الأخبار العاجلة

ضياء العزاوي استعادة مغامرة التأريخ الفني

خضير الزيدي

لا تنبئنا، لوحات ضياء العزاوي، إلا بمزيد من المتعة البصرية، وبجوانب تتضح فيها الأشكال المتعددة وكأنها متن من الإضاءة السيميائية الدالة على حمولاتها المعرفية،ومرجعياتها الاجتماعية، والميثلوجية. وهو بهذا الاتجاه، يحقق ما تصبو إليه رؤيته مع واقع الفن ونزعته الشكلية ويعيد لذاكرتنا القول المشهود لكاندنسكي من أن (لكل فترة حضارية فنها الخاص بها وهو لا يتكرر البتة). وانطلاقا من هذه المقولة فان السمات الحية ودوافعها في مرجعيات أشكالها وآليات إنتاجها في السطوح التصويرية ترينا ارتباطا ذات صلة بعناصر ومقومات راسخة في المخيلة تقتضي طبيعة إشارتها السيميائية أن تكشف عن وحدات تركيبية ذات طابع جمالي وهي في الأساس ناشئة وفقا للإدراك الدلالي (signification) وبما انه من الداعين للتحول والخلق الفني المتعلق بتجانس الأبعاد الفنية وارتباطها بخواص الوجود فالأمر يدفعنا لتقصي آثار تجربته وكشف تلك الحقول الدلالية التي تميزت بها لوحاته منذ ستينيات القرن المنصرم حتى لحظة استعداده لمعرضه الاستعادي الذي سيقام في السادس عشر من أكتوبر حتى السادس عشر من أبريل 2017 على ارض الدوحة في متحف الفن العربي والذي يضم خمسمائة وستة وأربعين عملًا فنيًا متنوعا ولسنوات مختلفة كاللوحات المشيدة بأسلوبه وتقنيته التجريدية والتشخيصية أو منحوتات اشتغل عليها بتقنيات واستحضار جمالي بالإضافة لوجود أعمال طباعية ودفاتر رسم نظمت لتحاكي وتستنطق نصوصا شعرية لشعراء قدماء ومعاصرين فما الذي سيوفره معرضه الاستعادي للمتلقي؟
بداية لا بد من التذكير بان الجيل الستيني العراقي خاض غمار التجريب وقدم منجزا معرفيا حيال تحريك الفن العراقي والعربي واستند لمقولات الحداثة والتجريب وفتح أفقا معرفيا لينطق منه وكان صاحبنا العزاوي ممن دعا لذلك انطلاقا من تواجده الفعال وسط الجماعات الفنية في العراق يوم حقق فعل تواجده في المرسم الحر العائد للفنان حافظ الدروبي. أو عبر جماعة الرؤية الجديدة مع نخب فنية عرفت بتاريخها العريق ومنذ تلك المرحلة عمل لتكريس أسلوب واسع النطاق جعل متلقيه غارقا في التأمل والاستفسار عن وحدات الأشكال وحالات الشعور التي تثير حساسيتها الألوان المتضادة أو ما يستحضر من الألوان ذات الإيحاء والطبقة الواحدة solid) ) مع تقلبات الخطوط وتعرجاتها حيث المربعات والدوائر بمركزيتها وخلاصها الشكلي ومثاليتها وحتى بفيضها الدلالي لما تثيره من أشكال منغلقة تستثمر البعد الروحي والإشارة هنا لقيم الحروف وعلاقة المتخيل فيها مع المثلث وأنظمة العناصر واتحادها وبموازاة تلك الخطوط ودينامكيتها وتكاملها في الحركة يظهر لنا سياقها وبناؤها الأخير تآلفا في التحول التدريجي لنظام الوحدات البصرية ،ضياء العزاوي يشترط أن تكون حواسنا رهينة قيمه الجمالية لهذا يفعّل من مستويات السيمياء حتى وان غرقت لوحاته بنزعة زخرفية فالمهم عنده أن ينتج الشكل سواء التجريدي أو المشخص تكاملا لما يمليه التنظيم الذهني واعتقد توفر ذلك من خلال الطبقات اللونية مع الخطوط والحرفيات وتحول لاحقا ليكون معزى دلاليا يحمل من شفرات الأشكال مقابل التعامل مع المدلول وهو ما استطيع أن اسميه التكامل المادي والروحي وسط سطوحه الفنية.

العلامة وسلطة المتلقي
يلجأ العزاوي إلى فرض مزيد من التقارب في التجاور اللوني ويتخذ منه قاعدة أساسية ليشيد تطبيقاته البصرية وتلعب تنوع الوحدات في هذا المضمار دورا فاعلا في التأثير جراء حمولاتها السيميائية فتتولد هنا ما يسميه السيميائيون بالدلالة التطابقية ويتبين منها الجانب التركيبي والتحويلي بينما يقتضي الأمر الآخر في لوحات أخرى أنشئت في سنوات لاحقة أن نعير أهمية لنظام الدلالة الإيحائية ولا بد من الاعتراف في هذا السياق انه مركب معقد يحتاج لفك الشفرات والطلاسم ولابد من التعامل مع اللوحة بدقة عالية جعل من انتقائية الفكرة وتطبيقها صوريا محاولة جادة لخلق مناخ يناسب توجهات ما بعد الحداثة وفهم العزاوي لخطابها التنويري فأصبحت اللوحات متقلبة في مفاهيمها بينما أجزاؤها ذات صلة وثيقة بمرجعياتها وارتباطها بالعلاقات الداخلية مع تعدد الوحدات وكل هذا التكوين التقني والمهاراتي يستند لاستنارة ذهنية تريد التجديد في خطاب العمل الفني مع نزعة نفسية تميل لتوظيف التراث والميثلوجيا والطقوس وفهم تاريخ الأسطورة بما يجعل محيط اللوحة المعرفي غارقا في هذه التفاصيل إننا إزاء لوحة بحمولات ثقافية وعلى هذا التصور البنائي وفهمنا لأعماله نجد علامات اللوحة تغوينا في مرجعيتها الدلالية ومخاطبتها لنا وفقا لسلطتها وشروط وظيفتها وهذا نتاج مخيلة تعيد ربط العلامات المتناثرة في السطح التصويري لتنشئ نظاما علاماتيا بشكل جديد وهو خارج عن منطق غواية المتلقي أو تحدد له مساره العيني ليراقب عناصر اللوحة الأمر ليس هكذا أبدا في المساحات المرتبطة فيما بينها يمارس فناننا نوعا من المقارنة في جمع النقائض بحيث يزين اللوحة من اجل وظيفة التصوير بينما تذهب بصيرته لاستنطاق رموز لا تنفصل عن الأشياء الثابتة والوجودية وظيفة لوحته أن تعيد بنائية الحسي فينا وتثير تصوير الإدراك فيجاري مظهر العلامة منطق المعنى.

أهمية معرضه الاستعادي
من يعي أهمية العزاوي وتأثيره في الساحة الفنية العراقية والعربية يعرف أن منجزه الفني كفيل بإنتاج منجز جمالي يتحقق في الاهتمام بالأصول والتأثير والمعيارية ولا نأتي بجديد أن قلنا هذا المعرض يعيد لنا التذكير بفنان عالمي قرر أن يلج عالم الفن ليستدرج الجميع ليقيّم لوحاته فينتزع عقائدنا ضمن مفاهيم تجديد الخطاب الصوري ووظيفته الآن، المعرض يكشف تاريخ شخصية أملت علينا أن نعي اتجاهها ونزعتها باتجاه الموروث والتراث الإسلامي والمادي فهو لا يستعرض لوحات غارقة في المهاراتية إنما يبدي تاريخا من الأفكار المتنوعة وينير أضواءه ليرينا خصائص أعماله ومدى مخيلته وكل مقارنة بين الماضي والحاضر ستقف في وقت ومكان واحد تفضي لإعلاء الشعور والفخر بما أنجزه عبر خمسين عاما مجددا وباعثا لحيوية الفن وإحيائه ومتخذا من الرسم دافعا حيا ليعلو من روح الإنسان وأهدافه التنويرية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة