التحرير.. معركة لم تبدأ بعد

ليس هناك ادنى شك من ان معركة تحرير الموصل من الاحتلال الداعشي، ستشكل منعطفاً حاسماً في مسار الحرب ضد هذه العصابات الارهابية والظلامية التي سحقت وانتهكت حقوق وكرامة عيال الله بنحو مريع. غير ان الحسم العسكري وحده لن يتمكن من الاجهاز النهائي على مثل هذه الاورام العقائدية والسياسية والعسكرية، والتي تستند الى احتياطات هائلة من موروثات التخلف والسبات الطويل. ان التقارير التي تحدثت بنحو متشائم عن مرحلة ما بعد تحرير الموصل، لم تكن عبثية او متحاملة او متسرعة كما يتخيل البعض، بل هي تستند الى وقائع ومعطيات صلبة على ارض الواقع، ولن يجدي نفعاً اقتفاء اثر النعامة في تفادي مخاطرها.
لا سبيل امامنا غير مواجهة تلك المخاطر والتحديات، بعيداً عن اساليب اللف والدوران والفزعات الفاشوشية وزمرة المهرجين المتخصصين في ادارة الحفلات التنكرية واجترار الخطابات والديباجات الاستعراضية. علينا الاقرار بأن المناخات والقيم والمعايير المهيمنة على المشهد الراهن، تسير في غير صالح ذلك السبيل، حيث آثار اربعة عقود من الهيمنة المطلقة لابشع تجربة توليتارية عرفتها المنطقة، ما زالت تفرض نفسها بقوة على قطاعات واسعة من العراقيين، خاصة وان القوى التي تلقفت مقاليد امور الدولة والمجتمع بعد “التغيير” لم تتصد لها وحسب بل وجدت في ذلك الارث من القيم والتقاليد عوناً لها في مهمة اعادة تدوير شروط الهيمنة والتسلط. لذلك نقول؛ بان معركة التحرير الحقيقية لم تبدأ بعد، وما معركة تحرير الموصل وقبلها الرمادي وبقية المدن العراقية الا بداية على الطريق الصحيح من اجل الشروع بالمعركة الحقيقية، والتي سيكون ميدانها الاساس؛ في السياسة والفكر.
ان القوى والكتل والاحزاب الحالية ومن شتى الرطانات والسرديات والازياء، هي اليوم عاجزة بحكم طبيعتها الضيقة والمتخلفة عن مواكبة مثل هذه التحديات. هذا ما برهنته تجربة حكمهم بعد زوال النظام المباد، واكدتها الارقام التي اعلنت عنها مؤخراً المفوضية المستقلة للانتخابات، لعدد ونوع الاحزاب التي تنطعت لخوض الجولة المقبلة للانتخابات المحلية والاتحادية، حيث لسان حال حيتانها يقول: اقترعوا لمن تشاؤون فاصواتكم لنا. كل هذه المؤشرات تؤكد باننا ما زلنا بعيدين عن المعركة الحقيقية ومتطلباتها من الوعي والاصطفافات والتشريعات، التي تقطع الطريق أمام عمليات تخصيب جديدة لمثل هذه العصابات والجماعات التي تسعى لفرض قوانينها على حساب مشروع الدولة الحديثة ومؤسساتها. لن نكشف سراً عندما نشير الى الحالة البائسة للنشاط السياسي والفكري، والى زيف ما يدعيه البعض عن التغيير والاصلاح والشعارات الوطنية والانسانية المستعارة، فهذا بات معروفاً للجميع واكدته مراراً الثمار التي تمخضت عن تلك الفزعات. ان تحرير وانتشال العراق من هذه الحلقات المميتة لتصفية الحسابات المحلية والاقليمية والدولية على اراضيه، يبدأ من الشروع بوضع حد لكل هذا التلاعب واللامسؤولية في التعاطي مع اللعبة السياسية، لوضعها على الطريق الصحيح والمجرب الذي عرفته المجتمعات والدول الحديثة، عبر تسوية شجاعة وتشريعات لا تسمح بوجود كل هذا الطفح من (اللا احزاب) في العملية السياسية (114 حزباً). من دون ذلك ستتبدد تضحيات ومآثر المقاتلين، وسنهدر فرصة تاريخية لاعادة رسم خارطة العراق الجديد وتعزيز وحدته وامنه وازدهاره..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة