قضية الرز التالف وموقف القانون

سلام مكي
كاتب عراقي
انشغلت الاوساط الشعبية ومواقع التواصل الاجتماعي بقضية الرز التالف الذي تم الكشف عنه مؤخراً في موانئ البصرة، لكن بطريقة ساخرة، لا تعالج المسألة بقدر ما توفر جواً من التشاؤم وعدم الرضا. فهذه القضية التي تتعلق بحياة العراقيين، وتمس صحتهم ووجودهم، كشف عنها بطريقة او بأخرى، لكن طريقة معالجتها لحد الآن ليست بالمستوى المطلوب. الشعب هو اول متضرر من القضية والرز التالف هو من يستهلكه، لكن لا اثر فعلياً لحد الآن وكأن الأمر لا يعني الشعب اصلا، ما عدا البوستات الساخرة والصور التي تعطي للمسألة ابعاداً ساخرة اكثر في حين انها يجب ان تكون جدية في الطرح.
وزارة التجارة، الجهة المسؤولة عن توريد الشحنة انكرت في البداية الأمر واصرت على ان لا صحة للأنباء التي تشير الى تلف شحنة الرز، لكنها تراجعت بعد ساعات وبينت ان جزءا من الشحنة تالف وليس جميعها وان القول بغير ذلك هو مغرض ولا صحة له. ولغرض دفع التهمة عن الوزارة قام مسؤول فيها بفحص عينة من الرز في بث مباشر عبر موقع التواصل الاجتماعي( فيس بوك) بعد طبخ كمية من ذلك الرز واكله امام الجمهور، حتى يتأكدوا انه سليم ولا صحة لما اشيع عن تلفه! في وقت يفترض ان يفصح في مختبرات عملية ومن قبل الجهات المختصة وتعلن النتائج امام الرأي العام، وفي حالة وجود تلف في المادة تقوم الجهات الرقابية بإحالة الموضوع الى القضاء لمحاسبة المقصرين والزام الموظف او المؤسسة التي ابرمت العقود مع المستوردة للمادة بتعويض جميع الاضرار التي تسبب بها والزامه بتعويض كل مواطن تضرر من تلك الشحنة.
لكن ان يقوم موظف بتصوير مقطع فيديو يأكل فيه الرز ليثبت ان وزارته بريئة من القضية هو امر يدل على مدى استخفاف تلك الجهات بحياة المواطن العراقي، وعدم اهليتها لإدارة شؤونه العامة والخاصة. الموانئ العراقية اعلنت انها غير مسؤولة عن شحنة الرز وان التجارة هي الجهة التي تتعاقد مع الشركات لاستيراد البضائع الخاصة بالبطاقة التموينية. الغريب ان عقود تجهيز البطاقة التموينية وحسب ما صرح به احد المسؤولين تنص على قيام جهة ثالثة بفحص البضائع وتحديد صلاحيتها من عدمه، من دون وجود جهات رقابية رسمية، وهذا بحد ذاته يشكل صورة من صور الفساد، الذي يهدد حياة المواطنين وصحتهم.
الحكومة من جانبها لم تقم بأي اجراء يوازي خطورة الموقف سوى الاعلان عن تشكيل لجنة تحقيقية مكونة من عدد من المؤسسات لغرض الوقوف على حقيقة الموضوع الذي يعد جريمة كبرى لا يمكن السكوت عنها. القضاء وهيئة النزاهة مسؤولان عن تطبيق القانون وحماية ارواح المواطنين من الفساد والارهاب.
القضاء بدوره انشأ محكمة متخصصة بالجرائم الاقتصادية في اعتراف منه بأهمية الاقتصاد ومساسه بأرواح المواطنين، كون ان الفساد مستشر بنحو كبير في مؤسسات الدولة، ولكي يطبق القانون بنحو سليم وبعيداً عن الضغوط، تم انشاء هذه المحكمة لتكون مختصة بجرائم الاقتصاد، والمحكمة تعتمد بنحو اساس على قانون العقوبات وقانون حماية المستهلك رقم 1 لسنة 2010 الذي اكدت المحكمة نفسها ان القانون يعاني من خلل تشريعي وقصور من ناحية العقوبات والجرائم. فمثلا عقوبة الغش والتدليس واخفاء حقيقة المواد المكونة للمواصفات المعتمدة في السلع هي الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر او بغرامة لا تزيد على مليون دينار! ولغرض تشجيع المخبر عن الجرائم الاقتصادية التي نص عليها القانون، نص على القانون على منحه مكافأة لا تقل عن 100 الف دينار ولا تزيد على مليون دينار!! وللأسف حتى هذه العقوبة البسيطة التي لا يمكن مقارنتها مع فداحة الفعل ومدى تأثيره على سلامة العراقيين، ومقدار الاموال التي يتم جنيها جراء ادخال البضائع الفاسدة، مقابل غرامة لا تزيد على مليون دينار قد لا تطبق بحق المخالفين وان طبقت، قد يخرجون بالعفو.
ان قضية الرز التالف فرصة كبيرة، لغرض مراجعة القانون رقم 1 لسنة 2010 ويجب على الجهات المختصة ان تبادر الى تعديل الفقرة المتعلقة بالعقوبات، كونها لا تناسب الجريمة وتسهم في انتشار الغش والتلاعب في البضائع وعدم السماح لأجهزة الدولة بالتفتيش والرقابة. وهذه مسؤولية اللجنة الاقتصادية في البرلمان والحكومة والنزاهة وكل جهة مسؤولة عن حماية ارواح الناس.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة