الأخبار العاجلة

من الذاكرة.. تعقيدات المصالح وطنياً ومع دول الجوار (تركيا وايران)

في ١٩٩٣، دعينا في اطار «المؤتمر الوطني» لاجتماع عاجل في مقر «الاتحاد الوطني» في شقلاوة، وذلك قبل الحرب الاهلية (نيسان ١٩٩٤-تشرين الثاني١٩٩٧). حضر الاجتماع الطرفان الكرديان، والمرحوم الجلبي والاخ محمد الشبوط (ابو سعدي) والشيخ ابو حيدر والمرحوم هاني الفكيكي والمرحوم حسن النقيب، واخرون. وفوراً وضعت الخرائط وعرض قصف المدفعية الايرانية لمناطق كردستانية عراقية، رداً على عبور مسلحين من كردستان للاراضي الايرانية.. وكان هناك حماسة لأن يتخذ الاجتماع موقفاً مضاداً. وعندما جاء الدور لنا قلنا ان المؤتمر انشىء لمواجهة النظام، لا للدخول في معركة مع دول الجوار.. واننا بهذا التوجه سنخسر حليفاً رئيساً.. وعلينا حل هذا الموضوع بالحوار. تكلم المرحوم هاني الفكيكي، وقال ان الاخوة في «المجلس الاعلى» يعرفون جيداً تعقيدات الاوضاع لدى الجارة ولدينا، وطلب تأجيل اتخاذ القرار لحين انتهاء اتصالات «المجلس». وبالفعل سافرت الى طهران، وقام الشهيد الحكيم قدس سره بدور كبير في شرح تعقيدات الاوضاع مستثمراً ثقله الكبير هناك. وتوصلنا الى اتفاق ان يقوم «الاتحاد» بسحب السلاح من القوى الكردستانية الايرانية، وتم السيطرة على الوضع نسبياً.
نسي كثيرون اليوم، ان عبور الحدود الى العراق كان من اصعب الامور وقتها.. ليس بسبب الجانب العراقي بل بسبب الجانب الايراني المسيطر على حدود يتجاوز طولها ١٢٠٠ كم، من دون اي تواجد لقوات عراقية خصوصاً في كردستان. وكنت في النصف الاول من التسعينات ممثلاً «للمجلس الاعلى» وللشهيد الحكيم في كردستان، اقيم فيها ثلثي ايام العام تقريباً. ومع كل العلاقات الطيبة، لكننا كنا ننتظر احياناً اشهراً لنحصل على موافقة العبور الايرانية. لذلك اتخذت طريقاً آخر عبر دمشق والقامشلي والحسكة، ثم المثلث بين تركيا والعراق وسوريا، فنعبر نهر «الخابور» للجانب العراقي.
الايرانيون لهم مشكلاتهم الحدودية ايضاً.. فمقابل PKK لديهم منظمات قريبة منه كـ»بيجاك»، وقوى كردستانية وايرانية وعلى رأسهم «خلق» ومعسكر «اشرف». برغم ذلك لم يقوموا بعمليات عسكرية واسعة في الاراضي العراقية، ومارسوا الضغط والتفاوض اساساً، والذي اثمر اخيراً –مع «خلق»- برغم مرور سنين طويلة.
ندرك ان قوى كثيرة تستغل –عن حق وباطل- نقاط ضعف الحالة العراقية وعواملها التاريخية. لكن العراق «ضعيف غير مستسلم»، حسب ما سجلته الذاكرة عن الامام السيستاني (كما سمعتها منه مباشرة) دام ظله الوارف.. ومن لا يستسلم يسعى لاستعادة قوته وحقوقه وسيادته لنفسه ولجيرانه، كتركيا وايران والدول العربية. فلا معنى لقوة وسيادة دولة من دون سيادة وقوة جيرانها. ويهم العراق جداً اشتراك تركيا وغيرها في الحرب ضد الارهاب. وهناك مجالات عديدة للتعاون غير التواجد العسكري بشرطه وشروطه. فهناك حساسية في موضوع تواجد دول الجوار. فالعراق يدفع غالياً عندما يتحول لحلبة صراع او ارض مستباحة لتنفيذ سياسات ضارة له وللاخرين. بل يسعى لاستعادة قوته وسيادته، ليكون ساحة مصالحة ووحدة ومصالح للجميع. وهذا لا يتم سوى باتفاق ابنائه وجيرانه باحترام الواقع العراقي ولسلسلة من التعقيدات. كالتعقيدات داخل الاقليم، وبين الدولة والاقليم، وبين الاقليم والمناطق المتنازع عليها، وبين الاقليم والدول المجاورة، وبين القوى المجاورة والاقليم، وبين الدولة والدول المجاورة، وفيما بين الدول المجاورة نفسها، ناهيك عن التعقيدات الدولية. فالامور متداخلة ومعقدة، وفيها حقوق وتجاوزات في آن واحد، ويجب الاحاطة بابعادها. وان صعود الدور السياسي للشيعة ليس انتصاراً لايران فقط ليسجل ذلك تدخلاً عليها، بل يجب ان يكون (وهذه مسؤولية العراقيين وجيرانهم) لكل المسلمين والعرب وشعوب المنطقة قاطبة. والمشكلة هنا توازنات المنطقة وتعقيداتها وتقلبات موازين القوى فيها. فعدت ايران الشاه كحامية لدول الخليج. وكانت مؤسساتها وجيوشها تُستدعى لتحارب التيارات الناصرية والثورية. ووافق النظام السابق لدخول تركي محدود بسبب الوضع الحدودي ومع الاقليم يومها. وهذه الامور تغيرت جذرياً اليوم، فالعراق يرفض التفويض السابق لتركيا من دون اتفاقات جديدة.. واختلفت العلاقات بايران بعد الثورة.. وعليه يجب وضع كل شيء في مكانه، لكي يتسنى لنا جميعاً التعاون واحترام بعضنا لتفكيك التعقيدات، وللوصول الى افضل الحلول لمصلحة الجميع من دون استثناء. (للبحث صلة).
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة