آفة الزمن

كل شيء يتدهور ويشيخ بمرور الزمن بلا استثناء :الفلسفات والايدلوجيات والاديان والعقائد والافكار، حيث دائما تجري عليها عمليات تجميل وتجديد واصلاح وترميم فاذا تساقط شعر فلسفة هل يزرعون لها خصلات معاصرة وفتية من الشعر حسب أخر صرعة قصة وحلاقة؟ واذا تساقطت أسنان دين وراح يترتر بواجبات عبادية وبقيم شرائع لا يفهم منه احد عن ماذا يتكلم خاصة وان رذاذ لعابه يتطاير بصاق وتفال بوجوه السامعين فيمسحون البصاق الديني عن وجوههم، هل يصبر الناس بانتظار تركيب طقم اسنان صناعية معاصرة تتناسب مع العصر ومتطلبات وجبات الطعام اليوم لا طعام القرون الغابرة، الطعام القديم عافته البشرية وكفت عن تناوله واعداده لأنه يسد باب العقل ولا يحتوي على فيتامينات الروح، كما انه طعام يسمم القلب فلا يعرف معنى الحب والرحمة وتقبل الاخر. انقطعت البشرية واقلعت عن تناول هكذا طعام فاسد يدعي الطباخ الذي أعده انه منزل من السماء في حين هو أرضي بامتياز فهو مجرد ثريد خبز ومرقة هواء مع بصل تفوح منه الصحراء ولا يحتوي على أي نكهة سماوية. الكثير من الاديان جددت نفسها واندمجت مع العصر عندما وضعت نفسها بيد مصلحين وعلماء أعادوا بناء دينهم وفق هندسة ومعايير الحضارة والواقع الجديد وقيم حقوق الانسان، هؤلاء المصلحين والعلماء استخرجوا سموم الخرافة والسحر والدجل والشعوذة وكل ما يتنافى مع العقل إذ أوقفوه الدين على قدميه فوق أرض الواقع الصلب والصادم بعدما كان يركض على رأسه للوراء فوق ارض الوهم والسراب، وها هو الدين معافى يرى العالم لأول مرة ليس بالمقلوب، بل رأه كما هو بدون تلفيق وعماء، وراح يعتذر للناس والمؤمنين به: بأنه ضحية رجال الدين، كانوا يرغمونه ان يرى بعيونهم الطامعة بالسلطة والاموال والنفوذ والجنس والاستحواذ، استغفلوا المريدين المؤمنين وخدعوهم بأن الله خلق الارض لهم وحدهم ولا يستحق غيرهم العيش وتنفس الهواء، رجال الدين هؤلاء ساقوهم الى التيه والجوع والعطش والجحيم لكي يخدعوهم بأنهم الجسر الوحيد الى الله والفوز بالجنة حيث يروون عطشهم بسواقي الماء وللبن والخمر ويشبعون بطونهم بما لذ وطاب ويضاجعون الحسناوات والحوريات بين شهيق وزفير. هكذا تحررت الاديان من استعمار رجال الدين وصارت السماء بمتناول أيديهم، تحرروا من خرافة الكفار والمنافقين وأساطير خلق العالم واسلوب التهديد والوعيد وكأنهم أطفال، تحرروا من تحريم العلم والفن وصارت أخلاقهم أفضل بكثير من عصر استعمار رجال الدين، الان لا يعانون من الاغتراب مع الحضارة وخارج التاريخ ومنفيين من زمانهم، الان هم يندمجون مع عصر الكهرباء والالكترون والسفر للفضاء، تحول عندهم الدين شاب يرتدي ثياب معاصرة وصديقة للبيئة وبيده كومبيوتر وفي جيبه موبايل، ينظر بحب لكل البشر ولا يعرف أحد مطلقا بأنه دين، لأن الدين شأن شخصي محض لا علاقة له بالاخرين. جميعنا بأنتظار اليوم الذي يصحو فيه الدين ليجد نفسه قيثارة تعزف لحن الحب للكون والبشر، ولكن كيف يتحقق مثل هذا الحلم والجميع يركضون على رؤوسهم للوراء ؟
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة