ميديويون حسب الطلب

عندما يلتقي الرزق الريعي وذلك الارث الطويل من العبودية والاستبداد، تنبعث الى الوجود اطوار لا مثيل لها من التدهور القيمي والاخلاقي، والذي اشرنا اليه في غير القليل من المقالات والاعمدة واللقاءات. لقد تطرقنا الى اعماق ذلك التدهور في الحقل الاشد فتكاً في حياة المجتمعات والدول، أي ما يعرف اليوم بـ (السلطة الرابعة) والتي تحولت في مضاربنا المنحوسة بقيم وتقاليد المحسوبية واللواكة والذل الى اصطبلات من شتى الوظائف والاختصاصات. تمتلك السلالات الحاكمة (السابقة والحالية) خبرة هائلة في مجال التدجين والترويض، وقد زادها الاقتصاد الريعي ومنظومة الدولة الراعية (أكثر من اربعة ملايين موظف) عجرفة وقسوة، حيث لا خيار امام المنتسبين لهذا الحقل الحيوي (الثقافة والاعلام) غير كسب ود حيتان المشهد الراهن وسماسرتهم، كي يتمكنوا من قضم شيء لذواتهم المتورمة أو سد رمقهم وذلك اضعف الايمان.
بالرغم من الاهوال والكوارث التي عصفت بالعراق وشعوبه من مختلف الرطانات والهلوسات والازياء في العقود الخمسة الاخيرة؛ الا ان كل ذلك ظل بلا تعبير ثقافي وقيمي واعلامي يتناسب معه، بل رافق كل ذلك عمليات اعادة تدوير واسعة لمسخ وتزييف وترسيخ للمعايير والتقاليد التي لا تحتفي ولا تسمح بالمرور الا لحاملي الباجات الخاصة باصطبلات الترويض. ما يجري على الساحة الاعلامية بشتى ابواقها ومنابرها التقليدية والحداثوية، لا يختلف ولا يشذ عما يحصل في الساحات الاخرى السياسية والافتصادية والاجتماعية، حيث قوات الفساد الضاربة باقية وتتمدد، رغم انف الديباجات والسرديات المستعارة. ان حالة اللبس واختلاط الاوراق في عصر “الفوضى الخلاقة” ومع اكتساح التقنيات الحديثة في مجال الاتصال والتواصل الاجتماعي، لاحد اكثر التضاريس يباباً في العلاقة مع العالم الخارجي؛ انتج لنا نوع من المخلوقات الخارقة في مجال التحول من جنس الى جنس آخر بأقل من لمحة، فلا ضير من الدقلات والشبخات بين معسكري البوكو وضده النوعي البوكو حرام، ما دامت طرق الامدادات للعلف اليومي مؤمنة.
الميديويون الجدد من الذين لا يفوتون ادنى فرصة للتقافز امام الاضواء، للادعاء بالانتساب لشريحة الانتلجينسيا، المسؤولة عن اروع الفتوحات المعرفية والقيمية التي عرفتها سلالات بني آدم، وصل بهم الامر الى مثل هذه المستويات من التذلل الخضوع امام اول تلويحة لسماسرة أكثر الطبقات السياسية تخلفا وفساداً في تاريخ العراق الحديث. لكن وبالرغم مما تثيره مثل هذه المشاهد الاستعراضية من اسى وألم للحال الذي انحدر اليه هذا النوع من مهرجي الثقافة والاعلام؛ الا انها محطات ضرورية للغربلة التي لابد منها، كي يعزل المتطفلين والطارئين على هذا الحقل الحيوي، والذي لم يكتف عند الامم الحرة بموقع السلطة الرابعة، بل ارتقى الى سنام السلطات في عالم حولته الثورات العلمية والقيمية الى قرية. ان المعركة ضد الارهاب ورأس رمحه الحالي (داعش) لا تستدعي خلط الاوراق والوظائف والمسؤوليات؛ فللجيش وقوات الامن والحشد والبيشمركة والمتطوعين، مسؤولياتهم المحددة والواضحة على جبهات القتال، أما مسؤولية العاملين في جبهة الثقافة والاعلام؛ فلا يمكن فصلها عن مهمة نشر وترسيخ قيم الحرية والتعددية والحداثة وسيادة القانون، والتي تمثل المصل المضاد والمجرب لكل اشكال الدعشنة والارهاب والفساد، لا خيانة مثل هذه الادوار لصالح فزعة اضافية من تعاويذ “فوت بيه وعلزلم خليهه” وشوطاً آخر من النحيب والعويل..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة