يوسف العاني.. العظماء يموتون مثنى وثلاث ورباع

رحل رائد المسرح والسينما والادب والمواقف الوطنية يوسف العاني، وشيع تشييعاً رسمياً وشعبياً الى مثواه الاخير. لقد ترك العاني بصمة واضحة في الثقافة العراقية واسهم بمسرحياته وافلامه في الكثير من التغييرات الايجابية التي حصلت في البلاد. فالكل يتذكر مواقفه في منعطفات عراقية متعددة. كان ناقداً جريئاً وقريباً من النبض الشعبي العراقي، فلاقت اعماله رواجاً واسعاً، وقادت لتأثيرات كبيرة في الرأي العام. رحم الله يوسف العاني وتغمده برحمته الواسعة، واسكنه فسيح جنانه.
ان ما يؤلم اكثر من غيره، هو ليس الموت الذي هو قدرنا جميعاً، وهو حق، و {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام}. فالاشد ايلاماً اشكال الموت الاخرى، كالملاحقة والتضييق على الاعمال، فالعظماء من امثال يوسف العاني يقتلون عندما لا يكرمون وهم احياء.. واكرامهم لا يكون بمجرد منحهم ارضاً او مالاً، كما نفعل كلما فاز فريقنا بكرة القدم.. بل يكرمون بترويج اعمالهم ومساعدتهم ليبدعوا اكثر فاكثر، فما بالكم عندما تحاصر اعمالهم، ناهيك عن حياتهم.. فهذا هو القتل الحقيقي للشخصيات الكبيرة سواء أكان عالماً او مجاهداً او محققاً او اديباً او شاعراً او رياضياً او مقاتلاً او مواطناً متميزاً في تضحياته وتقديمه الخدمات الوطنية لبلده. لماذا يموت معظم عظمائنا في بيوت منزوية تحيط بهم ظلال من اقرباء او اصدقاء.. او يموتون في المهجر والغربة لتنقل جثامينهم الطاهرة الى بلدهم ليدفنوا فيها. فهل ستبقى ارض العراق ارضاً للاحياء الاموات مرة، لتصبح بعد ان تستردهم للاموات الاحياء؟ ولماذا تضيق ارض العراق بانساننا؟ ولماذا يرحل رجالات العراق ورموزهم السياسية والادبية والعلمية والتاريخية وهم في غربة في وطنهم او في بلاد الغربة بعيداً عن اوطانهم؟ ولماذا لا يحتضنون وتحتضن اعمالهم في اثناء حياتهم ليكرموا ويمجدوا نتيجة خدماتهم، من اجل ازدهار الحياة، وتفتح الابداعات والعطاءات، لتتعاظم ثروة الوطن المعنوية والبشرية والعلمية والعقلية الحاضرة والمستقبلية؟. ما هذا الجفاء وهذه القسوة؟ فهل وضعت السياسة والتعدديات والالوان المختلفة لتزهو الصورة ولتنمو قابليات الانسان والشعوب؟ ام هدف السياسة والايديولوجيات قتل الحياة وخنق الطاقات والامكانيات، بلا حياة وهم في اوطانهم، او بلا اوطان وهم في غربتهم؟ هل يملك الحكام، او الثقافة السائدة، حق التحكم بمقدرات الوطن والارض والحياة لكي لا توفر للمواطنين، ناهيك عن الرموز والعظماء، ابسط مستلزمات العيش، واهمها الحد المطلوب للحريات، وللرعاية الصحية والاجتماعية والحياتية. كم من عظيم وكبير، لم يغادر، او غادر وعاد في وقت ما، فبدل ان يعان ويساعد على توفير ابسط مستلزمات عيشه، او انجاز ابسط معاملاته نجدهم يشاكسونه ويضعون العراقيل لتعقيد ابسط الشكليات، فيقتلونه حسرة وحزناً، بعد ان قتلوه ابداعاً وانتاجاً وعطاء.
فالانسان يموت موتاً طبيعياً.. والانسان تقتله الغربة، ويقتله حرمانه من وسائل تعبيره وعطائه ومستلزمات حياته، لكن الانسان يقتل بعد موته، عندما لا تحيا اعماله وذكره، فيلفهما النسيان والاهمال، كما يلف جسده التراب. فنحن لسنا صادقين بما يكفي مع عظمائنا ورجالاتنا. قد نشيعهم، ونحضر مجالس عزائهم. لكن العظماء والعلماء والمبدعين احياء ما زالت اعمالهم حية. فهم قد عاشوا من اجل ذلك وقدموا حياتهم لتحقيق امور سامية للاخر ولبلدهم. فالامم تبدأ بتكريم علمائها بعد بلوغهم سناً معينة. وتكرمهم في حياتهم وتحتضن نتاجاتهم وتعمل على تطويرها، فهي ملك الناس والاجيال القادمة. ولا يحد من قرارها هوية سياسية او عقائدية، بل تحدده نوعية العطاء والتضحية والابداع والخدمة التي يقوم بها الرموز والرواد.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة