المفسدون في الأرض

يُصر المتأسلمون على سَوق عيال الله بالقوة والقسوة المفرطة الى فردوسهم الموعود، حيث لا تتحمل عقولهم وجود عالم آخر قد تطور وتجاوز ما جربه الاسلاف قبل أكثر من 1400 عام من عيش وعلاقات ومفاهيم. ما زالوا يقسمون العالم الى فسطاط للايمان وآخر للكفر. هذا التحجر الفكري اجبر سكان هذه المضارب المنحوسة على دفع اثقل الفواتير، حيث ولجت مجتمعاتهم بهمة هذه النسخ الجديدة من الهلوسة والهذيان، الى اطوار من التشرذم والضياع لم تتخيلها أكثر العقول تشاؤما وسوداوية. ومن خلال قراءة المعطيات الواقعية التي نضحت عن مصائر شعوب وملل هذه الاوطان القديمة، خلال العقود الخمسة الاخيرة، وتحديداً بعد ما عرف بـ (الصحوة الاسلامية) نهاية السبعينيات حتى عودة الروح لمومياء الخلافة؛ نجد ان هذه الاوطان اصبحت وبنحو متسارع غير صالحة للعيش، حيث اضطر الملايين من سكانها للهجرة الى فسطاط “الكفر” بما تبقى لهم من فرص للعيش بحرية وكرامة.
لقد كنت أحد الذين رمتهم الاقدار نهاية السبعينيات الى المنافي، وصادف ان عشت في طهران بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، وهناك شاهدت كيف تحولت الثورة الشعبية الى شكل جديد من انظمة الحكم الشمولي، عندما استفرد المتأسلمون بالثورة ومن ثم الدولة، بعد ان قضوا على كل اشكال التعددية السياسية والحزبية تحت لافتة (المفسدون في الارض الذين يحاربون الله ورسوله..) ذلك الاتهام الذي استعارته محاكم آية الله خلخالي الثورية من معارك القرن الاول الهجري؛ لتسوق المعارضين لسلطة الولي الفقيه الى المشانق وساحات الاعدام. بعد ذلك شهدت ايران أوسع هجرة جماعية شملت طيفاً واسعاً من بناتها وابنائها وخاصة من شريحة المتعلمين والكفاءات، حيث يعيش اليوم الملايين منهم في بلدان الشتات.
بلدان مثل العراق وسوريا وايران، اختارتها القوافل البشرية منذ القدم، كملاذ مناسب وطيب للعيش الكريم، تحولت ببركة المتأسلمين وتجارب الاستبداد الى أكثر البلدان الطاردة لسكانها الاصليين. هذه الحقائق التي لا يتناطح عليها عنزان، تفرض على الذين ما زالوا يقبضون على شيء من العقل والوجدان، مهمة الكشف عن هوية (المفسدون في الارض) في عالم اليوم، ممن عاثوا عبر سلوكهم وممارساتهم واولوياتهم ومدوناتهم الظلامية، فساداً ودماراً لحياة الناس وامنهم واستقرارهم وسلامهم. ان محاولات تجاهل ونكران الوشائج الوثيقة التي تربط بين ارتفاع وتيرة هرب الناس وفرارهم من اوطانهم وصعود وهيمنة الجماعات الاسلاموية على المشهد السياسي والاجتماعي الراهن؛ لن تجدي نفعاً ولن تغير من واقع الامر شيئاً. كما ان محاولات القاء اللوم على الشيطان وسلالاته أو الجيل الجديد من الاعداء التاريخيين للامة التي تحولت لظاهرة صوتية، لن يفضي لغير المزيد من الخيبات على طريق الفزعات البائسة. لا بد لنا من مواجهة هذه الردة الحضارية، والتي اكتشفها مبكراً المفكر الشجاع الشهيد فرج فودة، وحذر منها قبل ان تكشف عن كل هذه الاورام الخبيثة التي افترست أجمل وافضل تطلعات ومشاريع هذه المجتمعات في بدايات النصف الثاني من القرن المنصرم. علينا ان نتفق جميعاً على هوية الفساد الحقيقي وحواضنه كي نتمكن من استرداد اوطاننا وتوفير كل الشروط المطلوبة لتعود ثانية صالحة للعيش الذي يليق بالمخلوق الذي حاولت السماء تكريمه ذات عصر..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة