أدباء أمام المحاكم الأدبُ الممنوعُ عِبر أربعة قرون

ليس موضوع مقالات هذا الكتاب هو نشأة الرقابة على الأدب في ألمانيا وتطورها ثم إخفاقها في نهاية المطاف، بدءاً من المرسوم الذي أصدره الأساقفة عام 1485 لقمع ما أعد مؤلفات ملحدة، وصولاً إلى التجسس الاشتراكي لجهاز أمن الدولة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي أفل نجمها. إنما الهدف هنا هو إيضاح الكيفية التي مورست بها الرقابة في كل حالة ومع كل كاتب. لقد اخترنا لكم حالات أنموذجية ، من هراطقة ومتمردين وسباحين ضد التيار، من كتاب وناشرين تحتم عليهم أن يقفوا أمام المحكمة بسبب تهم “العصيان السياسي” أو ” التجديف على الرب” أو ” إفساد الأخلاق” أو ” إهانة الذات الملكية”.
إن الصراعات التي خاضها أهل الأدب مع أصحاب السلطة لهي علامات مضيئة ومحطات مهمة على طريق الوصول الى رأي عام حر لا تقف أمامه عوائق أو عقبات.
القسم الثاني
اختيار وإعداد: يورغ – ديتر كوغل
ترجمة: سمير جريس ، محمد عوده ، د. عدنان عباس
تحرير: حسن ياغي
لقد اقام هاريش علاقات متنوعة، مثلاً مع برت بريشت الذي توفي فجأة في 14 اغسطس1956، ومع إرنست بلوخ في لايبتسغ، ومعجورج لوكاش في بودابست، وكذلك رومان كارست ومارسيل رايش رانتسكي في وارسو، أو مع رودولف أو غشتاين في هامبورغ، مؤسس مجلة “شبيغل”. وكان بمقدور هاريش – قبل بناء سور برلين – أن يحافظ على هذه العلاقات مع ألمانيا الغربية بسهولة نسبية، لا سيما مع برلين الغربية.
بالنسبة لهاريش وعديدين آخرين من المثقفين في الكتلة الشرقية شكل المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي نهاية العالم، بكل معنى الكلمة. وفجأة لم يعد جوزف فيساريونوفيتش دجوغاشفيلي ( أي: ستالين) هو الزعيم المحبوب للبروليتاريا العالمية، ولم يعد يمثل السلطة غير المتنازع حولها في كل القضايا الفلسفية والسياسية والنظرية، ولم يعد هو الأب المحبوب في وطن كل العمال، بل أمسى وحشاً متعطشاً للدماء، جلاداً وسفاحاً قتل الملايين من رفاقه وأزاح طبقات كاملة من الشعب، مثل طبقة الكولاك مثلاً ( أي: طبقة ملاك الأراضي) التي راحت ضحية سياسة المزارع الجماعية.
لقد كان هاريش – مثله في ذلك مثل عد كبير من الرؤوس السياسية في الكتلة الشرقية – يرى أن المرء لا يستطيع أن ينتقل الى جدول الاعمال ببساطة وكأن شيئاً لم يحدث في موسكو في ذلك اليوم الذي ألقى فيه نيكولاي سيرغيفيتش خروتشوف خطابه في الخامس والعشرين من فبراير 1956، حتى وإن كان حزب الاتحاد الاشتراكي في ألمانيا تحت زعامة أولبريشت يدعي الصمم والعمى: أذ كان على الناس في الشرق لكي يحصلوا على معلومات حول مضمون خطاب خروتشوف أن يلجؤوا الى الاذاعات والصحف الغربية. فمنذ الخامس واعشرين من فبراير 1956 بدا واضحاً: ان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي لم يعد قادراً أو راغباً في أن يحافظ على انفراده بالسلطة، لا سيما أنه أعطى إشارات في هذا الاتجاه قبل عام من ذلك، وتحديداً في مايو 1955 عدما زار خروتوشف بلغراد وتصالح مع تيتو. وبذلك اعترفت موسكو بالطريق اليوغسلافي الذي سار عليه تيتو نحو الاشتراكية، وهو ما فتح آفاقاً جديدة للدول التابعة للاتحاد السوفياتي. وفضلاً عن ذلك كانت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية قد أعلنت في مايو 1955 استقلال النمسا، وهو ما برهن على أن الدب الروسي يخفف من إحكام فبضته بين الحين والاخر ليلق فريسة من بين براثنه، الأمر الذي اسهم في أحياء الآمال بشأن إعادة توحيد ألمانيا، حتى وإن لم يسفر مؤتمر القمة في جنيف في يوليو 1955 عن أي نتائج جوهرية بعد أن تراجع خروتشوف عن موقفه خلال رحلة العودة إلى برلين، ومنع مرة أخرى إجراء الانتخابات الحرة المتفق عليها.
وسط كل هذه البوادر اعتقد رجل مثل هاريش – كان يعلم حق العلم ما يطالب به أفلاطون من أن يتولى الفلاسفة حكم الدولة – أن عليه أن يقدم على الفعل.
“أنني أعلن هنا بأن موقفي السياسي فيما يتعلق بجوانب محددة من المجتمع في جمهورية ألمانيا الديمقراطية قد تطور منذ فترة وأصبح نقدياً على نحو متنام، بل وأصبح – جزئياً – موقفاً رافضاً. غير أنني ما زلت حتى اليوم أؤيد ملكية الشعب لأصول الإنتاج والدور الرائد الذي يضطلع به حزب الاتحاد الاشتراكي الالماني في الدولة وداخل منظمات المجتمع، كما أؤيد الحماية والمعونة التي يقدمها الاتحاد السوفياتي منذ عام 1945 الى جمهورية ألمانيا الديمقراطية على طريق تطورها الاشتراكي.
غير أنني أعتقد في الوقت ذاته أن هناك ظواهر في جمهورية ألمانيا الديمقراطية ستؤدي الى عزلتها عن بقية القوى التقدمية في جميع المناطق الالمانية. وحسب رأيي فإن تلك الظواهر تتجلى في جهاز الحكم المركزي المتضخم وكذلك في نسخ النماذج والطريق السوفياتية نسخاً آلياً أعمى من دون مراعاة كافية للتقاليد الوطنية”.
هكذا صاغ هاريش أفكاره في التحقيق الأول بعد اعتقاله في 29 نوفمبر 1956 والذي استمر من الساعة الخامسة والربع بعد الظهر حتى الثامنة وعشرين دقيقة من صباح اليوم التالي، أي أن التحقيق استغرق إجمالاً خمس عشرة ساعة.
أجرى التحقيق الملازم أول إرملر، وهو ربما الشخص نفسه الذي عرف في ما بعد باسم الجنرال فيرنر إرملر في جهاز أمن الدولة (الشتازي)، والذي كان في جهاز الشتازي والذي كان في عام 1989 يحتل المرتبة التاسعة في التسلسل الهرمي في جهاز الشتازيبعد مليكة ، ويضم المحضر بإيجاز حصيلة 275 ساعة من ساعات التحقيق التالية.
منذ البداية – أي منذ ربيع 1956 – وهاريش ” يلعب على المكشوف”. إذ كان يعمل على برنامج إصلاح لجمهورية ألمانيا الديمقراطية على عدة مراحل، كما كان منهمكاً في وضع برنامج آخر لحزب الاتحاد الاشتراكي. وكان يستند في ذلك – كما أعلن – على محادثات أجرها مع أعضاء حزب الاتحاد الاشتراكي في المانيا والاحزاب الشيوعية في الديمقراطيات الشعبية الصديقة. وفي هذا الصدد قال لأحد المحققين بالحرف الواحد: “هذا البرنامج سجلته في ربيع 1956 وأعطيته لمواطنين سوفيات أعرفهم شخصياً، وهم قاموا بالتسويط في أكتوبر 1956 لعقد لقاء مع السيد بوشكين، السفير السوفياتي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.
ونظراً لأن المحقق كان يريد أن يكشف عن كل اتصال قام به هاريش، وكان ينقض كالنسر على كل معلومة ولو ضئيلة يقدمها له المتهم، وبالنظر إلى ذلك فمن المثير للعجب أن الوسطاء السوفيات لم يثيروا على ما يبدو الاهتمام، أو في الاقل لم يظهروا في محضر التحقيق. ولهذا لم يكن مفاجئاً تماماً أن تظهر بعد نهاية ألمانيا الشرقية ” القديمة” تكهنات، من جانب فالتربانكا مثلاً، أن هاريش قد يكون قد تحالف مع جناح إصلاحي في الاتحاد السوفياتي، غير أن ذلك الجناح لقي هزيمة خلال الصراع على السلطة، ومعه انهزم الفيلسوف، الحليف الالماني. عندها استصدر هاريش حكماً قضائياً يمنع يانكا، المسجون معه، من نشر مثل هذه الأقوال ، وربما تكون هناك ملفات سرية لا يمكن الاطلاع عليه حتى اليوم، ولذلك لا يمكننا أن نقطع بحكم نهائي في ما يخص هاريش، طالما أن ملفات الاستخبارات السوفياتية والسفارة السوفياتية في برلين الشرقية ما زالت مغلقة، وطالما أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي spd ما زال يمانع في الكشف عن ملفات مكتبه السابق في برلــين الشرقيـة، مستخدماً حججاً واهــية. ففــي شهر نوفمبر 1956 أجــرى هاريــش سلسة مـن الاحاديـث مع بـاول فيبر وزيغفريد فايغل من المكتــب الشرقي عن الدعم الذي يستطيــع الحزب الاشتراكي الديمقراطي أن يقدمه لسياسة هاريش. وهذه المفاوضات لا بد أن تكون بالطبع قد دونت في ملفات المكتب. وكانت ألمانيا الشرقية تنظر الى مفاوضات هاريش على أنها جريمة جسيمة، إذ أن حزب الاتحاد الاشتراكي كان يعد المكتب الشرقي للحزب الاشتراكي الديمقراطي وكراً لعملاء اجهزة الاستخبارات الغربية وبؤرة للمنشقين والمخربين.
ماذا كان يريد هاريش على وجه التحديد؟ لقد أعلن برنامجه على النحو الآتي منذ أول محضر من محاضر التحقيق الذي أجري في ليلة اعتقاله الاولى، في 29/30 نوفمبر 1956:
“ا. إلغاء المركزية إلغاء تاماً في القطاع الاقتصادي العام، على أن تتولى مجالس العمال إدارة المصانع والرقابة عليها؛
2. تطبيق سياسة زراعية جديدة نهدف الى غلق التعاونيات الزراعية غير المنتجة، وبيع الماكنات والجرارات الى التعاونيات المتبقية، على أن تتم مساواة صغار الفلاحين بمتوسطي الملكية منهم، بهدف إنشاء هيكل زراعي صغار الفلاحين بمتوسطي الملكية منهم، بهدف إنشاء هيكل زراعي يتخذ من ألمانيا الغربية مثالاً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة