الفيلم. وهناك محاور أخرى جديرة بالتأمل. إنه فيلم عن خيارات الحب والزواج والمصير والدور. كتابة ذكية لفيلم سيدوم ويخلد، لأنه فيلم تأسيسي لم يطرح موضوعه من قبل سواء في الرواية أو السينما. هكذا أعتقد.

المأزق الذي نعيشه.. أحياناً

من منا، نحن المتزوجون والمتزوجات، الذي لم يفكر أو تفكر وتتخيل للحظات متفرقة، لو أنه تزوج(ت) فلان(ة) بدلا عن فلان. سنذهب بخيالنا بين عالمين، وسنقارن ونحتار، انها ألعاب ذهنية يجريها العقل بالمشاركة مع الوجدان في غمرة الواقع، بسبب عدم وجود السعادة، أو بحثاً عنها… إنه المأزق النفسي الذي أراد أحمد عبدالله السيد والمؤلفان الأخوين شرين ومحمد دياب أن يضعا المشاهد فيه.. حسناً سنتداخل مع الفيلم.

بدايةً، يقدم الفيلم الثالوث الدرامي الشهير: الزوج والزوجة والعشيق أو العشيقة، فلو نظرنا إلى العلاقات الملتبسة بين الأبطال في الفيلم سنجد هذا الثالوث، ولكن لا نتعجل فليست “مها” امرأة بين رجلين: “شريف” و”مصطفى”، إنها أمام أزمة الاختيار التي تتيحها الحرية، فكل منهما يؤدى في نفس اللحظة دور الزوج والعشيق، ولكن مها في عالمين، حياتين، واقعية وخيالية أو مشتهاة.

امرأة بين رجلين

هكذا، تظهر مها وهي امرأة شابة حالمة رومانسية تمتلك جاليري تعمل به في الديكورات والتحف حيث تخصصت في دراسة الديكور المنزلي ثم ديكورات الافلام، ولكن حياتها لا تخلو من المشاكل الزوجية مع زوجها شريف (؟) مما جعل كل منهما يقرر التخلي عن الآخر والانفصال بعد حب دام لسنوات طويلة قبل الزواج، وهنا تتخلى مها عن حياتها التي تذكرها بطليقها (؟) شريف وتنتقل لتبدأ حياة جديدة في مدينة جديدة ومهنة جديدة، تسافر إلى مدينة أخرى لتعمل مدرسة في احدي المدارس الاعدادية، وتبدء حياة أخرى فتتعرف على أحد زملائها بالمدرسة “مصطفى” (ماجد الكدواني)، وتنشأ بينهما قصة حب تتوج بالزواج، وبعد شهور تنجب طفلتها الأولى (هيا) وتحقق حلم الأمومة الذي راودها، ولكن القدر لا يمنحها فرصة السعادة فنشبت الخلافات بينها وبين زوجها الثاني لتنهي زيجتها الثانية بالطلاق أيضًا.

ولكن مها لم تستسلم لتعاسة قدرها وتقرر أن تمنح قلبها فرصة جديدة في بلد آخر، فتأخذ بنتها وتسافر وهناك تتعرف على زوجها(!) ويصالحها القدر فتتزوج منه وتعيش معه حياتها الهادئة التي تمنتها من البداية، وفي نهاية الأحداث نكتشف أن كل ما مرت به مها من زيجات وانفصال ورجلين وإبنة وسفر من بلد لآخر ما هولا حلم طويل تفيق منه لتبدأ حياتها الواقعية. أو بقول آخر: الحياتين المتخيلتين اللتين يجب أن تختار مها واحدة منهما.

لنرجع من البداية، سنجد أن السرد يبدأ في اللعب على الحياتين فنصل قرب نهاية الفيلم إلى عدم معرفة أيهما الحقيقي وأيها المتخيل فكلاهما له وجهته في السياق والأحداث لتظل الشخصية الرئيسة تسير على حافة الحياتين حتى يصل العمل إلى نقطة التقائهما، فالسيناريو يقارن بين اختيار البطلة في حياتها كمهندسة ديكور وزواجها من أحد زملائها وعملها معه في نفس المجال مع اتفاقهما على عدم الإنجاب، وبين حياتها المتخيلة لو تزوجت جارها مصطفى وعملت كمدرسة وأنجبت منه طفلة. هل هي حالة شيزوفرانيا تعيشها مها؟ وتتخيل الحياة التي أحبتها وكأنها واقعها؟ هذا ممكن. أو أنها ستتخيل ماذا لو وضعت في كل حياة من هاتين الحياتين.

خيارين في الخيال

تتكشف تبعات خيارات مها عندما تبدأ في تغيير واقعها في الحياتين؛ فعندما قررت التخلي عن شريف لتجد مصطفى ما زال يعيش على ذكرى حبهما فلم يتزوج ويعيش حياته مغرقاً في سماع ومشاهدة الأعمال الفنية القديمة بينما في الحياة الأخرى عندما تترك مصطفى تجد أن شريف قد غير مسار حياته وتزوج من إحدى الممثلات وأنجب طفلا على غير ما اعتقدت. ما هذه الشوشرة التي يرويها الفيلم؟

في كلتا الحياتين تلجأ مها لنفس الطبيب النفسي ونفس العيادة مع الزوجين بسبب تتدهور، حالتها ويأمر الطبيب بإدخالها لإحدى المصحات النفسية لتبدأ في استيعاب حقيقة الأمور بعد امتثالها للعلاج. في لحظة يصدمها مشهد للراقصة “صافيناز” في أحد الأفلام التي تشاهدها، فتقف مذهولة أو مصدومة لثوان، فيا ترى ماذا جال بعقلها في تلك اللحظة؟ هل تلك هي الحقيقة الوحيدة في حياتها أنها أصبحت راقصة ترقص بين رجلين؟ وكله في خيالها!.

ثم سنتسائل: ما تأثيرات والدتها عليها (الممثلة منحة البطراوي)، نرى في مشهد مهم كيف أن مها أخذت تعاتب أمها وتلومها بأنها السبب في تشكيل حياتها وتحديد خياراتها. وأيضاً لا يغيب عنا مسألة الإنجاب واتفاقها مع أحد الأزواج بعدم الإنجاب (شريف)، بينما نجدها أنجبت طفلة (هيا) من مصطفى في الخيال الثاني.

ثم بحضور شريف ومصطفى ترفض مها الاختيارين لتسدل الستار عنهما لتبدأ في اختيار حياتها الجديدة في مشهد مماثل لمشاهد نهاية أفلام فاتن حمامة وتأخذنا الكاميرا في جولة داخل قاعة سينما يجلس أبطال الفيلم الذي شاهدناه يتلقون تهاني الجمهور على فيلمهم . ثم بصحبة شاب وفتاة من الجمهور نخرج مع الكاميرا إلى الشارع فيتغير لون الشاشة من الأبيض والأسود إلى الألوان بعد اصطدام سيارتين ببعضهما. وكأن كل ما حدث لم يكن سوى فيلم وليس حياة.

صعوبة التمييز بين الوهم والحقيقية

يرسم الفيلم صورة لعالَمين بالأبيض والأسود بنعومة وبطريقة تكاد تكون حالمة ولكنها مربكة للمشاهد، سيجد نفسه تائهاً في خلط محير في عموم القصة. وسريعًا يفقد القدرة على التمييز بين العالمين وأيهما الحقيقي وأيهما الوهم: هنا المرأة العاملة الناجحة والمضغوطة، وهناك المحبوبة والأم التعيسة، وهناك المريضة بالفصام التي يدور ذلك كله حولها أو داخلها، لا ندري، إنه فيلم عن قصة حدثت ولم تحدث وهو فيلم حدث ولم يحدث أيضاً، انه تلاعب (مقصود) على ما يدركه المشاهد وعلى ما لا يدركه.

 تتشابك موضوعات العالمين بصورة يوجهها العامل الثابت الوحيد المتمثل في الطبيب النفسي. فهل الثلاثة راضون فعلًا عن ماضي مها وحاضرها؟ هل شريف ومصطفى حقيقيون؟ ومن هم أصلاً؟ إنه الارباك المقصود الذي يتيح للمشاهد أن ينسج القصة كيفما يشاء، وتجعله يفكر ويتأمل كما يشاء. هل هو أدب اللامعقول؟ أو أدب العبث؟ ربما.

هل مها لم تتزوج أصلاً، وكل ما يحدث هو صراع نفسي تعيشة، وتحتار من تختار؟

فريق عمل رفيع

الفيلم يجبر المشاهد المتأمل والمتخصص الانتباه الى حرفية المونتير “سارة عبدالله”، فالفيلم قائم على التقطيع والتداخل بمدد زمنية لا مجال للخطأ فيها وهذا ما فعلته سارة بكل اقتدار، وبالطبع سننتبه لدقة مهندس الصوت أحمد مصطفى صالح في تجويد صوت كل لقطة بما فيها من خلفيات المكان والوقت والشعور الذي يريد ايصاله، وكذلك الحال في الموسيقى التصويرية الحسية النابهة في تأثيرها  لخالد الكمار وأحمد مصطفى، ناهيك عن مدير التصوير طارق حنفي. انه حقيقة فريق عمل متكامل ومن المؤكد أن يسري نصر الله الذي ورد اسمه في التتر، وكذلك ابراهيم البطوط الذي ظهر في المشاهد الأولى كان لهما تأثيرهما المهم في تحقيق الفيلم بهذه الكيفية المتجاوزة للسائد.

أداء حورية فرغلي

بين هذا وذاك تتألق حورية فرغلي في أداء دور مركب ونفسي ومعقد بكيفية لا تترك للمشاهد ثانية للإعتقاد بأنها تمثل، انها متقمصة للشخصية الى أقصى درجات التقمص، وبما يذكر بممثلي مدرسة أستديو الممثل Actor’s Studio التي خرجت كبار ممثلي الفن السينمائي في أمريكا.

انها ـ مها ـ  توظف صوتها المتهدج والخفيض بما يوحي بما تعانيه في داخلها، وكذلك نظرات عينيها الزائغة والمرتبكة والخائفة،(انها لا تنظر لأحد في عينيه أو وجهه)، وأيضاً لغة جسدها الذي تعتريه ايماءات صغيرة تشير الى الرغبة في الهرب، بل أن تعابير وجهها في كثير من المشاهد تحيل الى أن شخصية مها عائشة في داخلها بصراعها وتأزماتها بحضور كامل. هكذا ولا أجد حرجاً في أن أقرر بأنها تفوقت على خالد أبوالنجا وماجد الكدواني في جعل هذا الفيلم متميزاً ببصمتها الأدائية المبدعة. والحقيقة أن أدائها في هذا الدور يذكرنا بدورها المتميز في مسلسل ساحرة الجنوب.

إذن حتى لا أطيل، فختاماً لا يفوتنا أن الفيلم ممثلاً في مخرجه وكاتبيه، يقدم تحية للشخصيات النسائية في السينما المصرية، وللمرأة الحرة بشكل عام، حيث نرى في الخلفية بصورة متكررة مشاهد من أفلام فاتن حمامة، بما يذكّر بفيلم «الليلة الأخيرة» لفاتن حمامة ومحمود مرسي، اخراج كمال الشيخ. وهذه سانحة لأن نشاهد ذلك الفيلم مجدداً…. مها تعشق أفلام فاتن حمامة، وهذا بمثابة إشارة لرغبتها في أن تكون حرة وقوية ورصينة مثلها. ويبقى الكثير ليقوله المشاهد لنفسه ويحدث به ذاته.

]]>
241049
التعرض الجرىء للموروث الشعبي http://newsabah.com/newspaper/241046 Wed, 24 Jun 2020 13:53:00 +0000 http://newsabah.com/?p=241046 محرر الصفحة

واحد من اهم الافلام التي عرضت في مهرجان العراق الدولي للفيلم القصير هو الفيلم المغربي ” مختار ” للمخرجة حليمة الورديغي ، حيث حصل على الجائزة الثانية للمسابقة الدولية للمهرجان ، وتكمن اهمية هذا الفيلم بتمكن مخرجته من إيصال  ماتريد ايصاله من اعتراض على الموروث الشعبي الذي ربما يستند في الكثير من جوانبه على الفهم الغير صحيح للدين  بوقت قصير لا يتجاوز ال17 دقيقية هي الوقت الكلي للفيلم ، وهذا ما يميز الفيلم القصير عن غيره من الافلام ، منذ بداية الفيلم تؤكد حليمة الورديغي على براعتها في استخدام عناصر اللغة السينمائية ، ففي المشهد الأستهلالي حيث يرعي الطفل مختارالماعز تحت شجرة كبيرة في منطقة صخرية وعرة ، كان اشبه بلوحة تشكيلة فائقة الجمال ،حيث الماعز قد تسلق هذه الشجرة الى اعلاها ،ثم لتبدأ في استخدام اللغة الدرامية ، بلحظة عثور الطفل مختار على صغير طير” البوم ” يتشاءم منه اهالي هذه الجبال ، ويعتبرونه نذير شؤم لهم ، لكنه الطفل الذي لم يعرف بعد هذا الموروث ، فهو يتعامل مع الاشياء على طبيعتها ، فالصغار كل الصغار لمختلف الكائنات ابرياء قبل ان يعرفوا مايعرفه الكبار ،وبلقطة فائقة الجمال تعرض حليمة الورديغي باحة منزل الطفل ، لترسل للمتلقى رسالة مهمة عن تعامل الرجال مع عوائلهم في هذه الاماكن النائية ، الاب يأكل لوحده وقربه عدد من القطط ، فيما الام تجلس بعيدة عنه ، وربما لاتجروء على الجلوس بجانبه .

وبعفوية الاطفال يدخل مختار حامل صغير طير   “البوم” ليقيم الاب الدنيا ولايقعدها فالشر قادم لامحالة، الا بقتل مختار لصغير الطير الذي وجده ، فلا يجوز لاحد غيره ان يقتله ، وحين يرفض يسجن في مكان بأس ويرمى له الطعام من خلال شقوق الباب الخشبي .

وحين ينادي الطفل مختار بأعلى صوته على امه، تبرع مخرجة الفيلم بعرض مشهد متناقض، الاب يؤدي الصلاة غير أبه بصراخ الطفل الذي يوشك على الجنون ، وهو مشهد فيه قصدية عالية يبقى للمشاهد حرية تأويله وتفسيره ، ومع اصرار الطفل على الاعتناء بطائره يزداد عناد الاب في الاستمرار بحبسه ، رغم توسلات الام والجدة ، التي تعلق التعاويذ قبالة المنزل أبعادا للشؤوم والشرعن  البيت .

تسوء بعد ذلك حالة الطفل الصحية وتتعالى صيحات اهله عليه لحثه على قتل طائرة، وبمشهد مأساوي يقوم الطفل بأغراق الطائر في دلو الماء وقتله، ليطلق سرحه وليعود لرعي الماعز في ذات المكان الصحراوي الاجرد.

اسئلة كثيرة دارت في ذهني بعد مشاهدة الفيلم، مالذي يمكن لهذا الطفل أن يصبحه مستقبلا ، وما اثر مثل هكذا تجربة في حياته ، وهل سيقدر على القتل مستقبلا ، ولماذا يأتي الكثير من المتشددين من مثل هكذا مناطق ، ولماذ يكونوا بتلك القسوة التي يتعاملون بها مع من يفترضونهم خصوما لهم ، أعتقد ان الفيلم استطاع ان يجيب عن اسئلتي من خلال مابثه من رسائل ودلالات كثيرة ، مرة برمزية فائقة الجمال ومرة بمباشرة مؤثرة ، لكنها لاتريد أستدرار عطف المشاهد بقدر ماتريد أن تقول ان في عالمنا الذي نعيش مازال الموروث الشعبي الذي ربما يستند في الكثير من جوانبه على الفهم غير الصحيح للدين هو مايرسم خطى ابنائنا نحو مستقبل يحث الخطى للخلف ، بينما العالم يسير بسرعة فائقة نحو التطور والتقدم .

أخيرا اعتقد ان الفيلم القصير استطاع ان ينافس وبشكل كبير الفيلم الروائي أو الفيلم التسجيلي، وربما يحسب لصانعيه انهم برعوا بتكثيف السيناريو الادبي في نص مرئي لا يتوفر على الوقت الذي يتوفر عليه الفيلم الروائي أو التسجيلي.

]]>
241046