الأخبار العاجلة

حديث العلمانية (1-2)

/لم يتعرض مصطلح فكري الى التشويش اكثر مما تعرض له مصطلح «العلمانية» عن جهل مغلق، أو عن معرفة وموقف، بين من يذهب الى انها وصفة تعادي العقائد الدينية، ومن يراها تكرّم الدين بوضعه بعيدًا عن مستنقع السياسة، أو من يختزلها الى شعارات وتأشيرات كيدية حين يتعلق الامر باختيار «انموذج» مناسب منها للنظام السياسي في العراق
/اقول انه مصطلح قيد الجدل اوالشكوك اندلع مؤخراً في منتديات ومنافذ وحلقات ونزلت الاراء خلالها منزلة التخندق، كما هو دائما، مع سؤال عريض بقي معلقاً: هل ثمة علمانية عراقية مقابل علمانيات اخرى؟ وهو السؤال الذي طرح نفسه على طاولة البحث بلجاجة منذ سقوط الدكتاتورية الشمولية في البلاد، بوصفها شكلا من اشكال ترسيم الحدود(او فك الاشتباك) بين السياسة والدين.. بين المؤسستين السياسية والدينية في العراق.. بين الاختصاصات الدنيوية والاختصاصات الدينية.
/وشأن أي قاعدة من قواعد بناء الدولة الحديثة (كالديمقراطية والليبرالية واستقلال القضاء والانتخابات) فقد عُرفت العلمانية في المجتمعات الصناعية التي أزاحت الدولة الدينية التقليدية ووضعت مصدات للطغيان السياسي للكنيسة، وتكاملت طوال مئات السنين كتجربة حكم اوروبية لمجتمع صناعي لا تصلح للتطبيق في المجتمعات الشرقية الاسلامية الرعوية والمتخلفة، بل انها قدمت(او تُرجمت) مشوهة في الكثير من المطالعات التي جرى تداولها، اما في محاولة تبشيعها ورفضها بوصفها «نعرة» الحادية، اوفي تبسيطها المفرط بوصفها اجراءات شكلية لوظائف ادارية محضة للمؤسستين الدينية والسياسية.
غير انه من الخطأ القول بان الدعوة الى شكل من العلمانية وحالات الفصل بين الاختصاصات (وحتى ممارستها) لم تظهر في المجتمعات الاسلامية إلا في مراحل متأخرة، فان بعض معارضي الدولة الاموية، مثلا، عندما بايعوا معاوية خاطبوه بالقول: «نحن للأمة في أمور دينها وأنت للأمة في أمور دنياها» كما ان ثمة الكثيرمن الحالات كان فيها التشريع يجري مجرى الفصل بين مؤسستي الخلافة والفقه.
/وفي مطلع القرن الماضي، وعلى اثر الثورة الكمالية الاصلاحية، ظهرت معاجم في مكتبات الشرق الاسلامي تفسر العلمانية على انها «مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع الديني والمجتمع السياسي» وذهب الداعية الاصلاحي محمدعبده الى القول «لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين» اما الزعيم المصري سعد زغلول فقد اطلق شعاره العلماني الشهير: «الدين لله والوطن للجميع».
/بوجيز العبارة.. العلمانية ليست تمارين في الجدارة لكسب النقاش.. انها اكبر واخطر.
*************
تشيخوف:
«لا تقل لي كم هو القمر مضيء، بل أرني وميضًا من الضوء على زجاج محطم».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة