الانتصار بمعركة الموصل مقدمة للانتصار في الحرب

تتقدم القوات لحد الان بسرعة ومن دون مقاومة كبيرة.. وبرغم ان الحملة لم تبدأ الا يوم امس ويصعب اعطاء تقديرات موضوعية حولها، لكننا نستطيع القول باطمئنان ان هذا يعني امرين.. ان «داعش» غير مستعدة لخوض معركة مكلفة تعرف انها ستخسر فيها وتضحي بسلاحها ورجالها، او ان «داعش» تستدرج القوات الى مواقعها الصلبة والمعدة اعداداً جيداً لتوقع بها الخسائر الكفيلة بكسر زخم الهجوم. ونحن نميل للاحتمال الاول من دون ان نستبعد تماماً الاحتمال الثاني. واسباب ذلك عديدة، ومنها: 1- انهم جربوا المقاومة في الفلوجة فخسروا خسائر فادحة، ثم جاءت معارك الشرقاط والقيارة التي سقطت فيها مواقعهم بسهولة نسبية.. 2- وان من يفتقد الغطاء الجوي ينشر قواته ولا يجمعها في مساحة ضيقة يسهل على الطيران التعامل معها.. 3- ولعل ما قيل عن دعوة المقاتلين للانسحاب هي معلومات صحيحة، خصوصاً وان «داعش» تعلم بأن السكان معادين لها، وما لم تستعجل «داعش» المغادرة، فقد يأتي وقت تفقد فيه أية قدرة على المبادرة والتحرك. وفي وقت ما قد يبدأ الاهالي، بعد اطمئنانهم وزوال الخوف عن قلوبهم، بالقيام هم بالانتفاض ودعوة القوات للدخول، كما حصل في اثناء الانتفاضة الشعبانية، عندما انتفض الاهالي وبدأوا بدعوة قوات المعارضة للتقدم ضد قوات النظام انذاك. فالموصل كبيرة ويصعب السيطرة عليها من قبل قوى فقدت او تفقد المبادرة، كما تشير المعلومات. برغم ذلك لا نستبعد تماماً الاحتمال الثاني، فالاحتياط ضروري لئلا يأخذنا التفاؤل اكثر مما يجب. فـ»داعش» غالباً ما استثمرت تناقضات القوى الداخلية والخارجية، وان هناك قوى تتعاطف معها ليس بالضرورة حباً بها، بل كرهاً باعدائها. وتفكر ان انتصاراً سريعاً وحاسماً في الموصل سيقلب -في غير صالحها او مبكراً- موازين القوى العراقية والاقليمية والدولية. فكما في «الفلوجة» وغيرها، سيرفعون رايات «حقوق الانسان» كما رُفع يوماً «القرآن» على اسنة الحراب لارباك المعركة واحراج القوى التي تقاتل «داعش». وان الاخيرة بارعة جداً في استغلال الاعلام والتناقضات العراقية والاجنبية لمصلحتها.
على كل حال، نميل للاعتقاد ان معركة «الموصل» قد تحسم سريعاً، ذلك ان لم تظهر عوامل جديدة من شأنها تغيير تقدير الموقف. لكن الاهم من ذلك هو انه حتى مع حسم المعركة عسكرياً، فان جهداً سياسياً وتحالفياً داخلياً واقليمياً ودولياً كبيراً يجب ان يبذل لكسب مجمل الحرب. فـ»داعش» خسرت الكثير من مواقعها، كما ان تراجعها اليوم يختلف عن تراجع «القاعدة» في النصف الاخير من العقد الماضي، والذي اسهمت «الصحوات» يومها بتحقيقه. فالسرطان يومها لم يستأصل تماماً.. وبقي معشعش مستغلاً ضعفنا وانقساماتنا ليعود مجدداً بصيغ واسماء جديدة. صحيح اننا نشهد تحولاً استراتيجياً كبيراً في المعركة ضد «داعش».. فالتضامن الاقليمي والدولي معنا واسع وكبير ومتنوع. والقوات العسكرية اكثر تنظيماً وقدرة من السابق.. كما ان دخول «الحشد الشعبي» قد وفر للمعركة قاعدة صلبة وقوية لمنع تكرار ما حصل يومها.. ولعل من العوامل المهمة ايضاً دخول «الحشد العشائري والوطني» الذي يتكون من قوى مجربة في عدائها لـ»داعش». لكن اسلوب «العشعشة» والاستمرار بقتل المواطنين عبر المفخخات، واستغلال التناقضات الداخلية والخارجية قد يعيد المشهد. لذلك فحسم الحرب ضد «داعش» سيعتمد على السياسات التي سنتبعها بعد معركة الموصل. وتجارب التاريخ كلها تشير ان اخطر لحظات الحرب هي عند الانتصار. فاما ان تتعزز السياسة الراشدة السليمة التي قادت للانتصار في المعركة، او ان تغلب نشوة النصر ونبدأ بارتكاب اخطاء تبعدنا عن كسب مجمل الحرب.
د. عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة